“كاميرات عرضية” في الطبيعة تنشر الصور في كل مكان

ناصر الأمين
حجم الخط
0

لندن –”القدس العربي”: يقول عالم الكمبيوتر، أنطونيو تورالبا، إنه خلال إجازته في ساحل اسبانيا، عام 2012 لاحظ ظلالاً طائشة على جدار غرفته في الفندق، بدت وكأنها ظل يتبع ذاته فقط. ثم أدرك أنها في الواقع لم تكن ظلا على الإطلاق، بل صورة باهتة، مقلوبة للفناء خارج نافذته. كانت النافذة تلعب دور كاميرا الثقب، أي أبسط نوع كاميرا، تمر أشعة الضوء عبر فتحة صغيرة وتشكل صورة مقلوبة على الجانب الآخر. كانت الصورة، حسب تورالبا، بالكاد قابلة للرؤية، لكنه لا شك أنها موجودة. هذا ما دفعه إلى التفكير باحتمال أن يكون العالم مليئا بـ”معلومات بصرية” من هذا النوع، لا نلاحظها، أو حتى أن أعيننا غير قادرة على رؤيتها. وقال: “هذه الصور خفية بالنسبة لنا. لكنها موجودة حولنا طوال الوقت.”

لفتت هذه التجربة تورالبا وزميله بيل فريمان، الأستاذان في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إلى انتشار “الكاميرات العرضية” كما يسمونها في كل مكان: النوافذ والزوايا والنباتات المنزلية وغيرها من الأشياء الشائعة التي تخلق صورًا دقيقة للمحيط. وعادة ما تكون هذه الصور، باهتة بمقدار 1000 مرة أكثر من أي شيء آخر، وغير مرئية للعين المجردة. “لقد توصلنا إلى طرق لسحب تلك الصور وجعلها مرئية” أوضح فريمان.

اكتشف الباحثان مقدار المعلومات المرئية المخبأة في مرأى من الجميع. وأظهرا في ورقتهما الأولى أن الضوء المتغير على جدار الغرفة، والذي تم تصويره بكاميرا عادية، مثل كاميرا الأيفون على سبيل المثال، يمكن معالجته لإعادة بناء المشهد خارج النافذة. أما الخريف الماضي، فقد كشف الباحثان وفريقهما أنه يمكنهم رصد شخص يتحرك على الجانب الآخر من الزاوية بتصوير الأرض بالقرب من الزاوية. كما أظهروا هذا الصيف أنهم يستطيعون تصوير نبتة منزلية، ثم إعادة بناء صورة ثلاثية الأبعاد لبقية الغرفة من خلال الظلال المتباينة التي تلقيها أوراق النبات. أو يمكنهم تحويل الأوراق إلى “ميكروفون مرئي” عبر تضخيم اهتزازاتها والاستماع إلى ما يقال.

“لقد كانت مريم تحمل خروفًا صغيرًا” يقول رجل، في صوت تم إعادة بنائه من حركة كيس رقائق فارغ قام العلماء بتصويره من خلال نافذة عازلة للصوت في عام 2014 ويذكر أن هذه الجملة الأولى التي سجلها توماس إديسون عبر الفونوغراف عام 1877.

انطلق البحث عام 2012 حول تطوير قدرة “رؤية ما وراء الزاوية” واستنتاج المعلومات غير المرئية بشكل مباشر، وهي آلية أطلق عليها “التصوير غير المرئي” بورقة فريمان وتورالبا حول “الكاميرا العرضية” وورقة أخرى للعالم راميش راسكار. وبناء على الورقتين، أطلقت وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة في الدفاع برنامج “ريفيل” بتمويل قيمته 27 مليون دولار (من أجل “التعزيز الثوري للرؤية عبر استغلال الحقول الخفيفة النشطة”) وتوفير التمويل لعدد من المختبرات الناشئة في جميع أنحاء الولايات المتحدة. منذ ذلك الحين، ودفق من الأفكار الجديدة والحيل الرياضية جعل التصوير غير المرئي أكثر قوة وعملية من أي وقت مضى.

إلى جانب التطبيقات العسكرية والتجسسية الواضحة، يشير الباحثون إلى الاستخدامات الممكنة في السيارات ذاتية القيادة، والرؤية الآلية، والتصوير الطبي، وعلم الفلك، واستكشاف الفضاء ومهام البحث والإنقاذ.

تضرب الأشعة الضوئية غير المرئية، التي تحمل صوراً للعالم، خارج مجال رؤيتنا، الجدران والأسطح المختلفة باستمرار وتنعكس في أعيينا. يأتي التساؤل إذاً، لما تتسم هذه المخلفات البصرية بضعف شديد؟ الجواب ببساطة أن كثرة الأشعة الضوئية المتضاربة والتي تسير في اتجاهات مختلفة كثيرة تغطي بعضها.

لذلك يتطلب تكوين صورة تقييد أشعة الضوء التي تضرب الأسطح إلى حد كبير للتمكن من عزل ومشاهدة صورة من الصور التي تعكسها. وهذا بالضبط ما تفعله كاميرا الثقب. وكانت في البداية نظرية الباحثان الأولية، عام 2012 أنه يوجد في الطبيعة العديد الأشياء التي تشكل كاميرات ثقب عرضية تقيد الأشعة الضوئية بشكل طبيعي لتشكل صوراً باهتة على الأسطح، يمكن اكتشافها عبر أجهزة الكمبيوتر. وأشارا إلى أن الكاميرات العرضية الطبيعية المفيدة، أي ضيقة الثقب على نحو كاف، نادرة جداً في الطبيعة.

وإلى جانب العمل على الكاميرا العرضية، ابتكر فريمان وزملاؤه أيضًا خوارزميات للكشف عن تغييرات الألوان الدقيقة وتضخيمها، مثل تلك الموجودة في وجه بشري نتيجة ضخ الدم. كما تمكنوا من اتباع الحركة البسيطة إلى درجة 1000 بكسل، والتي عادة ما يتم دفنها في الضوضاء. ثم يحولون الصور رياضياً إلى موجات جيبية. في المساحة المحولة، لا تهيمن الضوضاء لأن الموجات الجيبية تمثل متوسط عدد كبير من البكسلات، وبالتالي تنتشر الضوضاء في ما بينها، ما يسمح للباحثين اكتشاف التحولات في الموجات الجيبية عبر فيديو مصور، ثم تضخيم التحولات، وترجمتها إلى بيانات.

بشكل حاسم، في المساحة المحولة، لا تهيمن الإشارة على الضوضاء، لأن الموجات الجيبية تمثل متوسطات عبر العديد من البكسلات وبالتالي تنتشر الضوضاء فيما بينها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية