«قيامة الحشّاشين» رواية التونسي الهادي التيمومي: تعدد الخطابات وصناعة العقلانية والتأويل

عادل ضرغام
حجم الخط
0

يضعنا الروائي التونسي الهادي التيمومي في روايته «قيامة الحشّاشين» في مواجهة نص منفتح على الواقع والمعرفة، وعلى السياسي والفكري في جديلة بنائية لا يستطيع القارئ أن يحسم الهيمنة والسيطرة لواحد منهما، لأنه في استناده إلى معرفة دافقة بالعلوم الإسلامية والمعارف الفلسفية وعلم الكلام والعلوم الباطنية والفلسفات الغنوصية التي يتجاوب فيها المقدس بالمدنس، والإلهي بالبشري في إنتاج خطاب يهشّم الحدود بينهما، لا يكفّ نصه عن الإشارة إلى الواقع في وجود فعل القداسة مسدلا على بشر يأكلون ويشربون، ويردمون فجوات خطابهم بالطقوس والأكاذيب.
ففي الرواية نحن أمام خطابين: خطاب عقلي يرتبط بالراهن، وخطاب ماضوي له سلطة فاعلة في تنميط السياقات بالرغم من المدى الزمني، لأنه خطاب يستمدّ قداسته من إسدال القداسة على أفراده استنادا إلى حب البشر واحتمائهم بصناعة النماذج التي تهدهد سؤال الغيب. فالعودة إلى خطاب حسن الصبّاح صاحب قلعة (ألموت) في حوار مع خطاب سردي معاصر تشير إلى هوية عربية مجروحة بالنتوءات والمذهب العديدة وإلى إشكالية معقدة في التعامل مع التراث، وفي التخلص من شوائبه التي تعرقل حرية العقل، فدرجة الاندحار أمام الخطاب الماضوي بالرغم من مسوح العقلية التي نصدرها كبيرة.
فالحشّاشون ليسوا أفرادا او مذهبا أو فرقة، ولكنهم في نص الرواية يصبحون معبرين عن حالة أو راهنية مستديمة في الثبات والتجذّر في ظل آفاق مكبّلة بارتكازها على الماضي، فتتخلق هوية ذات طبيعة خاصة، هوية مملوءة بالاختلاف، ومسيجة بإرث الأحقاد والدماء داخل المذهب الواحد، فالرواية مشدودة لهذا القلق الهوياتي للمشرق والمغرب على حد سواء، فالتكتلات المذهبية التي تتعاظم على الحدود الوطنية مؤسسة أفقيا داخل ذاتها، وتخلق هويتها في انتماء خارج حدود مركزيتها المكانية، وهذا يجرح الهوية، ويجعلها غير مكتملة وغير متصالحة مع ذاتها وتاريخها.

صراع الخطابات وصناعة العقلانية

تؤسس الرواية بنيتها – بالرغم من كونها مشدودة زمنيا إلى اللحظة الآنية – على خطابات ثلاث، الأول خطاب السرد المعاصر، والثاني (مزامير) الصبّاح، والثالث حاشية لشرح هذه المزامير أو نص الصبّاح المقدس في نظر أتباعه، والمدنس بالانحراف عن الصواب في منطق مناوئيه. وهذا التعدد في النص الروائي – بالرغم من ارتباطه بموضوع واحد قديم وجديد في آن – له دور في تفكيك مركزية النص، وتعدد وجهات النظر، فهناك – ضمن شخصيات السرد المعاصر – العقلاني في مقاربته للأمور، وهناك العقلاني المتماهي بالصراع مع سطوة السردية القديمة، وكأنه نموذج لكثيرين لا يستطيعون الانفلات من سلطة القديم، وهناك المؤمنون باستمرار القديم ودوره في تشكيل الحاضر وتثبيته على هيئة قديمة لا تبارحه.
ففي إطار السرد المعاصر يتشكل الخطاب من خلال ضمير المتكلم، فالراوي أستاذ جامعي لم يذكر اسمه داخل النص، عثر بالصدفة في أثناء حفره بمنزله على رقائق أو مزامير الصبّاح، وفيه تتجلى مساحة الحركة بين الماضي وثباته والحاضر، ولكن كيفية التعامل أو مقاربة الماضي تتوزّع إلى أشكال عديدة، وإلى آليات للارتكاس، سواء في الحطيب باليمن أو في تونس. يتشكل داخل الرواية جانب خاص من الصراع، يجعلها منفتحة على الرواية البوليسية، ومناط الاهتمام لدى أطراف الصراع هي الرقائق أو المزامير. وأطراف الصراع جماعة البهرة، وجماعة الصبّاح الباطنية النزارية، والراوي، فجماعة البهرة تريد الحصول عليها لحرقها، وجماعة الصبّاح تريدها لقداستها والاحتفاظ بها، والراوي للوظيفة العلمية والأكاديمية.
وفي مقابل العقلية المجروحة نجد شخصية أستاذه عبدالعزيز مزيودات من خلال حركته وتأطير السرد المعاصر في مرتكزاته الأساسية، يتحرّك داخل أفق العقل، فلم ينجرف أو يتحرك داخل إطار السردية الباطنية مهزوما أو مصارعا داخل خصومة متخيلة. كل مواقفه واستبطاناته لا تعدو أن تكون مجال اشتغال يخضعها لعقله ولفكره المنهجي العلمي في وقوفه أمام لوحة أو منمنمة تاريخية، لأن ما يقوم به يتجذّر في حدود التأويل.
فقدرات بعض البشر الخارقة التي يؤسسها أتباع الصبّاح له، وحاول الراوي أن يؤسس شبيها لها لنفسه بشكل مغاير قائم على الصراع في محاربة نبوءة الصبّاح، وذلك من خلال وصول الماء إلى قبري (حبيب -ومريم) في منطق عبدالعزيز مزيودات قدرات لا تخرق قوانين الطبيعة الثابتة ولا تتجاوزها. فمزيودات في النص الروائي يمثل العقل المتفلّت من أحابيل القداسة والترهين التراثيين، فيؤسس بوجوده لعقلانية التأويل والحدس العلمي، بعيدا عن السياق العام الذي تؤثر فيه الخطابات الدينية والإيمان بقدرات تنبؤية لأشخاص عاديين، ويصبح الأفراد الذين يتحركون في هذا السياق – مثل زوجة الراوي – فريسة سهلة لكل هذه التخرصات والترهات.
فالمزامير خطاب خاص بالرغم من رمزيته، فهذا الخطاب يهتمّ بسيرة حسن الصبّاح، وحركاته وانتقالاته وهزائمه وانتصاراته، فهو ليس خطابا عاما مرتبطا بشعائر، ولكنه خطاب سيري يؤسس لحوادث محددة، يقف عندها مجليا وكاشفا. وفي كل ذلك يتجلى خطابا استعاريا مملوءا بالاستعارات الدينية والفلسفية، وفيه من سمات الشعر الكثير، وفيه من النبوءة آثار تكشف عنها الرواية تدريجيا، مثل حديثه عن نبش قبره بعد ألف عام، او دور خنجره الأبلق في الانتقام من نابشيه.
تعتمد الحاشية على منطلقات محددة، فهي تستند – لأنها خطاب قائم على إسدال الموثوقية وتجذير النص الباطني للمزامير داخل سياق حياتي معيش – إلى روايات عديدة، حتى يصل الأمر للتواتر، خاصة في الجزئيات المرتبطة بحركة السيد الأساس حسن الصبّاح إلى مصر وتونس، وعلاقته بحبيب البربري زوج ابنته الذي يمثل العقلانية في زمنه التي قضى عليها الصباح بخطابه الغيبي الباطني.
خطاب الحاشية وفق هذا المنطلق خطاب أحادي ليس فيه وجهة نظر مغايرة، وكأن الروايات الموجودة فيه مُحصت تمحيصا كبيرا، لا وجود فيها لوجهة نظر أخرى، فكل وجهات النظر المغايرة تعرض مقموعة لا مساحة لعرضها، أصحاب الروايات يتحركون وفق نسق أو سنن مرتبط بسلطة القمع للخطابات الأخرى، وهذا يشكل وجها آخر من وجوه هويتنا العربية في ارتباطه بمحو وتغييب الآخر. يتمثل المنطلق الثاني في الاستناد على نسق جاهز يظهر في لحظات مفصلية لإسدال قداسة مشابهة، فصناعة النموذج أو صورة السيد الأساس في الحاشية تكشف عن مؤسس جاهز في الثقافة العربية يرتبط بالنبوة.

التأويلات والواقع

في النصوص الروائية المعاصرة لا يأتي الارتباط بالقديم إلا في ظل إشكاليات تتعلق بالهوية التاريخية الممتدة وأزمتها الراهنة. وهذا التقرير يجعل التعامل مع نص قيامة الحشّاشين تعاملا حذرا، لأنه في الخطابات الثلاث هناك تناحر مذهبي في السياق العربي، فالتكتلات المذهبية تتوالد داخليا من بعضها البعض، وربما يكون التناحر بين هذه المذاهب المتوالدة داخليا أشد من الخلاف بين الديانات السماوية. فالبهرة والباطنية تنتميان إلى الاثنى عشرية، ولكن بينهما اختلافات حادة تصل إلى حد التكفير.
وسوف يكون السؤال عن طبيعة الحشّاشين المعاصرين منطقيا، فالحشّاشون آلية مقاربة للحياة بعقل مكبّل يظل مشدودا للخرافات والأساطير المصنوعة دون أن يمتحنها منهجيا وعلميا، فتتمطّى أمامنا منفوشة ومنفوخة بسردياتها التي تعطيها شيئا من القداسة، وتصبح في ظل ذلك سردية مكبِّلة، لا يتجلى التفكير العقلي بشكل حرّ في إطارها.
فالمحاولات المتكررة في التخلص من خنجر الصبّاح الأبلق وفشلها، تكشف عن اندماج داخل السردية القديمة المصنوعة بحيلها وأحابيلها، لأن الفصل بين الخيالي والكابوسي من جانب، والواقعي والفعلي من جانب آخر لم يكن موجودا، فيؤدي إلى محاولة التخلص منه مع بائع الروبابكيا، أو قذفه في حديقة جاره، أو تقديمه للبستاني، ولم يفض ذلك إلى نتيجة، مما يدفع إلى غياب العقلانية، لأن مقاربة الحياة أصبحت خارج الأطر المعهودة. وربما يكون من مرشدات الفهم السابق الخاص بارتباط الراوي في سرده المعاصر بحضور الماضي وأثره، ورضاه الجزئي عن هذا الحضور ماثلا في تعليقه على الحجاب بوصفه وسيلة للحفظ من الأرواح والأشباح.
فالرواية توجهنا نحو خطر هوياتي لافت، يتمثل بالارتباط بالهويات الخارقة للحدود، وهي كيانات مذهبية تقلق بشكل كبير الهوية الوطنية، وتجعلها غير منسجمة مع تمددها التاريخي، لأن مكوناتها خارج إطار البلد أو الوطن، فعمل الرواية تعرية لهذه الهويات العابرة، والمتعاظمة على هوية وطنية، وتمارس قلقا وتجريحا لها باستمرار، وتشوّه وجودها بنتوءات مذهبية أو دينية، يقول النص الروائي على لسان هايثام زامبيري إلى الراوي بوصفه ذبيحة طقس الأربعين في شعائرهم: (فقتلك يستوجب موافقة الإمام شخصيا، وفي كل عام ترفع إليه طلبات كثيرة من عمال الولايات لتقديم ذبيحة الغدير… من أدراك أنه سيختار ذبيحة والي أفريقيا).
لا يستطيع قارئ الرواية أن يبتعد بها عن التأويل السياسي الآني، خاصة في ظل سياق الثورات العربية، فهناك تلميحات خفية مرتبطة بتكرار التاريخ في أشكال مغايرة، ولكن تبقى الوظائف والأدوار ثابتة، فحشّاشو اللحظة الراهنة لا يختلفون كثيرا عن حشّاشي الصباح، سوى في الأساليب، مع اعتماد على نهج واحد في السطو والقتل، وهناك أيضا التدثر بخطاب غيبي مشدود للخلف، وليس للأمام. فالنظرة إلى الخطابات الثلاث رغم اختلاف انعطافاتها وتوجه كل خطاب تكشف عن هوية عربية ملتبسة، تتناحر فيها المذاهب، وتتكرر الأدوار والوظائف.
تتبقى جزئيتان لهما بالضرورة تأثير على تأكيد هذا المنحى التأويلي، تتمثل الأولى في إلحاح الرواية في كثير من صفحاتها على حالة السيولة في الدخول والخروج من الدول الأخرى وجنسياتها العديدة، خاصة في فترة الثورة. أما الجزئية الأخيرة فهي ترتبط بنماذج يمكن أن نطلق عليها وكلاء الداخل أو السماسرة الذين يجنون ثمار وجودهم من النفعية والوجود اللحظي، فهم يتحركون على الأعراف بحركة محسوبة بين الجانبين، وربما يكون الضابط مصطفى النموذج الكاشف عن هذا النمط، حيث يتأسس وجودهم على المنفعة دون تفكير عقلاني يستحضر المصلحة العامة، فالضابط مصطفى يقول للراوي في خطابه المحكي مؤيدا وجهة نظرهم في أحقية الباطنية النزارية في الحصول على الدفائن (لا تنس أنه تراث جدهم، وأنت استوليت عليه، وهذا عمل شائن) فمن خلال هذا القول تتشكل طبقات متوالية ومتداخلة في الفهم والتشكيل، تبدأ بحسن الصباح، وتختم بالانتماء المذهبي المعاصر، وتنفتح على دلالات أكثر اتساعا من خلال ذكر معركة (هرمجدون) وبداية القيامة ونهاية العالم.

الهادي التيمومي: «قيامة الحشاشين»
مسكيلياني، تونس 2022
456 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية