ربّما قليلٌ فقط من قرّاء تولستوي الروسيّ يعرفون أنّه استلهم رائعتَه «أنّا كارنينا» من حادثةٍ حقيقيّةٍ، صادفتْه أيّام شبابه حين كان ضابطا، حيث كان عليه توثيقُ انتحار سيّدة من جيرانه في منتصف الثلاثين، كانت قد ألقت بنفسها تحت عجلات القطار، إثر خيبةٍ عاطفيّةٍ قاسية. كان جسدُ تلك المرأة المشوَّه قد استأثر بذاكرته أمدا طويلا، وألهمه النهاية الفاجعة لأنّا كارنينا، التي كتبها في سنوات نضجه الإبداعيّ.
هذه الرائعة الأدبيّة سرعان ما انتقلت إلى عالم الباليه، وقُدِّمت في مسارح كثيرةٍ، أختار منها مسرح «مارينسكي» الذي وظّف أحدث التقنيات وأكثرها تطوّرا في سبيل محاولة التقاط جوهر هذه المأساة الإنسانيّة، وتتبّع مراحلها وتطوّراتها. وهو ما يمكن تسجيله منذ مدخل هذا الباليه الذي بدا شديدَ الرمزيّة والتركيز، فكان أول مَن طالعنا فيه: فرونسكي المرتدي زيّه العسكريّ، وقد وقف جامدَ الحركات، موليا ظهرَه لنا، ومحدّقا في تابوتٍ مفتوحٍ، مثبت وسط المسرح، وعليه جثمانُ امرأةٍ شابة، نستشفّ أنّها أنّا، ولا يلبث بعضُ المعزّين أن يدخلوا، ليحيطوا بهذا التابوت، ممّا يكرّس معنى استباقيّا لما سيأتي من أحداث دامية، نستشفّها أيضا من تلك الإضاءة الزرقاء القاتمة، ومن منظر السحب الغائمة التي غطت الواجهة كلّها، وأوحت بكثيرٍ من الكآبة والثقل.
ولا يطول انتظارُنا كثيرا، فبعد بضع دقائق، يلتفت فرونسكي أخيرا نحونا، وعلى وجهه ملامح الحزن والانكسار، وفي غمرة تماهينا معه، يتغيّر الديكورُ تلقائيّا، اعتمادا على تقنيّة «العرض الضوئيّ» (Projection) فنجد أنفسنا في محطة القطار، بأعمدتها، وعوارضها الخشبيّة، وعمّالها، وعتّاليها، وجملة المنتظرين وصولَ أقاربهم وذويهم، الذين سرعان ما ينزلون تباعا من عربات القطار، الذي تواجهنا مقصورتُه الأولى، وتطالعنا أنّا كارنينا بأناقتها اللافتة وهي تبحث بنظراتها عن أخيها، فتلتقي عرَضا بفرونسكي الذي يحيّيها باحترام، ولا يلبث أخوها ستيفان أن يظهر، ويُعاد بأمانةٍ كبيرةٍ مقطع التعارف في المحطة تماما كما جاء في الرواية، حيث يلتقي هذا الأخ بفرونسكي، ويتبادلان حديثا قصيرا، تحضر بعده أنّا ووالدة هذا الأخير، وفي غمرة تعارفهم الرسميّ ومجاملات اللقاء الأول، يقع حادثُ عامل المحطة، ويمضي فرونسكي خلسةً للتبرّع لأرملته.
الحركة الأولى
وبهذا الحادث المأساويّ تنتهي الحركة الأولى من هذا الباليه، وقد تحققت الوظيفة الإنذاريّة فيه تماما كما تحققت في الرواية، تعتم الإضاءة بعدها، وتطالعنا وعن طريق تقنيّة العرض الضوئيّ أيضا أجواء الحفل، ويُعاد كما في الرواية مشهد دخول أنّا المتأخر، واستئثارها باهتمام فرونسكي، فكان لا يراقص سواها، ولا ينظر إلا نحوها، ممّا يوحي بمدى الترابط الوثيق بين هذا العرض ومرجعه الأدبيّ، فتمّ أيضا تصويرٌ دقيقٌ لمنظر قطار العودة خارجيّا، وداخليّا، وبدت بجلاءٍ صورة مقصورة أنّا التي لم يكن فيها سواها غارقةً في هواجسها وأفكارها وامرأةٍ أخرى منشغلةٍ بالحياكة، وبدت أيضا المقصورة الثانية المجاورة، التي نرى فيها تباعا: رجلا يتصفّح الجريدة، وآخر منشغلا بلعب الشطرنج مع طفلٍ، وامرأةً تقرأ كتابا، ورجليْن غافييْن، يحدث هذا والوقت ليلٌ، والثلجُ يتهاطل بغزارة، وهي الأجواء نفسها التي أضفتها الرواية على رحلة أنّا. كما نُقل لنا بأمانةٍ مقطع ملاحقة فرونسكي لها في القطار، وسعادتها الغامرة بذلك رغم سوء الطقس، فاختصرت رقصتهما الثنائيّة الرقيقة، وخوفها البادي من خلالها ما حوته الرواية من تفاصيل مغازلته المواربة لها، وتردّدها بين صدّه بحسمٍ أو مواصلة الاستماع إليه وهو يخاطبها «بالعبارات التي كانت روحُها تتوق إلى سماعها، وإن خشيتها بعقلها».
كما جسّد هذا العرضُ بدقةٍ ملامحَ ألكسي، زوج أنّا الصارمة، وحركاته الباردة، وهو ينتظرها في محطة القطار، وتحيّته الباهتة لفرونسكي، واختُصر فتورُه العاطفيّ معها، وميْله المفرط نحو العمل والكدح والطموح بتلك الرفوف الكثيرة، الممتلئة عن آخرها بالكتب والمجلدات، المغطيّة كامل الجدران، والممتدّة نحو السقف، ولم تبدُ تعاسة أنّا معه مضمرةً، بل بدت مفصّلةً ومتدرّجةً، فهي تحاول بجميع السبل جذب اهتمامه وتحريره ولو قليلا من طوق العمل ورائحة الكتب من دون جدوى: تدعوه للرقص؛ للحب؛ للحياة، فيرفض، ويصرّ على منادمة أوراقه، وينغمس في ذلك، متناسيا لها تماما، فلا يكون لها سوى الوحدة والبؤس، ومغازلات فرونسكي الوسيم؛ تفرّ إليها، وتأنس بها، فنلاحظ ملاحقاته الجريئة لها واستمرارَ تردّدها، وتفشّي سرّهما وبدء التهامس حولهما، وتململ الزوج من سلوكها، فها هو يحاول سحبها لتغادر أحدَ المجالس بعد أن لاحظ اهتمامَها الشديد بغريمه بشكلٍ لافتٍ للانتباه، ومحرّضٍ على النميمة، فإذا بها ترفض في عنادٍ، وتفضل البقاء صحبة ذلك الغريم، وها هو يتقلّب وحيدا، ويصطلي بنيران الغيرة والشكوك، ولا يلبث أن يتشاجر معها، ويحاول حمايتها من الانزلاق، فتنصاع له، وحين ييأس الغريم أو يكاد، تنهار مقاومتها، ويحدث فعلُ الخيانة، وينتهي الفصل الأول عند هذه النقطة.
مشهد
سباق الخيول
ويُستهَلُّ الفصل الثاني بمشهد سباق الخيول الذي أقامته الأكاديميّة العسكريّة وشارك فيه فرونسكي بحضور أنّا وزوجها ونخبة من علية المجتمع وذوي النفوذ فيه، والذي فصّله تولستوي واستفاض في وصفه، فكان التعويلُ هنا ـ لاستحالة النقل الأمين ـ على طريقة العرض الضوئيّ، وبدت أمام أعيننا حلبة شاسعة للسباق، وخيول مدربّة، وفرسان متمرّسون، ومتحمّسون، فيما يؤدي فرونسكي ورفاقُه حركاتٍ توحي بأنهم يركضون على صهوات أحصنتهم، على إيقاعٍ موسيقيّ حادّ ومحاكٍ لوقع حوافر الخيل، وعدْوها السريع، فيتزامن قفز الضباط الإيمائيّ على المسرح مع الصور الضوئيّة أعلاه، ولا تكاد تمضي سوى بضع دقائق حتى نرى من خلال تلك الصور الضوئيّة منظر فارسٍ يتعثّر ويسقط حصانُه، فنستنتج أنّه فرونسكي، ولا نُباغَت بأنّا التي تنهار لذلك، وتحرج زوجَها غاية الإحراج، هو نفسُه الإحراج الذي لمسناه في الرواية وهو يقدّم لها ذراعَه كي يغادرا، فلا تكاد تلتفت إليه لذهولها عن كلِّ شيء وشرودها.
ومن بين التفاصيل التي ركّز عليها هذا العرضُ مقطعَ محاولة فرونسكي الانتحارَ بإطلاق الرصاص على نفسه، بعد أن بدت علامات الندم على أنّا، فحاولت العودة إلى زوجها، وكذا مقطع دار الأوبرا حيث بدت نخب المجتمع من رجالٍ ونساءٍ على غايةٍ من الأناقة والانسجام، وهم ينتظرون بداية العرض بفارغ الصبر، لتأتي أنّا بثوبها الأحمر فتكسر انسجامَهم، وتؤجج نظرات الحقد والفضول، التي لا ينون يرشقونها بها، ويصل الأمر إلى أن تغادر السيدة الجالسة قربها مقصورَتها بعد أن تجلدها بنظرة ازدراء مريرة، وتسحب زوجَها خلفها، ولا يلبث الجميعُ أن يرمقوها بمثل تلك النظرة الباردة على مرأى ومسمعٍ من فرونسكي الذي يؤثر الصمتَ ولا يتدخّل لنجدتها، ثمّ يغادرون القاعة، لتبقى وحيدةً تجترّ بؤسَها وأحزانها.
وهنا تصل علاقتهما إلى غاية الانهيار، يُعبّر عنه برقصةٍ ثنائيّة محتدمة، يفرّ في أثنائها فرونسكي منها، ثمّ يعود بصحبة زوجها، ويشتبك الثلاثة في حوارٍ صامتٍ ومضطرم، يحيل إلى استمرار أزمة أنّا وحيرتها المزمنة بين قلبها وأسرتها، تنتهي بأن يتخلّى كلا الرجليْن عنها، ويتركانها وحيدةً، تعاني، وتتحطّم نفسيّا، يحدث هذا في الوقت الذي نرى فيه تلبّد الغيوم، وكثافتها التي تغطي الخلفيّة كلها، فيما نسمع هديرَ عجلات القطار يدنو ببطء، ويعلو صوتُه شيئا فشيئا، ليبدو فجأة ضوءٌ ساطعٌ هو ضوءُ عربة القيادة، التي ترتمي صوبها أنّا وتهمد حركتُها نهائيّا، إشارةً إلى حدث انتحارها الذي يختم الأحداثَ ويسدل الستارَ عليها.