لندن ـ «القدس العربي»: نبدأ عامنا الجديد بنسخة جديدة من بطولة كأس الأمم الأفريقية، والتي تأتي هذا العام بصفةٍ خاصة واستثنائية نظراً لعقدها في منتصف الموسم الحالي، ما يعني أن معظم اللاعبين المشاركين اضطروا الى مغادرة أنديتهم وسط المنافسات.
فعند الحديث عن نجوم الكرة الأفريقية المتمرسين في أكبر أندية القارة الأوروبية كمحمد صلاح وساديو ماني ورياض محرز وكاليدو كوليبالي وأوباميانغ وغيرهم الكثير، فإن مغادرتهم لفرقهم التي تدفع رواتب مقابل خدماتهم قد يكون محط جدال، خصوصاً وأن فترة غيابهم تأتي في مرحلة مفصلية من فترة الدوري. فمع نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أثار المدرب الألماني يورغن كلوب الجدل بعد أن جاوب على سؤال أحد الإعلاميين بقوله: «هي بطولة صغيرة»، واصفاً كأس الأمم الأفريقية. لكن مع حسم أمر إقامة البطولة في موعدها، يجب التغاضي عن المشاكل والتصريحات الصحفية التي سبقت البطولة، إنما يجب أن يكون التركيز على المنصة التي توفرها بطولة كهذه للمواهب الشابة الصاعدة.
كان جمال بلماضي لاعبا ساخنا، لكن قيادته الهادئة منذ أصبح مدربا لمنتخب بلاده في 2018 هي السبب الرئيسي وراء ترشيح منتخب الجزائر للفوز بالبطولة والاحتفاظ باللقب الذي أحرزه عام 2019. إذ فرض المدرب المحنك صوته ورؤيته والنظام على غرفة الملابس، وتمكن من إيجاد طريقة لتحويل مجموعة من الأفراد الموهوبين إلى كتلةٍ قوية تقارع كبار القارة. فالجزائر لديها أكثر بكثير من رياض محرز. فلاعب ميلان اسماعيل بن ناصر الذي تم التصويت له كأبرز لاعب في البطولة الأخيرة ليس مذهلاً كساحر مانشستر سيتي، لكنه يتمتع بتأثير ديناميكي وذكي ومستمر في وسط الميدان. ومن المتوقع أيضا أن يتسبب سعيد بن رحمة في خلق مشاكل للخصوم، كذلك الأمر لنجم بطولة كأس العرب يوسف بلايلي الذي ما زال يبحث عن نادٍ جديد بعد أن فسخ عقده بالتراضي مع نادي قطر الشهر الماضي.
وعند الحديث عن المواهب، فيجب ألا ننسى نجم كوت ديفوار سيباستيان هالر، والذي بدأ مسيرته الدولية لاعبا دوليا لمنتخب فرنسا للشباب. لكن فترته مع وستهام كانت مليئة بالمطبات والعثرات، إذ لم يتمكن من التحليق هناك. أما الآن مع أياكس فقد أصبح هداف الدوري الهولندي حتى الآن، كما وحقق رقماً قياسياً هذا الموسم بتسجيله 10 أهداف في دور المجموعات بدوري أبطال أوروبا، أكثر من أي لاعب سابق. واليوم، يأمل هالر في أن يستمر بهذا الشكل والأداء في كأس الأمم مع كوت ديفوار، الذي يقود هجومه منذ أن سجل هدفاً في أول ظهور له في نوفمبر 2020. وبالإضافة إلى أحد أكثر المهاجمين تألقاً في كرة القدم الأوروبية يتفاخر منتخب الفيلة بفرانك كيسي وإبراهيم سنجاري أحد أقوى لاعبي الوسط في هذه البطولة. فهو منتخب قادر على تعقيد الأمور لحامل اللقب، المنتخب الجزائري، والذي يلتقي منتخب الفيلة في دور المجموعات لاحقا في المراحل الإقصائية أيضا.
الأداء المخيب للآمال لنيجيريا خلال العام الماضي أدى إلى إقالة المدرب الألماني غيرنوت رور الذي عمل للمدة الأطول في تاريخ المنتخب حتى تم التخلي عنه الشهر الماضي. كما وتعثرت استعدادات المدرب المؤقت، أوغستين إيغوافون، بسبب خسارة المهاجمين الرئيسيين، ليس فقط المتألق فيكتور أوسيمين، بل أيضا إيمانويل دينيس وأوديون إيغالو، الذي احتفظ به ناديه السعودي الشباب لأسباب مماثلة لتلك التي مكنت واتفورد من الاحتفاظ بدينيس. كل هذا من المرجح أن يزيد الضغط على كيلتشي إيهيناتشو لتسجيل الأهداف. إذ يمكنه أن يتوقع مساعدة عالية المستوى من الجناح الرائع صموئيل تشوكويزي ولكن أيضا من المناطق المركزية إذا كانت خطة إيغوافون لإشراك تشيديرا إيجوك كلاعب في مركز الرقم 10. فمهارات إيجوك وسرعته الرائعة ستجعل أي مهاجم ينتعش ويتلذذ بالتمريرات الحاسمة.
ولا يمكننا التغافل عن الموهبة التونسية الصاعدة التي نثرت سحرها في الملاعب القطرية في بطولة كأس العرب الأخيرة حنبعل المجبري. لاعب ناشئي مانشستر يونايتد سيكمل عامه الـ19 هذا الشهر. لكن رغم ظهوره مرةً واحدة فقط مع الفريق الأول ليونايتد، وهي حقيقة مؤلمة يعمل المدرب الجديد رالف رانغنيك على تغييرها بعد عودة مجبري من مغامرته الدولية الأخيرة. إذ تألق في كأس العرب بشكلٍ كبير مع منتخب بلاده الشهر الماضي، حيث ساعد تونس على الوصول الى المباراة النهائية والحصول على المركز الثاني، فأظهر براعته الفنية وشخصيته المميزة. إذ تصدى لمحاولات عرضية لتخويفه واتخذ العديد من المبادرات الإبداعية. ولا يبدو للكثيرين أن الوصول إلى النهائي في الكاميرون سيكون بتلك السهولة، لكن بمساندة لاعبين شباب كمجبري والمخضرمين كوهبي الخزري، الذين يجلبون الإضافة الذكية واللمسة السحرية، يمكن لتونس أن تذهب بعيداً.
وعلى ما يبدو فأن البطولة الأفريقية ستحظى برونقٍ خاص عن أي وقتٍ مضى. فتوقيتها وزخم مواهبها الشابة سيضع البطولة والقارة ككل على المسرح الرياضي العالمي. فنحن على موعدٍ مع إثارة لا تنتهي.