كاهنة بهلول طامحة في أن تصبح أول إمرأة تؤم الصلاة في فرنسا

آدم جابر
حجم الخط
7

باريس-“القدس العربي”:”مسجد فاطمة” هو الاسم الذي اختاره أصحاب فكرة إنشاء أول مسجد في العاصمة الفرنسية باريس والذي ستتولى فيه الإمامة سيدة ويختلط فيه الرجال والنساء مع حرية وضعهن للحجاب من عدمه؛ في قطيعة جذرية مع الممارسة المُتّبعة في المساجد بفصل الرجال عن النساء. وهم يأملون في أن يرى مسجدهم النور في أقرب الآجال؛ رغم أن غالبية الحاضرين خلال اجتماع أقيم في وقت سابق حول تأسيس المسجد، رفضوا فكرة تعيين أئمة نساء، لأن الفكرة قد تقوض حسبهم فرص قبول المشروع لدى الغالبية العظمى من المسلمين، الذين يفترض أنهم الممول الأساسي له. وقد قوبلت هذه المبادرة بانتقادات واسعة داخل أوساط على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تساءل كثيرون عن الهدف الحقيقي من ورائها، خاصة أن المسلمين في هذا البلد يواجهون في الوقت الراهن تحديات أهم، يقول البعض إنه وجب التركيز عليها أكثر. كما أنها لاقت معارضة صارمة من غالبية المؤسسات التي تمثل المسلمين في فرنسا.

ومع ذلك فقد عبر أصحاب هذه المبادرة عن تصميمهم على المضيّ قُدماً في مشروعهم الذي يقولون إنه ليبرالي، يسعى إلى القطيعة مع الطرق التقليدية لممارسة الشعائر وفهم النصوص الدينية.

“القدس العربي” التقت صاحبة هذا المشروع كاهنة بهلول، وهي باحثة متخصصة في الدراسات الإسلامية – خاصة فكر ابن عربي – ورئيسة جمعية “حدثني عن الإسلام” وأجرت معها الحوار التالي حول أهداف مشروع “مسجد فاطمة” وأسباب توليها المفترض للإمامة فيه.

*لماذا “مسجد فاطمة”؟

**فكرة المشروع قدمتها صحبة زميلي فاكر كورشان، أستاذ الفلسفة ومؤسس جمعية “من أجل إحياء الفكر المعتزلي”؛ وذلك انطلاقاً من رفضنا للواقع الحالي للمساجد في فرنسا التي تعكس إسلاماً متزمتاً لا يقبل التأويل لقراءة النصوص التراثية.

وهناك تمييز كبير بحق المسلمات، بحيث لا يسمح لهن بالدخول إلى قاعات الصلاة الرئيسية ويجدن أنفسهن معزولات في قاعات ضيقة لا تصلح للصلاة. ضف على ذلك، أن العديد من المسلمين في فرنسا لا يجدون تناغما مع الخطاب الحالي المقدم في المساجد، والذي يقوم على الفكر التقليدي الذي عفا عليه الزمن.

فهؤلاء، وأنا من بينهم، سئموا من استمرار هذا الوضع الحالي وباتوا يريدون خطاباً جديداً لتوصيل الرسالة الدينية، بمنظور حداثي يتواكب مع ما وصل إليه البحث العلمي في مجالات العلوم الإنسانية والأنثروبولوجيا …إلخ.

وأريد أن أوضّح أن “مسجد فاطمة” ليس حكراً على النساء، والاختلاط داخله ليس عشوائياً. فهناك قواعد فيما يخص التنظيم في المسجد، إذ سيتم تخصيص جانب للرجال وآخر للنساء، لكنهم سيقفون في صف واحد داخل القاعة نفسها.

وللتذكير، في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام كان الرجال في الأمام والنساء في الخلف، لكن اليوم في المساجد في فرنسا مثلاً تغير الأمر وأصبحت النساء في قاعات منفصلة تماماً ومعزولة، وهو أمرٌ مرفوضٌ. قبل القدوم إلى فرنسا، ترعرعت في بلدي الأم الجزائر وكان الرجال والنساء يصلون في القاعة نفسها.

لكن للأسف، التعصب الفكري والديني الذي أصبح في تزايد في السنوات الأخيرة، هو الذي قاد إلى ما نحن عليه اليوم من تهميش للمرأة. والنظرة التقليدية المتزمتة التي تقول إن من الأحسن للمرأة الصلاة في بيتها، ما هي إلاّ وسيلة لإقصاء المرأة وإبقائها في البيت.

المُشكل اليوم أننا في بعض الأحيان ننسى المبادئ الأساسية التي ذكرها القرآن الكريم، ونركز أكثر على بعض القراءات التقليدية التي هي من منظور أبوي ولا تعطي للمرأة أي مكانة في المجال الديني. لكن اليوم، خاصة في فرنسا وأوروبا، هناك ردود فعل تطالب بنظرة حداثية لممارسة الطقوس الدينية.

*مسجدكم لا يسمح فقط بالاختلاط، ولكن أيضا تمتلك فيه المرأة حرية عدم ارتداء الحجاب؛ وأكثر من ذلك ستؤم الصلاة فيه إمرأة هي أنت، ألا ترون أن ذلك يشكل مغامرة كبيرة، خاصة عندما نتذكر ما حصل مع أمينية ودود في الولايات المتحدة؟

**فيما يخص الإمامة، سأتولاها أنا بالتناوب مع زميلي كورشان الذي يرأس جمعية “من أجل إحياء الفكر المعتزلي” وسنقوم بالشيء نفسه بخصوص خطبة الجمعة التي ستكون هي الأخرى بالتناوب. فهذا المسجد الذي نأمل أن يرى النّور قريباً يقوم على المساواة في كل شيء. ثم إن من الخطأ الاعتقاد أن إمامة المرأة مسألة جديدة في الإسلام.

فهناك حديث يُبيّن أن النبي صلى الله عليه وسلم عّين لإحدى نساء المسلمين من يؤذن لها ورخص لها بأن تؤم أهل دارها، وقد اختلف أهل العلم في تفسير هذا الحديث: هناك من يقول إن المقصود عائلتها، وهناك من يرى أنه لو اقتصر الأمر على أهل دارها، فلماذا اختار لها النبي عليه الصلاة والسلام مؤذناً؟

وأيضاً عندما نعود إلى مفهوم أهل دارها، فكلمة دار يمكن أن نفهما أن المقصود بها هي “الدويرة” أي الحي. ونحن نأخذ بالمفهوم الواسع لهذا الحديث. وفي تاريخ الإسلام هناك نساء اعتلين المنبر في عهد ابن تيمية.

الإسلام ليس مثل المسيحية حيث توجد سلطة دينية مركزية تحدد كل ما يتوجب أن تقوم به الكنائس. صحيح أن لدينا في الإسلام علماء ومؤسسات دينية تعتبر مرجعيات على غرار الأزهر، لكن الدين الإسلامي يشجع على الاجتهاد. كما أن هناك علاقة مباشرة بين العبد وخالقه. ومشروع “مسجد فاطمة” يندرج في إطار الاجتهاد.

*أين وصل مشروعكم وما هي أبرز التحديات التي تواجهكم؟

**ما زلنا في طور البحث عن قاعة للصلاة، والمشاورات وتطوير العلاقات مع المساجد، من أجل أن تصبح لدينا كلمة معترفا بها من قبل كل الجهات الرسمية حتى يكون لمذهبنا وهو “الإسلام اللبرالي” كلمته في فرنسا. نواجه أيضا تحدي التمويل، لأن “مسجد فاطمة” وخلافاً لغالبية المساجد في فرنسا، المُمولة من قبل جهات خارجية، لا يحظى بدعم أي جهة. سنعتمد فقط على تمويل مسلمي فرنسا من الرجال والنساء.

وليكن واضحاً للجميع أن هدفنا ليس إحداث صراع أو منافسة بين الرجال والنساء، بينما نهدف إلى الدخول في مفهوم آخر في العلاقات بين النساء والرجال المسلمين. نريد أن نذهب من منطلق أن العلاقة بين الرجال والنساء هي علاقة تكامل في جميع مجالات الحياة، بما في ذلك المجال الديني.

وهناك نقطة تركز عليها بعض وسائل الإعلام بشكل مبالغ فيه، بحيث أصبح يشار إلى مشروعنا وكأنه يركز على حماية حقوق المثليين وفتح قاعة لصلاتهم. أوضح بخصوص هذه النقطة أن مشروعنا يرحب بكل الناس والمصلين، والميول الجنسية هي مسألة شخصية.

صحيح أننا في خطوة لبرالية جديدة تكاملية بين الفكر الصوفي، تحديداً فكر ابن عربي الذي أنا متخصصة فيه، والفكر الاعتزالي الذي يحاول زميلي فاكر تجديده. لذلك لا يمكن أن ننتظرا دعماً من التقليديين، لا في فرنسا ولا في العالم الإسلامي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية