دمشق – «القدس العربي» : تتواصل العمليات العسكرية العنيفة على محاور التماس، الشرقية والغربية لمدينة خان شيخون، في ريف إدلب شمال غربي سوريا، بين فصائل المعارضة وقوات النظام السوري، وسط قصف مكثف يمهد التقدم أمام القوات المهاجمة إلى بلدات جديدة، ما تسبب بنزوح أكثر من مئة ألف شخص، من محافظتي حماة وإدلب، ومعظمهم ما يزال في الحقول وعلى الطرقات العامة.
ووثق المرصد السوري خسائر بشرية بين الطرفين جراء القصف الجوي والبري والاشتباكات بريف إدلب الجنوبي مؤكداً مقتل 10 مقاتلين بينهم 6 من الجهاديين، بينما قتل 8 عناصر من قوات النظام والمسلحين الموالين لها، لافتاً إلى ارتفاع عدد الغارات والضربات الجوية والصاروخية والمدفعية إلى أكثر من 500 ضربة، حيث نفذت طائرات النظام الحربية 33 غارة على كل من التمانعة وخان شيخون والركايا وكفرسجنة وترعي والشيخ مصطفى ومعرة حرمة وحيش ومحاور التماس جنوب إدلب، بينما ارتفع عدد البراميل المتفجرة التي ألقتها الطائرات المروحية إلى 38، سقطت على محور كبانة في ريف اللاذقية الشمالي، والشيخ دامس وحيش ومحيط خان شيخون والشيخ مصطفى ومعرة حرمة والركايا ومحاور التماس في ريف إدلب الجنوبي، إضافة إلى أكثر من 25 غارة شنتها طائرات «الضامن» الروسي على محيط حيش والتمانعة وكفرسجنة وخان شيخون والركايا ومحاور التماس بريف إدلب الجنوبي، ومورك ولطمين بريف حماة الشمالي، و410 قذائف استهدفت أماكن في القطاع الجنوبي من الريف لإدلب، وجبال اللاذقية بالإضافة لريف حماة الشمالي.
نزوح جماعي كثيف
قيادي ميداني بارز في المعارضة السورية، أشار في تصريح لـ»القدس العربي» إلى دخول الشمال السوري، المرحلة الثانية من الحرب ضده بقيادة روسيا ومن خلفها إيران والنظام السوري، وقال القائد العسكري ان المرحلة القائمة «تتميز بدخول قوات برية جديدة ضمن حلف المهاجمين على الشمال السوري، منها قوات خاصة تابعة للجيش الروسي، مجهزة بتقنيات عسكرية عالية، يمكن استخدامها خلال النهار والليل والأجواء غير المستقرة، إضافة إلى دخول ميليشيات إيرانية من أصول فلسطينية و لبنانية، إلى ساحة الحرب في ريفي حماة وإدلب، ويضاف إليهم الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، وعند دخول هذه القوات إلى الساحة، لا بد من بعض التراجع لدى قوات المعارضة السورية في بداية المرحلة الثانية».
ولكن رغم كل ذلك، نجحت المعارضة السورية، وفق القيادي، في عملية امتصاص حجم الهجمات البرية والجوية الشاملة، ومن ثم «تنفيذ هجمات واسعة ضد القوات المهاجمة، مما أدى إلى تحسن الأوضاع لصالح المعارضة تباعاً، فتكللت تلك الجهود باستعادة بعض المواقع، والأهم من تلك النتائج، هي ايقاف تقدم قوات النظام وروسيا وإيران، فيما نجهز لخطط جديدة، ستمكننا من استعادة زمام المبادرة من جديد، رغم تفاوت التوازنات بين الجانبين».
نزوح جماعي كثيف للمدنيين شمالاً و«ميليشيات إيرانية» من أصول فلسطينية ولبنانية تشارك في المعارك
وأدى استمرار الحملة العسكرية الشرسة على مناطق خفض التصعيد شمال سوريا من قبل نظام الأسد وروسيا، إلى نزوح قرابة مئة ألف شخص خلال أيام عيد الأضحى، حسب الائتلاف الوطني، الذي اكد أن ما يزيد عن 92119 شخصاً نزحوا من منازلهم بمحافظتي حماة وإدلب خلال الأيام الأربعة الماضية، 40461 منهم نزحوا خلال الـ 48 ساعة الماضية، ومعظمهم ما يزال في الحقول وعلى الطرقات العامة.
واعتبر المعارض السوري، ووزير الثقافة السابق لدى النظام، رياض نعسان آغا، ان الروس يصرون على الحسم العسكرية وإخضاع الشعب بالقوة، ما سيجعل الحرب مستمرة لعقود وان اختفت فيها العنلية بانكسار مرحلي، مضيفا ان إدلب تضم «قرابة أربعة ملايين مواطن سوري، فقد تجمع فيها الهاربون من القصف والتدمير الذي أصاب جل المحافظات السورية، وهجر إليها قسرياً مئات الآلاف ممن رفضوا الاستسلام والبقاء تحت سلطة النظام بعد المصالحات الوهمية التي عقدتها روسيا بالقوة العسكرية المفرطة في الغوطة وريف حمص وحوران ومناطق سورية عدة، ولو أن تجربة المصالحات أسفرت عن نتائج مقبولة لكان انضم إليها كثير ممن يسكنون اليوم في العراء، وربما كان بعض سكان إدلب تجنبوا الدمار الذي يهددهم ويحيط بهم». وأضاف ان الروس لم يفوا بوعودهم لمن صدقوها وصالحوا، حيث تعرض كثير منهم للاعتقال، وبقيت نظرة النظام لهم على أنهم إرهابيون وخونة وعملاء، ولم يستفد النظام من الانتصار الذي حققه له الروس والإيرانيون وحتى الأمريكان الذين تخلوا عن دعم حوران، ليفتح صفحة جديدة ويعلن أن مطالب الشعب بالحرية والكرامة مشروعة، وأن القانون وحده هو الذي يحكم، وليس أهواء أجهزة الأمن وأمراء الحرب من الميليشيات التي خرجت عن النظام وعن الشعب معاً، ولو أن النظام قدم رؤية لمستقبل سوريا بعد تسعٍ عجاف لشغل الناس بمناقشتها ولتوقف القتال ليبدأ الحوار، لكن الإصرار على الحسم العسكري وإخضاع الشعب بالقوة سيجعل الحرب الدائرة مستمرة إلى عقود قادمة، وإن اختفت فيها العلنية بانكسار مرحلي، فإنها ستنقلب إلى حرب استنزاف دامية لأن الدم يجر الدم».
ونقل الائتلاف السوري عن مصادره، أن مئات العائلات تجهز أيضاً، حاجاتها الأساسية، للنزوح في اتجاه ريف إدلب الشمالي هرباً من عمليات القصف الهمجية، كما ناشدت المؤسسات المدنية المحلية الهيئات المعنية لفتح مراكز الإيواء والمدارس والمخيمات، واستقبال الأعداد الكبيرة من النازحين، داعين المنظمات الدولية لتوفير الاستجابة الإنسانية السريعة.
فريق استجابة سوريا أكد استمرار أعمال النظام «الارهابية في محافظة ادلب والمناطق المحيطة بها ضمن منطقة خفض التصعيد، بدعم مباشر من الطرف الروسي، حيث تواصل تلك القوات حملتها العسكرية على المنطقة منذ الثاني من شهر شباط/فبراير، وسط صمت كامل من الأطراف الدولية.
مقتل 1221 مدنياً
ووثق فريق «منسقو استجابة سوريا» منذ بداية الحملة العسكرية على المنطقة مقتل 1221 مدنياً بينهم 332 طفلاً، كما وثق الفريق أعداد النازحين والمهجرين داخلياً خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، بـ 5015 عائلة ليصل عدد النازحين خلال الفترة الواقعة بين الحادي عشر من آب /أغسطس وحتى الخامس عشر من الشهر ذاته لأكثر من 19 ألف عائلة.
رئيس الفريق الاستجابة محمد حلاج قال لـ»القدس العربي»، ان الأطراف الدولية ترغب في إطالة المعاناة للسكان المدنيين في المنطقة والضغط عليهم بغية إخراجهم من المنطقة وعودتهم قسرياً إلى مناطق سيطرتها، كما أدان استمرار قوات النظام وحليفه الروسي في حملتهما العسكرية على محافظة ادلب والمناطق المحيطة، حيث اسفر ذلك عن سقوط مزيد من الضحايا المدنيين، وبلغ تعدادهم نحو 1300 مدني منذ توقيع اتفاق «سوتشي» في أيلول/ سبتمبر 2018. واعتبر ان التصعيد يحتم على المجتمع الدولي إعادة صياغته مفهوم الجرائم الإرهابية وتحديد المسؤول عنها، مع العلم أنها معروفة وواضحة للجميع وفي مقدمتها النظام السوري وحليفه الروسي ومن تبعهما من ميلشيات أجنبية، محملاً الأمم المتحدة والمجتمع الدولي مسؤولياتهما تجاه المدنيين في شمال غربي سوريا.
ولفت إلى ان الأعداد الضخمة من النازحين داخلياً تجاوزت 853000 نسمة في أكبر موجة نزوح تشهدها سوريا منذ2011، ما جعل المنطقة عاجزة كلياً عن الاستجابة العاجلة للنازحين في المنطقة وسط استمرار تدفق الآلاف من النازحين الفارين من العمليات العسكرية، مطالباً الجهات الدولية المعنية بالشأن السوري بالتدخل بشكل مباشر لإيقاف تلك الأعمال العدائية التي تستهدف المدنيين في محافظة إدلب والمناطق المحيطة بها.