قِشْرَةُ المَوْزِ والذاكرة اللغوية

لا يمكن أن تعمل اللغة بلا ذاكرة ، فبمجرّد أن تنطق بكلمة بسيطة مثل مَوزة أو مركبة مثل قشرة موز حتى تنشّط الحروف والحركات المناسبة ؛ فتلمع حروف وتنطفئ أخرى فلا يبقى غير واحد وهكذا دواليك بالنسبة إلى البقيّة و تسمّى هذه العمليّة التنشيطActivation.
ليس اختياري للموزة ولقشرة الموز في هذه اللّحظة اعتباطيّا، فأنا الآن أسير في المدينة المزدحمة جائعا ؛ وحين يجوع رجُل مثلي ويخشى أن يصاب فجأة بهبوط حادّ في السكّريّ وليس له من الوقت الكافي كي يجلس ليأكل ، فإنّه -وبعادته البدويّة التي تلازمه – يقتني من بائع الموز حَبّتين وينضي ثوب الموزة ويشرع في الأكل. قادح رؤيتي الموزة هو الذي نشّط في ذهني صورة الموزة ولكنّي وأنا أحاور بائع الموز وأتحدّث إليه عنه أنشّط حروف كلمة موز وحركاتها فتخرج من فمي ويسمعها البائع ويفهم عنّي بأن ينشّط في ذهنه الوحدات اللغويّة ذاتها.
اللغة التي استعملها هي اللغة التي اشتريت بها ما أريد. ليست الأموال الوحيدة التي تشتري لك موزا فالأصوات التي تؤلّف اسم الموز هي أيضا تيسّر لك أن تشتري الموز. ستقولون لي سنشتري الموز حتى لو كان ذلك بالحركات .. طيب وأنتم تشيرون أيضا ،أنتم تستعملون نظاما علاميّا آخر غير اللغة وتنشّطون عناصره من ذاكرتكم وحين يفهم عنكم البائع ويبيعكم الموز بالإشارات يكون قد نشّط حركات وإشارات بعينها تماما كما لو أنّه نشّط الأصوات في ذهنه ليختار منها ما يناسب ويطفئ البقية.
بعد أن أكلت الموزة، بدأت في البحث عن صندوق ألقي فيه قشرة الموز. خشيت أن ألقي قشرة الموز فتتعثر فيها ساقٌ وتسقط كلّ الهامة. هذا سيناريو مخزّن في ذهني بقطع النظر عن كونه وقع أمامي أم لم يقع.
أمشي هنا ، أمشي هناك فلا أجد واحدة في طريقي. في ذهني ينشّط شيئان : خطاطة لحاوية عمومية يلقي فيها الناس أشياءهم التي لم تعد تستعمل وينشّط مع ذلك الشيء اسمه ولنقل إنّها كلمة حاوية في الفصحى أو أيّة كلمة أكثر رواجا في تسمية ذلك الشيء بالعاميّة أو بلغة أجنبية. في لهجتنا التونسية نحن أميل إلى تنشيط الاسم الفرنسي للحاويةPoubelle ؛ هو الأكثر دورانا على الألسن وهو الأقرب بالتالي للتنشيط الذهني. في التنشيط يميل الذهن إلى البحث عن أقرب الأشياء إليه فهو يبحث عن الكلمات التي تنام بنصف عين فينشطها بشكل أسرع.
تمرّ حسناء في العشرين فأسألها : هل اعترضتك علبة القمامة ؟ ترميني بسهام لحظها غاضبة . لاشكّ أنّها نشّطت في ذهنها خطاطة علبة القمامة؛ لكنّها لم تتكلّم وكان من الممكن أن تفعل. لا شكّ أنّها همّت بالكلام وكانت حروف الكلمات على أهبة الاستعداد أن تنطق لكنّها لم تنشط ولم تخرج كلاما أو أنها نشطت وظلت كلاما باطنيّا. كان من الممكن أن تنشط كلاما في صبّ غضبها عليّ كأن تقول لي:» اذهب إلى الجحيم أنت وقمامتك!» جملة كهذه هي تنشيط يأتي ردّ فعل على كلام قلته أنا وليس ردّا عليه. لكن ما الذي يجعلها تغضب؟ لا شكّ أنّها نشّطت في ذهنها أشياء أخرى غير الحاوية لقد نشّطت أشياء لعينة ربطتها ذهنيّا بهذه الحاوية وبموقفها منّي وبرمزيّة القمامة الآن وهنا.
وأنت تمشي في الشارع يراقبك النّاسُ وحين يراك من يعرفك يتذكّرك لأنّه نشّط صورتك المخزنة في ذهنه سيناديك باسمك إن كان يعرفك وعندئذ سينشط اسمك الذي ارتبط بصورتك المخزّنة. لكن حين يراك من لا يعرفك ويسمعك تخاطبه فإنّه سيصنّفك تصنيفا آخر اعتمادا على سيناريوهات خطاطية. سينشّط في ذاكرتها خطاطة مجرّدة لك باعتبارك خيّرا أو شريرا وحين تقول أيّ الكلام وأنت شرّير سيكون الردّ موجعا كما فعلت الشابة.يحكم الناس على سلوكك فإن تكلمت حكموا على كلامك باعتباره سلوكا لغويّا.

نحن لا نخزّن الكلمات ولا الألوان ولا الأصوات ولا الأحاسيس فقط نحن نخزّن أيضا سلسلة مركّبة تشبه السيناريو من خلالها نحكم على السلوك أهو يحترم المعيار أو يخاتله.

الأقرب إلى الظنّ أنّ الشّابة العشرينيّة لم تتأثّر لأنّي قلت لها ذلك الكلام ساخرا أو مهاجما بل لأنّها أوّلت قولي في سياق معايير سلوكيّة عامّة كان القول طرفا من أطرافها. لكن ماذا يمكن أن تفهم الشابّة من سؤالي عن علبة القمامة حتّى تظهر لي التبرّم والغضب و تحدجني بعين مالحة؟. عليّ لكي أقرّب ما فهمت أن أعود إلى النواميس الثقافيّة الاجتماعيّة التي تتشبّع بها الشابّة والتي تكون قد خزّنتها في ذاكرتها وهي التي تحكّمت في ردّ فعلها ذاك.
قد تكون الشابّة فهمت منّي أنّي أتّهمها بالاهتمام بحاويات القمامة دون غيرها من الأشياء المبعثرة أو المنظّمة على طول الطريق. وقد تكون فهمت أنّي رجل متمرّد على عمره وأنّ دخولي إلى عالمها بذلك الكلام ومن تلك البوّابة هو دخول لصّ لا يعرف كيف يمارس اللّصوصيّة.
أقول بيني وبين نفسي إن كانت فهمت قولي على هذا النحو فإنّها إذن لظالمة وإنّ تأويلها لمذموم. وأسأل نفسي عن السبب الذي لم يجعلها تأخذ الكلام بحرفيّته: رجل يبحث عن صندوق قمامة كي يقذف فيه هذه القشرة.
نحن لا نخزّن الكلمات ولا الألوان ولا الأصوات ولا الأحاسيس فقط نحن نخزّن أيضا سلسلة مركّبة تشبه السيناريو من خلالها نحكم على السلوك أهو يحترم المعيار أو يخاتله. وحين نشط الكلام ننشطه في ضوء ذلك السيناريو الخطاطي. سيناريوهات سلوكنا الاجتماعي هي التي تجعلنا نميّز بين الجدّ والهزل وبين النكتة و بين الغزل والتحرّش وهي التي تجعلنا نقبل الكلام من شخص وفي وضعية ولا نقبله من شخص آخر في وضعيّة أخرى.
ومن هذا المنطلق يظلّ أيّ كلام بين الجنسين يقرأ ويفهم في هذا السيناريو الخطاطي المقنّن ويظلّ ذلك الكلام محلّ تقييم أخلاقيّ . ليس للغريب أن يكلّم في هذا السياق الثقافي العامّ امرأة غريبة؛ فإنْ حدث فعليه أن ينضبط للحدود الدّنيا التي تسمح بالتواصل بين الغريبين. هكذا يقول لها حدسها بالموقف الذي بُني على ما خزّنته من هذه السيناريوهات. وأن يسأل الغريب غريبة عن صندوق عامّ للقمامة فذلك لا يدخل ضمن المسموح به لذلك سيحمل السؤال على التأويل المذموم.
و هناك شيء آخر يوجّه سلوك المرأة التي يكلّمها الرجل ولا يعرفها هو طبيعة العلاقة. طبيعة العلاقة بين المتكلّم والمخاطب فيها سيناريوهات أخرى تخزّن؛ وحين تنشّط ينشّط معها كلام مناسب. ماذا على الخمسيني أن يقول لشابة في الشارع ؟ هناك سيناريوهات مخزّنة تحدّد ذلك التعامل
طبعا لن تكون صباح الخير مقبولة ولا مساء الخير ولا أيّة عبارة أكثر من ذلك تكون مقبولة من نوع أنت جميلة جدّا.. فسيحمل ذلك على التصـــــابي وحتى التحرّش.سيكون السؤال: (ما الذي يجعل رجلا خمسينيا يقول صباح الخير لشابة لا يعرفها؟) سؤالا عاديّا عن ســــلوك غريب؛ وسيكون سؤال :(ما الذي يجعل خمسينيّا يسأل شابّة غريبة عن الحاوية ؟) سؤالا عاديا عن سلوك أكثر غرابة.كلّ كلام يمكن أن يفهم اجتماعيّا على سَمْتٍ مَا ؛لأنّنا خزّنّا سيناريوهات عنه . الكلام الذي نقوله لغيرنا لا يدرك مستقلاّ عن السيناريوهات العلاقية المجرّدة.
لم يُفهم كلامي بحرفيّته لأنّ السيناريو الذي نشّطته الشابّة وهي تفهم سؤالي هو سيناريو ينمّط العلاقة في خانات المنتظر وتكسير المنتظر. يخزّن الذهن بحسب العادة أنّه لا يمكن أن تسأل شابّة عن وجود حاويات للقمامة بل لا يمكن أن يسألها خمسيني عن ذلك. تكسّر المنتظر :سئلت عن الحاوية وسألها خمسيني عنها؛ عنذئد كان لا بدّ من أن يُفهم الكلام المباشر على أنّه كلام غير مباشر :ظاهره سؤال عن المكان وباطنه مشاكسة لا تقبل من رجل خمسيني عليه أن يكفّ عن المشاكسة فقد فاته القطار.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية