قيام مجتمع مدني عربي مستقل

حجم الخط
0

يخترق تعبير المجتمع المدني اليوم الشعارات والبرامج السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلدان المتقدمة والنامية على السواء، ويُعتبر إحدى الوسائل في مواجهة طغيان سلطة الدولة وسبيلاً لتحقيق حرية الفرد. ويتعاظم دور هذا المجتمع في كل مرة يصبح فيها الشأن العام أكثر التصاقاً بأمور مطلبية مباشرة هادفة ومشروعة.
هذا المجتمع المدني، الذي أثبت في محطات متكررة انه أكثر وعياً من السلطة التي تحكمه، كيف له أن يؤثر على هذه السلطة وكيف له أن يحمـــــلها، بوسائل الضغط المشروعة، على تبنّـــي مشروعه أو على القبول به كمدخل للنقاش في اتجاه شراكة حقيقية بينها وبينه ؟
إنّ ما يتوافق عليه الجميع، كون مؤسسات المجتمع المدني مستقلة عن مؤسسات الدولة، وغير خاضعة لسلطتها، وتمارس دوراً متعدد الجوانب، يبدأ بالسياسة لجهة الرقابة ومتابعة ما يصدر عن سلطة الدولة في ميادين متصلة بحقوق الإنسان والحريات السياسية والفكرية والإعلامية، إلى مهام اجتماعية وتنموية، وقضايا تتناول هموم المواطن. لكنّ حدود الفاعلية والقدرة على التدخل تبقى شأناً آخر له علاقة بطبيعة السلطة القائمة ومدى سماحها بحرية ممارسة هذا التدخل.
وفي الواقع، يكاد المجتمع المدني الحديث في المجتمعات العربية يدين في وجوده بشكل رئيسي لظاهرة العولمة، التي أدت إلى إدخال تغيّرات على خريطة المجتمع المدني في العديد من الأقطار العربية، حيث جاءت معها بقضايا جديدة ومشاكل جديدة، مثل: حماية البيئة من التلوث، والفقر، والهجرة واللاجئين، وضحايا العنف، والسكان الأصليين، والمخدرات، والإرهاب، وحقوق الإنسان وحقوق المرأة والطفولة وحقوق الأقليات الدينية والعرقية.
إنّ شرعية وجود المجتمع المدني مهمة من حيث وظيفته الاعتراضية السلمية، ذلك أنّ توسّع فكرة المجتمع المدني فتح باباً لدخول شركاء جدد في الحياة العامة لا يشكلون خطراً على الأنظمة القائمة، لكنهم يرصدون ويراقبون ويحتجون ويعترضون ويقترحون بدائل عما هو قائم، ولا يريد التدخل بالسياسة أو إحداث تغييرات بالقوة، لكنه لا يلين بالدعوة إلى الإصلاح والتغيير.
وإذا كان ما يميّز مؤسسات المجتمع المدني في الغرب أنها أصبحت قوة ضغط على الحكومات لاتخاذ القرارات حتى باتت الحكومات لا تتخذ أياً من القوانين أو القرارات دون التشاور مع المجتمع المدني، فإنّ البلدان العربية لا تزال تطمح للاعتراف بها أولاً، ومن ثم سماع رأيها فيما يتعلق بالبرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها ثانياً، ناهيكم عن تعزيز كياناتها المستقلة ثالثاً.
إنّ مجتمعاً مدنياً مبنيا على أساس المواطنة والمساواة والتعاقدية والتطوعية ويسعى لتفعيل حق المشاركة يمكن أن يسهم في عملية التنمية المستدامة بحيث يصبح قوة اقتراح وشراكة مع الدولة والقطاع الخاص.
الدكتور عبدالله تركماني
باحث استشاري في مركز الشرق للبحوث ـ دبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية