النارُ تؤهلُ، والجفاف يُربي، والمولودُ هو الرمال التي تتنبأ بنتيجةِ الرهان؛ تغيري يا اعتبارات: تتقلصُ منزلةُ الماءِ المرعوبِ درجات، يرتفعُ القلبُ فالرمالُ ذاتُ أشواقٍ. لننظرْ إلى الأشياءِ في تفانيها، وإلى العراءِ في كاملِ الجلال.. لِننظرْ ولنُدونْ: ثمة مسيرة للولع، وثمة وعودٌ في الصحراء.
لا يُراهنُ على الرمال
الطريقُ إليها مكروهٌ؛ صحراوي، عقيمٌ، يُقرَن إلى اللاشيء ويُقارَن به. ليس لديها أتباع. تستمد التشجيعَ من كينونة اليأس المُغيث لا غير. يأسٌ مُصْطَفَى ذو بنية خضراء، ذو مقاومة من دون تهليل أو إطراء. القارئ والناشر، الشهرة والمجد هم مشجعو الكاتب. القفر يُشجع الرمالَ. كتابة الرمال، أعظمُ جاهاً من كتابةِ المدينة، التي يُشجعها القارئ والناشر. للمدينة حواجزُ وموانعُ، طرقٌ وبناياتٌ، أحياناً يُصبِح كل من الناشر والقارئ مانعاً، عندما تتجه الكتابةُ إليه مباشرة. فينقلب المأمولُ إلى إعاقة. لا حواجزَ في كتابة الصبار:
تشجيع ذاتي لا متناهٍ، يُحاكي الجفافَ الشاسِعَ، سالباً من المطلق ذاتيتَه، يرسل المطلق إلى اللامشروط، وفي أضعف حالة، تخفيفه. أُريدَ للإنسان أن يعبدَ المطلق، فجاء الفن لكي يمنعَه عن ذلك. منذ الإنسانِ الأول، والأدبُ يحاول تنويعَ المطلق، فعندما صنع إلهاً، جعل منه آلهة، كما أن تاريخ الحضارات كله، جاء من شغل الأدب. يسود الأدبُ في كل شيء. وعليه، يجعل الأشياءَ اختياراً لا وقفاً. اللامتوقع، غيرُ الأكيد إلا في شكه. شكلُه في غيره، وفؤادُه من غيره، صنفُه في اللامشروط: ذلك ما نرجوه.
لا يوجدُ العدمُ مادياً مطلقاً، كما لا يوجدُ الفراغُ المادي. لا رمالَ مطلقة ولا اخضرارَ بالمطلق. ثمة مقارنات تؤدي عكس ما هو مطلوب منها، بمعنى اكتسابِ الصفةِ الفارقة، نتيجةً لوجودٍ مغاير في الطبيعة واللون والوظيفة، كأن تُقارنَ الحديقةَ بالصحراءِ والبللَ بالقحط. فتنتسبُ هكذا الصحراءُ إلى الحديقة، وهي تختلف عنها أصلًا، فتحوز المنزلتَيْن؛ الانتسابُ والاختلافُ، أما الحديقة فلها منزلةٌ فحسب. وعليه، تتمكن الصحراءُ من قلب التصوُر المعياري (الجفاف) لمصلحتها. بخلاف الماء والحديقة السعيدَيْن بكينونتهما الشابة ظاهرياً، الهرمة رمزياً. ألام يسعى الماءُ؟ إلى الماء نظيرِه طبعاً. بينما تسعى الرمالُ عند مقارنتِها بالحديقة إلى الشباب. يطمئِن الإنسانُ بسبب الدعةِ والراحةِ إلى الصفةِ الواضحة، نافِراً من الملتبسة، يعتبرها شبهة. وهكذا، يُهينُ الفراغَ والرمالَ والقفرَ في مقارناتِه. للماءِ مُشجعون، مناصرون، يجعلونه ممدوحاً راكداً. للمديح، طبقةٌ سميكةٌ، تحجبُ الصفةَ الشخصية. يُشهِر العراءُ وجودَه (مذموماً) ويُضمنُه الماءَ كرمزٍ، مستفيداً من المقارناتِ المنتسبةِ إلى البللِ والبحرِ والرعايةِ، فيُنافسُ الأصلَ، لا بل يتفوقُ عليه. يشتغلُ المديحُ مع التشجيعِ والمشجعين، يفرضُهم قسراً ولا يشتغل من دونهم مطلقاً، يضللون ويحجبون، إنهم عوائقُ تمنع تطويرَ بنياتها. ومحالٌ في الحالة هذه، إضافة صفاتٍ جديدة مكتسبة، غير صفات الأصل. هم المنافقون اجتماعياً، وليس إبداعياً، إذ يكون النفاقُ في الكتابة محبذاً أسوةً بالمُراءاتِ كتابة، قدر تعلق الأمر بالبنية الدرامية للكتابة، لا الأخلاقية. من النافع اعتمادُ الفجوة ثم تكبيرها ما بين مفهومَي النفاق كتابةً والنفاق الأخلاقي. الكتابةُ هي توسيعٌ للفجوة بينهما، لا ردمَها. عندما تحوزُ المفاهيمُ صفةَ كسرِ الثباتِ في عملِها، تصبحُ استعداداً كلياً للتخلص مِن الشروطِ والمقارناتِ المعياريةِ، فلا يُشيرُ الفراغُ عندئذٍ إلى العدم، كما يفقد الحضورُ تعاليه على الغياب.
لا يتعإلى الماءُ ممدوحاً، إلا بقدرِ سعيه إلى البلل، وليس بصفةِ الإرث. عيبٌ إبداعي واجتماعي، أن تتحركَ فضائلُ الماءِ باتجاه وصيةِ الأسلاف، وصية سلفية في عالم ينبذ السلفية. لماذا يُتغافل عن السلفية في الأدب والفن؟ يتعلق الأمرُ بمدحِ الحديقةِ وذم الرمال، والثناء على الماء بطريقةِ الحاكم والشعب. الإساءةُ إلى اللون الأصفرِ ربطاً بالقديم والمرض والشتيمة. نحن سلفيون في الصفات الممدوحة، سلفيون في المدح والذم. طوبى لِمَن يُسمي النهرَ نهراً نتيجة سعيه الذاتي، لا بسبب جريانه المقدر من سواه. أليست الرمالُ هي قدر ذاتها وفي استقلالٍ معنوي وجودي؟
مديحُ الماءِ أيديولوجي، يبتغي النتائجَ السريعةَ، مديحُ الوَجَباتِ السريعة: مقارناتٌ سريعة وبدائلُ سريعة، انتقالٌ لمرةٍ واحدة، ممنوعُ المرات، عاطفةٌ غوغائية شعبوية ذاتُ جمهورٍ واسعٍ من اللاءاتِ والانتماءات.
سلفيو المقارنات والتشبيهات
يغدو النهرُ مُماثِلاً للانتصار، والرِمال مُماثلة للهزيمة. تشبيهٌ عقائدي يتسِم بالمقارنةِ القدحية، قريباً من معنى الجمهور. يجولُ في أغلبيةِ المقارناتِ والتشبيهاتِ نزوعٌ إلى التعالي المفعمِ بالبطش، جيدٌ رديءٌ، جميلٌ قبيحٌ، لماذا تُجبَر اللغةُ على استعمالِ العنفِ بعيداً عن الرأفة؟ وهكذا، ينشأ التطرفُ، واللغة تؤهله وتُعَد له في الكتابةِ وفي الاستعمال اليومي. الرأفةُ في اللغة دليلٌ على التمدن وعلى الفصلِ بأن الكلماتِ، ليست سوى مفاهيم، وبأن اللسانَ ناقلٌ فحسب يجبُ تحريرُه من الضغينة والحسد والكره. يرثُ التفكيرُ السلفي المقارنة من الآباء، فيتعود تلبية طلباتِهم بلا تدقيق أو اعتراضات. وهو تفكيرٌ مريحٌ لذاتِه وللجماهير.
الأفظعُ هو، تواطؤ الحداثة مع تفكير خطي كهذا. ما يعني أن حداثتَنا العربية هي محضُ كلمات، وليست حداثة مفاهيم. «لغةٌ جديدةٌ داخلَ ميتافيزيقيا تقليدية» حسبِ هيدغر، لذا، لم تُسهِم بانقلابات، إلا من ناحية الكلمات والبلاغة. حداثةٌ فقهيةٌ متنوِرة بقدر ما يسمحُ الدين بالتشكيك باليقينيات والوجود. لم تُسفِر سوى عن التسويات الرسمية، وجُل أدبِها يُحصنُ المركزية، قائِلاً، مُرحباً بالنص القائدِ والكاتبِ القائد. هذا عملُ الدولة والمؤسسات، لا عملَ الفكر والأدب. لا تبحثُ العقائدُ عن الصورةِ الحميمة، وإنْ بحثتْ عنها افتراضاً، فهي تريدُها «طِبق الأصل» فالنهرُ مطابقٌ للماء، والصحراءُ مطابقةٌ للحرمان، والمكافأةُ مطابقةٌ للآلهة. سيتوقف الإنسانُ لا محالةَ من البحثِ عن الأرضي في السماوي وبالعكس، وهذا «الآن» فرصة لنا للتغلبِ على الآلهة، على المشروط المتعالي. هذا «الآن» غيرُ مسموحٍ به لاحقاً، ونحن غيرُ مسموحٍ بنا. قانونُنا غيرُ قانوني.
تنظر المؤسسةُ إلى النهر على صورةِ القائدِ والمبشر، في هالةٍ من الظفَرِ والتمكين، بينما تنفرُ من الرمال، محذرةً من طُرُقِها، في ازدراءٍ شاملٍ للشيءٍ ولسالكيه والوسيلة المؤدية إليه. وبالمقابل، يُلحَق كل شيءٍ مفاضلةً ومقارنةً بالماضي؛ مفهوماً ولغة. مقارنة الحديقة بالرمال ماضوية سلفية، تتمركز على الوصيةِ والإرث بلا أي اعتبار للجهد المضمر والخفي في كينونة الرمال. ينجذبُ الأدبُ الملعون فقط إلى القحط، جاعلاً منه كتاباً هجيناً ينتسب إليه، ألا يعني الأدبُ، هو التنقيبُ عن الانسحاقِ في الوسطِ الصحراوي وجعله ماء؟ هو المقاومةُ غيرُ الأيديولوجية التي تُطوِرُ مفاهيمَ الصراع سلمياً، متجهة إلى تبني ثقافةِ الاحتواء عِوَضَ المقاومة، التي تُكلف الدمَ والدمار. لا تقاومُ الرمالُ الجفافَ، إنِما تسعى إلى احتوائِه. مفهومُ الاحتواءِ أشملُ وأكثرُ سلميةً من المقاومة، تشملُ آليتُه مفهومَ المقاومةِ والتكيفِ بنيوياً. الاحتواءُ تطورٌ بيولوجي وإبداعي، بمنزلةِ القانون. غير أن الأيديولوجيا الباحثة عن المعاني الرنانة، تُناصِبُ مفهومَ الاحتواءِ العداء، لأنه لا يفي بأغراضِها في إشاعةِ العواطف الغوغائية أساس المفاضلة والمقارنة. أي الحماسة الجماهيرية السلفية الناطقة باسم الماضي، ناظرة إلى الرمال من بابِ القحطِ والعقم. نظرُ أجدادٍ لا سواه. عقليةُ أنسابٍ تبحث عن صحة السندِ والنسبِ القبلي في النصوص. الحكمُ على موت الرمال، فيه الكثيرُ من القبلية والسلطة، لجهة انضواء القِيَم والأحكام تحت مِظلةٍ مركزيةٍ متوارثة: الحديقة= الخضرة، الرمال= الموت.
يا أسلحة، التحقي بالشموع، التحقي بالأبناء:
كتابةُ الصبار، هي كتابةُ الاحتواء، لا كتابة المقاومة العقائدية. كتابةُ الجفاف الحاجب للماء والمحجوب فيه، كتابةُ الأخضرِ في بنيةٍ رماديةٍ قاحلة، كتابة الأبناء. يكره المرءُ الحُجُبَ، يكلفه التدقيقَ والتفكير. الصفاتُ الظاهريةُ مثلُ صفاتِ الحديقةِ والنهرِ مريحةٌ من جانبين، الأول: سهلة الاستيعاب، مرنة القبول كجريان النهر. صفاتٌ آمنة، ليس فيها مخاطرُ التأويل والتخاصم المفاهيمي. الثاني: صفاتٌ متداوَلة عرفياً وثقافياً، وهي وفيةٌ للأجدادِ وللقبيلة. كما فيها إمكانية شاسعة لمفهوم الانتصار، إذ تتغلب الحديقةُ من دون عناء على الرمال مقارنِةً ومفاضِلة. تفكيرُ الغلبةِ شائعٌ ومحبوبٌ من قِبَل القِيَم، ومِنَ الجماهير، التي تريد أن ترى نفسَها منتصرةً دائماً. أليس العقلُ العربي، (نتيجة عظمة التراث) يكتسبُ يومياً شعورَ الظفر والمِنة؟ شعورٌ فيه راحةٌ وإطراءٌ ودِعَة. القولُ بإيجابيةِ الماءِ نتيجة بللِهِ ونداوتِه وما يُثيرُ مِن مشاعرِ السعادةِ في نفسِ الناظر إليه، وإنكار إيجابية الرمال، هو حكمٌ آخروي، فيه صورةُ الفردوسِ السماوية المفقودة على الأرض. حُكْمٌ ديني ذو مفاضلاتٍ ومقارناتٍ مباشرة، ذات فعالية سحرية سريعة، تُستعادُ فيها الجنةُ المفقودة، نسخة من صورةِ النهرِ البهية. ثمة إلحاحٌ لتوطينِ الخيانة، عند مخالفةِ ذاك التصور، في نزوعٍ ديني وِقائي يمنع شعورَ الاعترافِ بوجودِ الرمالِ بهيئةٍ خضراء. فالجنة خضراءُ لا محالة. ولونُ الإيمانِ أخضرُ، مجزٍ، متحقق، تنعدم فيه الاستحالة.
صفة الرمال دينياً
عجزها عن مطابقةِ الجنةِ الخضراءِ أولاً. احتواءُ الرمالِ على صفات العجزِ والعقمِ والقفرِ مكانياً وإنسانياً ثانياً، ما يمنعُ الرمال من أن تكونَ صفةً سماويةً مستعادةً إلا من طرفِ الأدبِ المنكود: يستوي فيه الفقدانُ والشمسُ، والتعويضُ فيه يُقابِلُ الخسارةَ، تعويضٌ مستمر بحري، فلا يُعَوَض إلا الخاسرُ. لا فائدةَ من تعويضِ التعويض.
لا عودةَ لنا إلا في صورةِ الجنة معكوسة.
التعويضُ في سلسلةِ خسارةٍ واكتساب. خسارةُ الماءِ في حالةِ الرمال، معوضَة في شكلِ الصحراءِ اللامتناهي. تعويضُ شكلِ ومعنى، يتجلى في مقاومةِ الموت والإتيان بشكلٍ جديدٍ إلى الحياة، ترفضه الأيديولوجيا، التي تتوخى الأشكالَ ذاتَ النتائجِ المباشرة المألوفة. فتربط المقاومة عن وعي بالأسلحةِ من المدافع والسيوف والرماح. أشكالٌ سهلةُ التصور، لها صفةُ الأنسابِ والعرق والقبيلة. أما، شكلُ الحياةِ الجديد، فهو باطني، رقيقٌ مرفوضٌ من قِبَل أدواتِ المقاومةِ العلنية، يحتاج إلى ذهنية جديدة تنادي به، كتابة مقاومة من دون حرب. كتابةُ النهر على أنه إيجابي بسببِ شكلِهِ كنهرٍ، هي كتابة العقائد. كتابةُ الرمال الشابة: شكلٌ جديدٌ حي، يتفرعُ حسياً وباطنياَ، يجذبُ مقاومي الحرب، مناصري الاحتواء.
الصبارُ والغريب: رمال اجتماعية ونفسية
للغريبِ ديمومةٌ ذاتيةٌ بتشجيعٍ شخصي، يُفارِقُ السياجَ ويُناهضه شكلاً ومعنى. من يدعي الأصالةَ يتبنى السياجَ في تجلياتِه كلها، واحدةٌ منها دعمُ السلطة. يشتغلُ الغريبُ بآلية، فيدوم ويتفرعُ غربةً شكليةً واجتماعية؛ احتواءٌ، والصبرُ على الاحتواءِ وعلى نفسِه، انتظارٌ، والسهر عليه. انتظارٌ، تكرهه العقائدُ، لذا فهي تكره الغرباءَ شكلاً ووجوداً. تتجاوز الرمال معنى القنوطِ والعقم، كالغريبِ، تسبقُ فائدتُه الخوفَ منه. يبدو شكلُ الغريبِ هلامياً بفعلِ وجودِهِ اليومي غيرِ المضمونِ، على الرغم من استعارتِه أشكالاً حرباوية، ليس بالمعنى القيمي، بل الوظيفي التكيفي. يدومُ الغريبُ كالادخار… يدومُ كهدفٍ لا بد منه، كتبادلٍ، كالكرم، يدوم كالمتورط.
السياجُ واحدٌ وإن تعددتْ أشكالُه، الشرطُ الأهم في اعتبارِه سياجاً للمحاسن أو للمساوئ هو بناؤه ونوعيةُ الحماية المطلوبة منه. هل هي حمايةٌ أمنية فقط، أم حمايةٌ عامة، تشمل رعايةَ الذوق والمعتقدات والملابس والحوار؟ دائماً ثمة شيءٌ ما، مطلوبٌ من السياج، ودائماً يُلبي السياجُ المطلوبَ منه، حتى إن تهدم لسببٍ ما، فإن تلك الإزالة، قد طُلِبَت منه، بينما في حال الغريب، ليس ثمة طلبٌ ولا التماسٌ ولا رجاءٌ منه، وهو غيرُ مطلوبٍ البتة، سوى من نفسِه ومن أقرانِه؛ من العراءِ والنارِ ومن الحظورِ المحظور. إلى متى تظل يدُكَ غيرَ قانونية؟ حزنٌ في ساعاتِكَ، مسموحٌ لكَ بالتفاقم كالفجوات، وغيرُ مسموعٍ، وكل ذلك، يتكاثر أمامَك كالثروة الحرام.
تبتغي الدولةُ الحمايةَ الأمنية من وجودِ السياج، فتهتم بمادة بنائِهِ. يُنظَرُ إلى الغريب، على أنه تهديدٌ، والاحتراس منه واجبٌ. وهكذا يتعادلُ وجودُ الغريبِ مع السياج الأمني في نظر السلطة. يُبنى السياجُ، أينما يكونُ الغريبُ. غريبُنا، سيكون غريباً تماماً، غريب كتابة، هجرةٌ بمعنى نزوحٍ في طبقاتٍ للجغرافيا وللمعرفةِ وللشكل. سر ديمومتِه وأمنه الخاص في طبقاتِه، طبقاتُ الرمال، واحدةٌ منها؛ فثمة طبقة للقحط، وأخرى للخصب وهكذا…
أفولٌ محبوبٌ وذو مسؤولية، يعرفُ مدى نفوره، المتكيفُ كالقفلِ في السراح، وكالمفتاح في الغلق، مقترحاً ذم المفتاح، الذي لم يذم قط. شبيهٌ بالجاذبية. هل هو آثارٌ؟ هل هو المستقيلُ من البيت ومن امرأته حتى؟ أهو ردةُ فعلٍ على نفسِه فحسب؟ كثيرٌ وتكفله الأدغالُ ورعاتُهها، فتغلِبُ عليه رمالٌ ذاتُ كرامة. نعرفُ أن وجودَهُ عسيرٌ، لكننا نُحبه ونترقبُه.
كاتب عراقي