ليس لأي كان أن يعشق الصيد ويتيم بالقنصِ، إلا إذا كانت في حيوانيته الأصلية ميولٌ إلى ممارسة العمل البدائي، الذي مارسه الإنسان في أولى مراحل حيوانيته. استعملنا كلمة حيوانية في معناها الأول وهي أن يكون الكائن حيا بقطع النظر عن خصائصه، أكان بادي البشرة أم كان مكسوها شَعَرا وَوَبَرا، أكان منتصب القامة أم معقوفها، أكان ماشيا أم كان زاحفا، أكان عاقلا أم غير عاقل. نحن البشر نتقاسم مع الحيوانات صفة الحيوانية فنحن مثلها كائنات حية، وهذا هو معنى الحيوانية الأصلي. العود إلى الحيوانية الأولى، أي السلوك، الذي طبع البشر قبيل أن «يرتقي» قليلا بسلوكه فيهذبه وبخَلْقه فيحسنه بالحلاقة والتجميل، يمكن أن يلحظ يوميا وفي أرقى مراحل التمدن والتحضر، لأن الإنسان ما يزال يحتفظ في ذاكرته الحيوانية بنماذج من السلوكات الأولى التي ترجعه إلى الخَلْق الأول .
قال لي صديقي: أنَا لا أجْري تجاربي على الفئران، بل أجريها على القطط.. ثم أضاف: لي قِط مُمَيزٌ أردت أن أختبر كفاءته.. هو يعيش في باحة بيتي ولا يرضى بملكيتي له يغيب حتى أنساه ويعود حتى لا أنساه.. هو كفء في مطاردة الفئران.. يلاعبها ويتركها حرة طليقة كأنما بات الصيد لديه يرادفُ اللعب.. وهو كُفْءٌ في المواء.. يَمُوءُ لتُفتح له الأبواب، وحين تفتح له لا يخرج.. كُفْءٌ في اللعب بذيله.. يحركه شمالا وجنوبا شرقا وغربا، ولا أحد يعلم لمَ يفعل بذيله ذلك . تركته يرتع حيث يريد ويمارس ما يريد، ويغيب ويعود ليقنع غيري بأنه قط له كفاءاتٌ مغمورة.. أما أنا فقد أثبت لي قولة قديمة لشخص نسيته قد يكون Paul Valery تقول: الكُفْءُ هُوَ مَنْ يُخطئ لكنْ بالامتثال للقواعد.. لم أقل لصديقي شيئا..
شربت قهوتي معه في شرفته نظرت إلى قط يجلس كما يجلس الآدميون أمَامنا يتشمسُ، سألته: هل هذا هو؟ قال لي: هو ذاكَ. هذا كلام اجتررْته مرارا وحدي وأنا أنظر في مراقبة صديقي لسلوك القط، أتساءل إن كانت المراقبة هي لسلوك أجنبي عن سلوكنا البشري؟ أم هي بحث في الحيوان الذي هو القط عن شيء مترسب فينا؟ أهو اختبار لذواتنا عبر التجريب على أقرب الكائنات إلينا: القط والفأر والقرد لا باعتبارها كائنات ثديية، بل باعتبارها تحمل في سلوكها كثيرا من صفات الحيوانية فينا، لنأخذ شيئا مما ذكره الصديق أعلاه وهو الصيد.. ونختبر هذا الركن فينا. في سبعينات القرن الماضي كتب جورج وسوزان سوفاي Sauvet وأندراي لودارشيك Wlodarcyzk مقالا عنوانه «محاولة في سيميولوجيا ما قبل التاريخ» درسوا فيها نظام العلامات في الكتابة التصويرية، ومن بينها علامات الصيد التي كان يستعملها الإنسان البدائي،ـ في التعبير عن الصيد. ولئن كانت نية الباحثين وقتها الإبانة عن أن الكتابة التصويرية كانت مندرجة في نظام اصطلاحي وليست علامات موضوعة كيفما اتفق، فإننا لا نريد أن نعيد ما درسوه ههنا، وإنما سننظر إلى الصيد باعتباره تعبيرا سيميائيا عن الحيوانية الأولى، التي ما تزال راسبة في لاوعي الإنسان المعاصر.
الصيد حَاجة، ولكنه أيضا تعبير ثقافي عن تصور للوضع الإنساني في الكون. حين يكون الصيد حاجة غذاء فإنه يكون وظيفة طبيعية مثلما يكون عليه الأمر في اللباس وقايةً، لكنْ حين يصبح اللباس «لغة» وينخرط في نظام تعبيري عام له قوانينه واستعمالاته ووظائفه، يصبح قابلا للدراسة العلامية. حين ترتب السفرة في قصر ملكي بشكل معلوم تنظم فيها الكؤوس والملاعق والسكاكين، وترتب بشكل ما وحين يأكل المجتمعون على الطعام من العائلة المالكة الطعام، على سمت معلوم فإن الوظيفة الأصلية للأكل تتلبس بوظائف أخرى يصبح فيها خرق النظام تعديا على المراتبية والأعراف الملكية، كذلك الأمر في الصيد. معلوم أن من يمارسُ صيد الحَجَلِ أو الغزال لا يصطادهما حبا في أكل لحمهما أساسا، لكن قبل الأكل وبعد الأكل تضاف أشياء وطقوس وتعبيرات ينبغي فهمها وتأويلها.
القنص يعطي صاحبه فرصة لما نسميه الابتلاع الطبيعي، وهو دورةٌ من دوْرات الطبيعة الكبرى، أن يبتلع الحيوانُ الحيوانَ بما هو كالش وأن تبتلع الأرض الجميعَ حتى تلد كائناتها من جديد وتوفر لهم أسباب التواصل.
لنعد إلى قط صديقنا الذي يمارس كفاءته في صيد الفئران، لكنه لا يأكلها بل يظل يلاعبها يخيفها لا شك غير أنه يتركها، ربما أكلها وهذا عنده ليس أمرا أساسيا. القط يجد أكله الرفيع بلا صيد، يجده في المُعلبات أو الأطباق الرفيعة التي توضع له متى شاء وطلبَ فإذن لا يحتاج أن يمارسَ الصيد، ليأكل مثلما كان يمارسه جده أو يمارسه اليوم قط في الريف الفقير: يظل يبحث عن الفئران وغير الفئران ليصطادها ليظل على قيد الحياة.
القط المرفه هو قط في غنى عن الصيد، لكنه يمارسه لأن في ذاكرته الغريزية هذا النشاط. يمارسه باعتباره كفاءةَ نوع من الأنواع الحيوانية، كفاءة تنقلها الجينات في الذاكرة الجينية Genitic Memory أن يلد الحيوان (إنسانا أو حيوانا) وهو يحمل في ذاكرته كل تجارب أجداده ـ يحملها في الحمض النووي الصبغي المعروف اختصارا DNA /ADN. يحمل القط في ذاكرته الجينية عمل الصيد والصيد الممارس على الفأر لكنه حين يمارسه لا يكمل جميع وظائفه فلا يحتاج قط مدلل أن يأكل فأر الأنابيب، بعد أن يصطاده هو يحتاج أن يلاعبه أو يخيفه، هو يمارس عادة طبيعية مركوزة في الذاكرة الجينية.. الإنسان يحمل أيضا في ذاكرته الجينية فعل القنص والصيد يتلذذ بأكل البري منها، لكنه يتلذذ أكثر بممارسة الصيد فعلا يستعيد به نشاطه الحيواني الأول بشكل مهذب. لسنا نحتاج أن نسرد أخبار القنص التي روتها الكتب العربية عن الخلفاء والأمراء والولاة وغيرهم، ولسنا نحتاج أن نذكر بأن القنص نشاط مقنن في الدول التي فيها هواة يمارسون هذا النشاط غير عابئين بأنصار البيئة و»حقوق الحيوان». الصيد تعبير ثقافي يتناسب وأشياء ثلاثة موجودة في الذاكرة الحيوانية للبشر هي، الرغبة في التسلط والميل إلى التحكم في الحياة والموت والابتلاع الطبيعي.
الرغبة في التسلط هي رغبة حيوانية قديمة يمكن أن تلبس أثوابا مختلفة، ويمكن أن تكون عارية. هي تلبس في السياسة بدلات ورباطات عنق وتعريها الطبيعة لتصبح آلات حربية تعيدنا إلى آلات الصيد الأولى، التي مارس بها الإنسان قتله الأول، خوفا من أن يقتل ثم أمعن في التشفي بأن أكل قاتله حيا ثم لما ابتدع النار شواهُ فكانت النار بردا وسلاما على جوعه وكرهه لعدوه. ولما استحكم الصيد صار الإنسان مهاجما بعد أن كان مدافعا لذلك ارتبط أي مشهد للقنص برحلة البحث عن الفريسة.
وفي الصيد رغبة في التحكم في حياة الأقل منا شأنا: يوهبُ المقتَنَص حياةً كما نوهب، ولكن الصياد يمتلك بقدرته البشرية، أن ينهي بالصيد تلك الحياة: هل هي فرصة في تجريب الموت في الآخر؟ أم هي فرصة في الهروب من موت النفس إلى موت الآخرين؟
وأخيرا فإن القنص يعطي صاحبه فرصة لما نسميه الابتلاع الطبيعي، وهو دورةٌ من دوْرات الطبيعة الكبرى، أن يبتلع الحيوانُ الحيوانَ بما هو كالش وأن تبتلع الأرض الجميعَ حتى تلد كائناتها من جديد وتوفر لهم أسباب التواصل.
كلنا باعتبارنا بشرا فينا ذاكرةٌ حيوانية تدعونا إلى أن نمارس القنص بطرقنا، وأجمل شيء أن القنص يعيش في أذهاننا استعارةً جميلة؛ فنحن «نقتنص لحظة صفاء» و«نصطاد فتيات أحلامنا» و«يقع شباننا في أحابيل شاباتنا» و«نقتنص الفرص».. أيْ أن كل واحد منا يقنص على قدر جهده غير أن الكبار يقتنصون الأكبر والصغار، يقتنصون الأصغر وبين القنصين مأساة وملهاة: المأساة أن تقنصك أنت الكبير صغائر الدنيا والملهاة أن تقنص أنت الصغير عظائمها..
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية