أماني سليمان داود
أعترف بأن قصص مجموعة «غيمة يتدلى منها حبل سميك» للأردنية أماني سليمان داود متعبة ومقلقة ومربكة، وتحتاج إلى إعادة القراءة والتركيز للتوصل إلى تأويل مقنع للنص، وربما لا يتم ذلك، وهي قصص موجهة لقارئ معين؛ قارئ يقبل التحدي والغوص والرهان. تقول الكاتبة في لقاء معها نشر في صحيفة «الغد» الأردنية عن مجموعتها: «لا تصلح فيها القصص للقراءة الواحدة؛ إذ تبدو القراءة الأولى صادمة ومخلخلة للعادي والمتعارف عليه، وتبدأ الستارة بالانزياح عند تقبُّل القارئ التعاقدَ مع القصة ومقاربتها بِرَوِيّة وعبر إقامة مقايضة بين القارئ والنص؛ فإذا منح القارئُ القصةَ صبره منحتْه المتعة السردية وكشفتْ له عن المغلّق والمستور».
تتكون المجموعة من ثلاث عشرة قصة، هي: غيمة يتدلى منها حبل سميك، ناي القحط، سلالم البوح، أرغفة الخوف، ذراع تحف بها الغيوم، مقص الشجر، نافذة وحيدة عالية، شجرة الزينة الشوكية، عين الجرذ.. عين الطائر، بيوفيليا، فطيرة سوداء وامرأة مبصرة، فتى اللوحة، تمائم خابية. وتتراوح القصص بين الواقع والخيال والغرائبية والفانتازيا، تتناول تفاصيل حياتية بشكل مغاير ومختلف وصادم، ما يربك القارئ ويستفزه، ويدخله في أتون الأحداث، ليشعر بمعاناة شخوص القصص وآلامها وجنونها وغربتها وكوابيسها وصراعاتها وأسئلتها الوجودية. وتتناول هذه المقالة أربع قصص متقاربة في عوالمها الجنونية والغرائبية «إنه مجنون ومارق وغير قابل للتأويل هذا العالم».
غيمة يتدلى منها حبل سميك
على الرغم من غرائبية القصة وخيالها المجنح، إلا أنها واقعية في حقيقتها، لكنها الواقعية الصادمة، التي تسلط الضوء بقوة على الأوجاع والسلوكيات وتعامل الناس مع بعضهم بعضا؛ يخبر الرجل أكثر من شخص أنهم «سيقطعون رأسي بعد ثلاثة أيام»، ولكن العجيب أن لا أحد يهتم أو يلتفت أو حتى يستغرب أو يستهجن، ولكأن الأمر عادي تماما، مألوف حد اللامبالاة، ولكن، أي محكوم بالإعدام هذا وهو حر طليق؟ يحيلنا هذا التساؤل إلى حقيقة مفجعة؛ أن لا فرق بين السجنين؛ بناء السجن، والحياة التي نحياها، فالكل مقيد مسجون، والاختلاف في طول الحبل فقط، وكل محكوم عليه بالإعدام، ولكن البعض يعرف ساعته، والأغلبية برسم الإعدام، تنتظر. وربما يعود سبب التجاهل إلى انشغال كل بهمومه ومشاكله، فالجميع يعاني ويتألم وتثقل كاهله أعباء الحياة، ولذا فهو لا يستطيع الالتفات إلى غيره، فقد تساوى الجميع في المحن والويلات والمصائب والمشكلات التي تطحنهم وتعمي أبصارهم، ومن المفارقات، أن القطة وحدها من تعاطفت وتألمت وناحت لأجله عندما أخبرها بنبأ إعدامه.
ضحكة الرجل الساخرة كانت السبب في إعدامه، فإن تضحك في وسط كابوسي مجنون، يعتبر تحديا، مروقا، عصيانا، سلوكا إرهابيا، يقول الرجل: «هي ضحكتي التي طالما حذرتني أمي من أنها ستؤدي بي إلى التهلكة، وأنبني عليها رئيسي في العمل، لأنها ستزج بي في السجن الانفرادي، وهددتني بها خطيبتي لأنها ستكون سببا في انفصالنا عن بعضنا». فالضحكة في واقع كهذا عمل ثوري، وقد حدث ما تخوف منه الجميع، وأعدم الرجل شنقا، وأصبح يعيش ويتنفل جسدا بلا رأس، وهنا، عندما أيقن الجميع أنه لم يعد يشكل خطرا – وأي خطر من رجل بلا رأس؛ لا يفكر ولا يرى ولا يسمع ولا يتكلم – عندها فقط، تقاطر الجميع للتأسف منه والاعتذار والتعاطف!
سلالم البَوح
الصدمة العنيفة تغير الاتجاه بدرجات متفاوتة، وهذا ما حدث مع بطل القصة، حيث صدمته بموت والده، جعلته يعيش في عالم آخر مختلف تماما، لا يمت لعالمه بصلة، يتوهم حياة جديدة وعلاقات مختلفة وأناسا لم يكونوا يوما على خريطة حياته، وهكذا كل صدمة لها تأثيرها وأمراضها ونتائجها وانعكاساتها على المصدوم ومن حوله، خاصة عندما لا يجد من يسانده ويخفف عنه.
ويبدو أننا من كم الصدمات المتتالية التي نتعرض لها، والتي لم نعد نشعر بها، ولكننا نلمس تأثيراتها وتحولاتها، أصبحنا نعيش في عوالم أخرى لا علاقة لها بالعالم المفترض الذي نعيشه، فنحن ـ كما يبدو- نعيش – دون أمل بالرجوع- في عوالم من التيه والضياع، عوالم كابوسية ضبابية، عوالم بلا أنوار، لا مرشد لنا فيها إلا الجنيات والعرافات والساحرات!
مِقصّ الشجر
عندما تفقد الأم الأمل بحياة ابنها المدد أمامها في البيت، تتحول حياتها إلى الجنون تدريجيا؛ تقوم بتصرفات عبثية، تحاكي فيها حياة ابنها أيام عافيته، تحاول أن تسترجع حياته بنفسها، وتتطور حالتها إلى جنون لا شك فيه، وبوح بما لا ينبغي، وتتخيل نفسها شجرة طالت أغصانها، وتطلب من ابنتها تقليمها، هذه الابنة التي عانت الأمرين بين أخ إلى الموت أقرب، وأم يتصاعد جنونها، فأصبحت تتأخر عن عملها وتهمله، ما عرضها للتأنيب بعد أن كانت محل مدح وثناء، وكانت المفارقة أنها ماتت، وبقي أخوها الذي ينتظر موته بين لحظة وأخرها ممددا كما هو! الإنسان بلا أمل، لا حياة له، ولا معنى أن يعيش، ويرى كل شيء أسود، وتتحول كل دروبه إلى أنفاق ضيقة معتمة مسدودة، فلا يتمسك بالحياة، وقد يطلق لنفسه العنان دون قيود أو حدود. ولعل هذا ما يفسر عبثية كثير من التصرفات التي نحياها بسبب انسداد الأفق، وفقدان الأمل، وقتامة المستقبل، صحيح، أن الأمل يفترض أن يبقى سيد الموقف مهما ادلهمت الظلمات، وأن النور يأتي بعد العتمة الشديدة، ولكن ليس كل النفوس سواء، فالضغوطات أقوى من إرادة التحمل والصبر، خاصة عندما يسود الظلم والظلام والفساد وغياب العدالة الاجتماعية وانعدام الفرص؛ فيتقوقع البعض على نفسه ويعيش عالمه الجنوني الخرافي، أو يأخذ حقه بيده، فتعجبه الطريق، ويتحول إلى مجرم محترف.
شجرةُ الزينة الشوكية
قصة عالم مجنون وتحولات كافكاوية متسارعة ومرعبة، واكتشافات متأخرة، بدأت بشجرة زينة شوكية ملقاة على قارعة الطريق، وانتهت بكوخ محاط بلفيف من أشجار الزينة الشوكية الكثيفة. هل السر في شجرة الزينة الشوكية؟ أم أن هذه الشجرة أنارت البصيرة ومزقت الحجب، وفضحت المستور، وكشفت عن سلوكيات البشر المتوحشة القذرة دون أقنعة؟ كيف تعود الجثة إلى الحياة، وتمارس شيطنتها وعبثها وتخريبها، كأن حياتها الأولى لم تكن كافية؟ الإنسان في الحياة، يُعطى كثيرا من الفرص، لكنه يعود سيرته الأولى من الخيبات والفشل والفساد، ونادرا ما يحدث تغيير إيجابي، فالإنسان كسول يكبله العجز لأن يفكر بمسار مختلف، وحياة جديدة، وهو يفضل أن يبقى كما هو على أن يجرب ويكتشف ويخالف التيار السائد.
وبعد؛ فإن «غيمة يتدلى منها حبل سميك» عمان: الأهلية للنشر والتوزيع، 2020، 117 صفحة، مجموعة قصصية إشكالية، تحتمل الكثير من القراءات والتأويلات، ولا أزعم أني استطعت أن أفكك شيفرتها، وأكشف عوالمها، ولكنها محاولة وقراءة، فكل قصص المجموعة لها عالمها البعيد عن النمطية، ولا تعطي أسرارها بسهولة، ولكل منها ظاهر واحد وبواطن كثيرة، وهي مجموعة تستهدف النبش في الأعماق، وعدم الرضى بالسهل المتاح، والبحث عن عوالم جديدة مختلفة، والثورة على السائد ومسلماته الراكدة، وتشريح الذات والتعرف إليها من جديد بنظرة وطريقة ومختلفة. مجموعة خلقت عوالم فوضوية صاخبة، في تحد سافر لوعي القارئ ولاوعيه، فلن يصل إلى بر الأمان ما لم يخض لجج الأمواج وعصف الرياح.
وهذه المجموعة هي الرابعة للأكاديمية أماني سليمان داود بعد: «شخوص الكاتبة» 2011. «سمّه المفتاح إن شئت» 2016. «جوار الماء» 2018 التي حازت جائزة خليل قنديل للقصة القصيرة. وصدر لها في النقد: «الأمثال العربية القديمة: دراسة أسلوبية – سردية- حضارية» 2009. «الأسلوبية والصوفية: دراسة في شعر الحسين بن منصور الحلاج»، 2011. ولها عدد من الأبحاث المحكمة المنشورة.
كاتب أردني