كاتب عربي في صحيفة عبرية: ماذا لو كنت تعيش في غزة يا ألوف بن؟

حجم الخط
1

لقد صاغ ماركس المقولة الخالدة “الوجود يحدد الوعي”. لو كان محرر “هآرتس” ألوف بن يعيش في مخيم للاجئين في غزة لما كان ليكتب أقوال الثناء التي كتبها عن الاتفاقات التي تم التوقيع عليها في واشنطن (“هآرتس”، 16/9). أن يعيش بدون أي قيود باستثناء قيود كورونا، يريد أن يكون جزءاً من الأنوار الساطعة في واشنطن، من الغنى، من البدلات البراقة، من معسول الكلام اللاصق، من الابتسامات، من دانا فايس التي تسحب مراسلاً عربياً في منتصف تقريره – تعال إلى هنا –تريد أن تتباهى أمام المعجبين بها بالصديق العربي الذي قامت باصطياده.

اترك غزة، يا ألوف بن، وضع نفسك محل الرئيس الفلسطيني بعظمته وجلاله.

لو كان ألوف بن من سكان مخيم جباليا ينظر إلى العالم الغريب الذي يحتفل بالسلام الذي قد يكون من نصيبه، وبعد لحظة من الأقوال التي تثير الشفقة سيعود إلى الإغلاق الخاص وإلى ظروف المعيشة التي وصفها الخبراء الدوليون بأنها قريبة من “كارثة إنسانية”، لكان كتب بطريقة مختلفة. كتب الشاعر جبران خليل جبران: “مُرة هي مواعظ السعداء على قلوب البائسين”.

اترك غزة، يا ألوف بن، وضع نفسك محل الرئيس الفلسطيني بعظمته وجلاله. تخيل أنك كلما أردت السفر من يافا إلى شمال أبيب ستحتاج إلى تصريح من موظف الإدارة المدنية، الذي يتباهى بأنه منع الأوروبيين من تقديم المساعدات للفلسطينيين في المناطق “ج”.

مؤسف القول إن النظرية القائلة بأن “التاريخ يرى في أحداث السلام عملية واحدة تتمثل بقبول إسرائيل في الشرق الأوسط”، التي تحدث عنها محرر “هآرتس”، المرحوم دافيد لنداو، تناقض الواقع. فأي “قبول” لإسرائيل في الشرق الأوسط عندما يقتصر التعاون بين إسرائيل ومصر والأردن على المجال العسكري فقط؟ ذات يوم تحمسوا للاختراع العجيب المسمى “نقاطة”، الذي كان أداة تعريف للعقل اليهودي. ووعد العالم العربي بأمور عجيبة. ذات يوم كان في القاهرة مركز ثقافي إسرائيلي نشط. وذات يوم كان هناك مثقفون مصريون تحمسوا من العصر الجديد الآخذ في التبلور.

كل هذا تحطم بعد عملية “سلامة الجليل”، التي جلبت الخراب والدمار للبنان وطرد آخر للشعب الفلسطيني. والجليل واصل المعاناة أكثر فأكثر. أي “قبول” هذا عندما يأتي مبعوثون صغار لعدد قليل من الدول العربية إلى الاحتفال، حتى أوروبا تجاهلت هذا “السلام”.

وهاكم قطعة أخرى من الحلوى للاتفاق الجديد: لإسرائيل، كما هو معروف، تفوق عسكري في المنطقة، ولكنه تفوق سيهتز في أعقاب اتفاق السلام الجديد الذي يتضمن تزويد طائرات “إف35”.

إذا كان ألوف بن يقصد قبول إسرائيل في عالم التجارة الأمنية، فهي منذ زمن تعتبر الجزء الفعال فيه. نتذكر جيداً التعاون الأمني مع نظام الأبرتهايد في جنوب إفريقيا، إضافة إلى تزويد السلاح لبؤر النزاع الساخنة في العالم. السلاح بدلاً من النقاطات – هذه هي بطاقة التعريف الجديدة لإسرائيل.

وهاكم قطعة أخرى من الحلوى للاتفاق الجديد: لإسرائيل، كما هو معروف، تفوق عسكري في المنطقة، ولكنه تفوق سيهتز في أعقاب اتفاق السلام الجديد الذي يتضمن تزويد طائرات “إف35”. لذلك، تريد إسرائيل الآن المزيد من السلاح المتطور لتحقيق التفوق المأمول. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا كل هذه المراوغة؟ أعيدوا الـ “إف35” وكل شيء سوف يتدبر. يبدو أنني ساذج؛ إذ كيف سيحركون اقتصاد السلاح الذي يدر عشرات وربما مئات المليارات التي تذهب مباشرة إلى أرباب المال الأمريكيين ووكلائهم في الشرق الأوسط؟

أجل، أصبحت إسرائيل العسكرية جزءاً من المنطقة. وعن هذا ستدفع المنطقة كلها، بما في ذلك إسرائيل، ثمناً باهظاً.

بقلم: عودة بشارات
 هآرتس 17/9/2020

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية