كافكا وكونديرا: عندما تتحول الأرض المشتركة إلى أرض محروقة

من المقالات الشيقة التي اطلعت عليها مؤخرا مقالة نشرتها «القدس العربي» للكويتية سعاد العنزي بعنوان «قراءة كونديرا لأدب كافكا». ورغم جماليات المقالة، وموقفها الإيجابي من الثنائي التشيكي، لكنها بنت على افتراض أرى أنه يحتاج لمزيد من الثبوتيات، وهو تأثير كافكا في مواطنه كونديرا.
حشدت الكاتبة لفرض وجهة نظرها مجموعة من الدراسات لنقاد عرب وأوروبيين، ومرت مرور الكرام على تفسير كونديرا لكافكا في سلسلة من المؤلفات، التي أعتقد أنها أعادت بناء كافكا الوهمي بما يخدم إيقاع حياة كونديرا. وهذا يعني بلغتي أن المساحة بين الاثنين هي حقل محروق، أو بلغة أفصح أنها أرض محروقة. ويؤكد هذا الاستنتاج كلام كونديرا في لقائه مع ماك إيوان: إن النقد، مثل أدب السيرة، لا يستطيع أن يكون موضوعيا، ولا بد أن يأتي محملا برؤية كاتبه. وبناء صورة كافكا في أعمال كونديرا أتت من موقف الثاني من الأب. فكونديرا ابن أبيه، واهتمامه بالموسيقى موروث عن مهنة والده الموسيقي. وكذلك عنايته بكافكا تأتي من احترامه للأسلاف غير الأيديولوجيين، والذين وقفوا بكل عناد ضد الرؤية السوفييتية للوجود والمجتمع.
ومع ذلك هذا لا يلغي الفروق الهائلة بين الكاتبين، ولا سيما ببناء العالم السردي – إعادة إنتاج المخيلة، وصور المرأة – إعادة إنتاج الواقع. فالخيال الكافكاوي مأزوم ذاتيا، ويدل على اضطراب عميق مع التجربة الخاصة بكل أبعادها، الماضي – أو لغة الأب، والحاضر – لغة النظام الأبوي. وكان همه هو تجاوز كل أشكال حضور الآخر، وليس اختراع ولا تشكيل أجندة مستقبلية. ولا زمانية كافكا تفسر إهماله للتاريخ وخروجه على معنى القيمة، لذلك هو على اختلاف دائم مع محيطه، وهو الأمر الذي حدا بكل من دولوز وغوتاري لتصنيفه في عداد المثقفين الهامشيين، من عانوا من جهاز الطرد المركزي في حياتهم، ومن أسيء فهمهم بعد الممات لدرجة الأسطرة. وتمثيلات كافكا في النقد الأوروبي كانت مجرد حجة لحرب الأيديولوجيات، حتى إنه أصبح جزءا من الحرب الباردة بين المعسكرين. وهو ما تثبته قراءة غارودي وبوريس سوتشكوف له. الأول من زاوية ليبرالية متمركسة، والثاني من زاوية بيروسترويكا شيوعية مبكرة. وأعتقد أن كافكا الحقيقي كان غائبا عن كليهما بقدر غيابه عن قلق وعسر مصطلحات غوتاري ودولوز، وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بالتمييز بين النص الشجرة والنص الجذمور. وفي رأيي خيال كافكا يأتي خارج هذه التصنيفات والبهلوانيات اللغوية. وهو بكل بساطة إنسان معتل الصحة ويائس. وكان يفكر بالموت أكثر من الحياة، وربما أنحى باللوم على والده أولا، ثم طبيعة المرأة الأوروبية ثانيا. وحينها كانت تمر بعنق الزجاجة، وتعمل على تبديل الدور المخصص لها في المجتمع. وتصوراته عن تراجع وانحدار جيله من مستوى إنسان إلى حشرة مقززة، لا يعكس اضطراب مرحلته التاريخية، بقدر ما يعكس موقفه السلبي من أحواله، حتى إن الحط من قدر غريغور سامسا في «المسخ» لم ينسحب على أمه وأبيه. وكان كلاهما وراء عتبة هذا الفساد والتطور المعكوس، وفصل بينه وبينهما باب غرفة النوم.
في حين كان كونديرا مغرورا بذاته، يؤله إمكانات شخصياته البسيطة، ويقدمها بصورة عقل متضخم وغريزة محتقنة. وهذا هو أصل اختلاف معنى المرأة بين الكاتبين. فكافكا تعامل معها ككل. وكان المساح في «القلعة» يعانقها ويتدحرج معها على الأرض. وكانت بالنسبة له على شكل قدر أو جزء من كابوس حياته المعلقة، فهي شر لا بد منه. بينما مزقتها فلسفة كونديرا، وحولتها إلى أعضاء وشراذم، وتعاملت معها بلغة إيروتيكية تحدوها الرغبة، وتميل لمتعة الاغتصاب أكثر من الحب المجرد. ولخصها في روايته القصيرة «البطء» بصورة ثقب. واهتمامه بجزئياتها في الوصف والتفسير بلغ درجة فيتيشية تشبه تفكير الإنسان البدائي، الذي بالغ بتضخيم أعضاء الخصوبة وغض النظر عن ما تبقى، حتى تحولت المرأة لكاريكاتير جنسي أو ليبيدو سريالي. وإذا لم يلاحظ دريدا هذه النقاط في كافكا، فهذا فقط لأن دراساته في الظواهر الاجتماعية للغة أسقطت على النص رؤيته الخاصة لتطور تاريخ اللغة وعلاقة ذلك بتطور المجتمعات (كما أشار ديريك أتريدج في كتابه عنه). ولا أعتقد أن دريدا ناقد أدبي. وهو أقرب ما يكون لكاتب يفسر المناطق المعتمة والصامتة من الوعي الحضاري الباطن للنصوص. وكذلك هو حال كونديرا، مع مزيد من القلق السياسي، الذي اختصر الدولة بمواقف وليس بأفكار. حتى إن كلا منهما احتفظ بنسخته الخاصة من كافكا وأراد تعويمها. ويكفي أن لكليهما تحفظات جوهرية على العقل السلوفيني والجرماني، وأنهما بالهوية والانتماء جزء من الفلسفة اللاتينية لشمولية الذات الأوروبية. وهما أبعد ما يكون عن الماكينة الضخمة للعقل الألماني الذي قدم إلينا كافكا وماركس وهيغل.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية