سليمان فرنجية الحفيد هو من أوثق حلفاء النظام السوري في لبنان. هذا التحالف صار عنده أشبه بعقيدة قائمة بذاتها. مع ذلك، فهو حفيد لرئيس جمهورية يحمل نفس الاسم. رئيس شكّل وصوله عام ١٩٧٠ تغليباً لخيار التشدّد بين الموارنة، وترجمة لانكفاء الاعتدال المركزي الشهابي، لكنّه تميّز عن «اليمين المسيحي» بطرفية الزعامة نسبة إلى مركز الجبل اللبناني، مركز «لبنان الإمارة والمتصرفية»، وهي طرفية عادة ما يأباها موارنة الشمال اللبناني، باعتبار أنّ هذا الشمال هو المعمل الروحي والتاريخي للمارونية، وهو ما يفسّر تسمّي الميليشيا التي أسسها طوني سليمان فرنجية بـ»المردة». شكّل «المردة» أحد مكوّنات «الجبهة اللبنانية» في بدايات الحرب، أي الجبهة التي ستنشأ لاحقاً «القوات اللبنانية» كذراع عسكري لها، إنما بعد دمج وانشطار دمويين: فلئن نجح العنف في دمج ميليشيا «النمور» الشمعونية، فإنّ المدى الذي وصله في مجزرة اهدن التي ذهب ضحيتها طوني فرنجية وعائلته ومرافقيه، أسّس لانشقاق عميق في الشمال الماروني، انشقاق تغذّت منه بشكل وافر السياسة السورية في لبنان.
ورغم أنّ الظاهرة التي قادت هذا الخيار العنيف في التعامل مع داني شمعون وطوني فرنجية، أي ظاهرة الشيخ بشير الجميّل، تحوّلت بسرعة مدهشة نهاية السبعينيات إلى الظاهرة الأكثر شعبية بين مسيحيي لبنان، وتوّجت بهالة من القدسية بعد اغتيال بشير رئيساً منتخباً شاباً، فإنّ الشمال المسيحي المنقسم حتى نهاية الحرب بين قسم داخل في الفلك العسكري السوري وبين قسم خاضع لسيطرة «القوات»، بقي حبيس سردتين. من جهة، «الثورة الشعبية المسلّحة» القواتية في مواجهة اقطاع آل فرنجية حليف النظام البعثي السوري الذي يعمل على قضم والغاء وجود لبنان، وبالتالي العدو الوجودي للمسيحيين فيه. ومن جهة ثانية، «المردة» الذين يباهون بتحالف بين سليمان فرنجية الجد وحافظ الأسد قبل وصول كليهما إلى السدّة الرئاسية في البلدين، ويجدون فيه ضرورة وجودية للحفاظ على المسيحيين في الشرق.
بعد ربع قرن على نهاية الحرب الأهلية، لا يزال قطبا الموارنة من حيث الشعبية، هما العماد ميشال عون وسمير جعجع، أي قطبي الحرب الأهلية المسيحية الداخلية التي انتهت الحرب «العامة» بها. يشترك عون وجعجع في التحدّر من «البشيرية»: الأول لأنه جسّد حضور «البشيرية» في الجيش النظامي نفسه، والثاني، لأنّه ورث الجيش الموازي الذي أسّسه بشير.
في المقابل، يبقى سليمان فرنجية ثالث ثلاثة بين زعماء الموارنة، هذا إذا اعتبرنا أنّ الرئيس الحالي للكتائب سامي أمين الجميّل لم تأت ساعته بعد، حيث أنّ الاسم الكتائبي الذي يطرح رئاسياً لا يزال والده الرئيس السابق للجمهورية. هنا أيضاً، في حالة سامي الجميّل، نحن أمام نموذج ثالث لوراثة البشيريّة. لكنه ينتمي إلى جيل مختلف..
سليمان فرنجية الحفيد هو إذن الزعيم الماروني الوحيد الذي لديه شعبية في طائفته، خصوصاً ضمن منطقته، خارج إطار البشيرية، بل بينه وبين البشيرية ما صنعه مجزرة أفقدته عائلته، في إطار حرب كان والده فيها أحد قادة ميليشياتها، بل أحد قادة الميليشيات المفترض أن تتشكّل منها «القوات اللبنانية» لولا التزام «المردة» بخيار استمرار التحالف مع دمشق، بخلاف ارتداد باقي أركان الجبهة عن هذا التحالف، وهو ما يعود، بدرجة كبيرة، إلى «ضغط من تحت» على قادتها، قاده بشير.
من هنا، عندما تحرّك مشروع تسوية رئاسية يأتي بموجبها سليمان فرنجية الحفيد رئيساً للجمهورية وسعد الحريري رئيساً للوزراء انفجر لغم بالحسابات الفوقية التبسيطية. هذا اللغم عائد إلى كون سليمان فرنجية زعيم له حيثية شعبية مسيحية حقيقية، لكنها خارج عن «الإجماع البشيري» الذي أعاد تكوين «الإجماع المسيحي» في لبنان.
النتيجة الأولى لهذا الأخذ والرد كانت ترسيخ تركز زعامات الموارنة الحالية في الشمال: سمير جعجع وسليمان فرنجية.. وأيضاً جبران باسيل، في مقابل تراجع ثقل زعامات مركز الجبل اللبناني (الشوف والمتنين وكسروان).
لكنه الشمال الذي ما زال «حبيس السرديتين» ولو بشكل هُذّب مع الوقت. أسوأ ما في مشروع التسوية الذي طرح لم يكن أن فرنجية حليف آل الأسد، ولا في كيفية «سلق الموضوع»، بل في أنّه لم يربط أي تفعيل لرصيد فرنجية الرئاسية بتحقيق مصالحة تقوّض الانشطار الماروني الشمالي، مصالحة بين سمير جعجع وسليمان فرنجية. لو أن المسوّقين لفرنجية رئيساً اهتموا لحظة بهذه الحيثية، بدلاً من بيع جلد الدب قبل اصطياده، وتوهّم أنهم عزلوا جعجع، في وقت زادت عزلتهم هم، لكان من الممكن جدياً المناقشة في «إيجابيات وسلبيات» وصول فرنجية إلى قصر بعبدا، وبالتالي في الضمانات لتثمير الإيجابيات ومحاصرة السلبيات. يبقى أن المشكلة الأكبر هي في منطق لا يريد لا عون ولا جعجع ولا فرنجية ولا يريد موارنة بلا حيثية أيضاً ولا يريد الشغور. فهذا منطق الشغور نفسه.
٭ كاتب لبناني
وسام سعادة