كأسُ الصعَالِيك!

من ذا الذي يصدق أن الصعلوكَ في المعنيين الثقافي والاجتماعي ليس هو المعنى الذي في أذهاننا عنه الآن، بل كان يعني شيئا آخر. لكن تقرر ثقافيا أن الصعاليك جماعة من الشعراء، الذين تميز سلوكهم وشعرهم بالخروج عن النواميس؛ وتقرر اجتماعيا أن الصعاليك جماعة خارجة عن القانون والأعراف. سنعود إلى ردهات المعاجم القديمة، لنبرز الفرق وليس غرضنا أن نشكك في المعاني الجديدة فليس هذا دور اللساني.
يُذكر في «لسان العرب» لابن منظور أن «الصعْلُوك هو الفقيرُ الذي لا مالَ لهُ» (لسان العرب، 10/453). الفقير صفة مألوفة وشائعة، فلماذا أضاف إليها صاحب اللسان صفة تبدو لنا من تحصيل الحاصل حين قال: «الذي لا مال لهُ»؟ ليست الزيادة من الحشو، بل هي للتوضيح. ذلك أن المال كان قديما يعني الإبل؛ فقد قال صاحب اللسان: «أكثر ما يُطلق المالُ عند العرب على الإبلِ، لأنها كانت أكثر أموالهم». ( ل.ع.11/636). بل إن «المال» لا ينحصر في الإبل وحدها، بل في كل ما يُمتلك من المواشي والدواب، التي يمثل امتلاكها ثروة. بناء على ذلك فإن الصعلوك هو من لا إبل له في بلاد يملك فيها الناس الإبل، ولا غنم له في بلاد يملك فيها الناس الغنم، ولا جاموس أو بقر له في بلاد البقر والجاموس.
الناس إذن صنفان وفق هذا التقسيم، بشر لهم إبلٌ (وغنم وبقر) فليسوا بفقراء، وآخرون لا إبل لهم فهم فقراء وصعاليك. بيد أن هذا التقسيم ليس ثابتا؛ فمن الممكن أن يصبح صاحب الإبل معدومَها ذات يوم، حين يسرقونها منه مثلا؛ ويمكن لمن كان عديمها أن يصبح مالكها إن وُهبت له أو استردت أو أغار هو على إبل غيره. فالتحول من الصعلكة إلى اللاصعلكة، أو العكس أمر ممكن وعادي مرتبط بتفاصيل الحياة البدوية.
في اللسان ما يدل على استعمال الفعل (تَصَعْلكَ) في هذا المعنى فقال: «تصعلك إذا كان كذلك» يعني إذا تحول إلى تلك الوضعية من وضعية نقيضة بحكم الحرب، أو الغارات أو غيرها من الأفعال التي تسلب المرء ماله. وهذا معروف في أيامنا غير أن الصعلوك لا ينعت بها من سرق ماله مثلما هو الحال عليه قديما، بل قد تسند تلك الصفة إلى منْ سرَقَ باعتباره مارقا عن القانون.
كان الشاعر الجاهلي عروة بن الورد العبسي المعدود ضمن الشعراء الصعاليك والمعتبر صعلوكا من صعاليك العرب يلقب بـ»عروة الصعاليك». القراءة المتسامحة مع هذا اللقب تجعله صعلوكا زعيما للصعاليك؛ لكن بالرجوع إلى لسان العرب نجد شيئا آخر فهو قد تسمى كذلك «لأنه كان يجمع الفقراء (أي الصعاليك) في حظيرة فيرزقهم بما يغنمه» (لسان العرب: 10/456). قد يقودنا التسامح في قراءة علة هذا اللقب إلى أن الشاعر يجمع هؤلاء الصعاليك في حظيرة ويفرق عليهم ما يغنمه وهذه هي القراءة التي يطمئن إليها الجمهور، لأنها تناسب فهما يرى أن الصعكلة حركة تمرد. غير أن الرجوع إلى معنى الصعلوك أعلاه وإلى معنى حظيرة أسفله يجعلنا نسير في الشرح مسارا آخر جاء في لسان العرب: «الحظيرة تُعمل للإبل من شجر لتَقِيهَا البرْدَ والريحَ» (ل.ع. 4/203)؛ وليست تعمل للفقراء مثلما يمكن أن يفهم من تأويل متسامح لكلام المعجمي. فإذن يجتمع الفقراء، أي الذي فقدوا إبلهم لسبب ما من الأسباب عند حظيرة عروة لكي يأخذوا إبلا جمعها لهم هذا الفتى الباسل.

يفتقر البعير حين يذهب وبره؛ ويفتقر الرجل حين يذهب ماله، أو بعبارة أخرى، مال البعير هو وبره، فإن ذهب تصعلك البعيرُ؛ مال الفقير هو جمهرة من البعير فإن ذهبت تصعلك صاحبُها.

هنا نقف في مفترق طريقين، واحدة سالكة هي التي يفهم منها أن عروة بن الورد، أو من شابه نهجه من الصعاليك (بالمعنى السائد للصعلكة) كان يسرق أموال الأغنياء ويعيد توزيعها بين الفقراء، في ضرب من العدالة الاجتماعية البدائية، ولكن هذه الطريق السالكة لا تمنعني من أن أبحث عن الطريق الأخرى غير السالكة: أن هذا الرجل الذي كان «عروة للصعاليك» كان دوره أن يسترد أموال من سلبت أموالهم قهرا ويجمعه في «حظيرة» ويأتي الصعاليك (الذين سلبوا إبلهم) ليتعرفوا عليها ويستعيدوها، وهذا العمل معروف إلى اليوم.
ومن المشروع أن نتساءل هل أن هذا العمل كان ينجز تطوعا أو بمقابل. فـ»عروة الصعاليك» تعني غوث الفقراء، الذين سلبت أموالهم؛ فهو عصمتهم الذي يعتصمون به وهذا هو المعنى الذي ورد في «العروة الوثقى»، التي في سورة البقرة (آية 256). ليس عروة صعلوكا إذن، بل هو غوث للصعاليك أي الفقراء، لكن من الشرعي أن نكتفي بالسؤال ههنا: لماذا انتقلنا من هذا المعنى إلى أن تنسب الصعلكة إليه، وإلى شعراء آخرين عدوا هم أيضا «صعاليك» خارجين على السنن القبلية والشعرية؟ قد تبدو الشروح المعجمية التي بنينا عليها إعادة الفهم غير مقنعة لمن استمسك بالمعاني الجديدة، لهذا سنبحث في النصوص القديمة التي تحمل آثار هذه المعاني فلقد استشهد المعجميون ببيتين لحاتم الطائي فيهما أن الصعلكة فقر وأنها وضعية وقتية فيقول:(غَنِينَا زَمَانًا بالتصَعْلُكِ والغِنَى // فَكُلا سَقَانَاهُ بِكَأْسَيْهِمَا الدهْرُ) (فَمَا زَادَنَا بَغْيًا عَلَى ذِي قَرَابَةٍ//غِنَانَا وَلاَ أَزْرَى بِأَحْسَابِنَا الفَقْرِ).
ويشرح المعجمي (غنينا) في أول بيت بـ»عشنا». وهذا يعني أن الحياة هي مراوحة بين التصعلك (أي الفقر الحادث) والغنى الحادث، ولكن المميز في تينك الوضعيتين الحادثتين أمر أخلاقي: أن الصعلكة لا تنقص شيئا من الحسب، وأن الغنى لا يوصل إلى البغي.
تدور صناعة معجمي مثل ابن منظور (أو لغوي كما يحلو للقدامى أن يسموه) على تنظيم الوحدات اللغوية في مداخل والبحث لها عن تعريفات وشواهد. وبديهي أن يكون الربط بين المعاني المختلفة منقوصا أو معدوما. فذلك ليس من اختصاصه. لذلك يصنع المعجمي جُزُرًا من المعاني في متن كل مدخل حتى إنه لا رابط بين أغلبها. ويحدث كثير من سوء الفهم، أو العدول عن المعاني الصحيحة بالربط الخاطئ بين هذه الجزر الدلالية، التي لا نعرف كيف اجتمعت في مدخل واحد. هناك رابط مهم في العربية يربط بين تلكم المعاني هو الرابط الاشتقاقي. ويفترض الاشتقاق أن هناك معنى ثاويا ومضمرا في الجذر (ص. ع. ل. ك) الذي أخذ منه اسم صعلوك وفعل (تَصَعْلَكَ). وهذا المعنى المضمر في الجذر وفي جميع المشتقات هو في الحقيقة معنى خطاطي مجرد، يمكن أن نجد عيناته في الأسماء والأفعال المنتزعة منه. فمن غير المعقول اشتقاقيا أن نجد في المشتقات التي هي مشتقة من أصل واحد، هذه الطفرة بين (تصعلك الرجل) التي تعني صار فقيرا و(تصعلك الجمل) إذا ذهب وبره القديم. القرابة التي بين التصعلكين هي القرابة بين مشتقين يستقر فيهما المعنى الخطاطي أو المجرد ويلحظ بسهولة.
يفتقر البعير حين يذهب وبره؛ ويفتقر الرجل حين يذهب ماله، أو بعبارة أخرى، مال البعير هو وبره، فإن ذهب تصعلك البعيرُ؛ مال الفقير هو جمهرة من البعير فإن ذهبت تصعلك صاحبُها. إنْ ذهب الوبر عاد طبيعيا إلى الجمل وبر جديد؛ لكن لا راد طبيعيا يرد البعير وأخواته إلى الرجل، بل يمكن لعروة وثقى أن ترده هي عروة الصعاليك.
وبعد هذا ما تراني أفعل بما تسوقه لنا كل المصادر، من أن الشعراء الصعاليك هم شعراء متمردون، يفتكون أموال الأغنياء ويوزعونها على الفقراء؟ وما تراني أفعل بما حصّلته من علم قديم يقول لي إن الصعلكة في الشعر هي في الخروج عن نظام القصيد، وعدم التقيد بالبنية الثالوثية: وقوف/نسيب /مديح وهو خروج يلذ لي أن أجعله من تبعات الخروج عن نظام القبيلة؟ سأشرب نخب الصعاليك كأسًا ثالثة غير كأسي الطائي في الفقر وفي الغنى هي كأس اللغة المتصعلكة: يستلبها بعضهم وقد نستردها بأخَرَة فلا نحن نغنى ولا نحن نفتقر.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية