«في باريس فقط توجد المقاهي الشرقية الحقيقية». (جيرار دي نيرفال).
«إن أعظم رغبات السادة الذين يزورون مصر دائماً هي الراقصة. إذا قمنا بعمل استفتاء فإن أغلبهم سيفضلون هذه الراقصة على الأهرامات، إذا لم يفضلوها على النيل ذاته. حتى الأكثر ورعاً وأخلاقاً، الأكبر سناً وأشد برودة، لا يمكنهم مقاومة هذا الإغراء». (تشارلز ليلاند).
منذ صدور كتاب «الاستشراق» عام 1978 لأدوارد سعيد (1935 ــ 2003)، لم تنضب الدراسات التي تناولت فكرة الشرق من وجهة النظر الغربية، ورغم تفاوت هذه الدراسات، ومدى اتفاقها أو اختلافها، مع ما طرحه أدوارد سعيد، الذي لاقت أطروحته الكثير من الانتقادات مؤخراً، حتى وصل الأمر للقول بأنها لا تعد دراسة استشراقية قام بها أحد المستشرقين الغربيين، اللهم هذه المرّة تحت اسم عربي، أو صوت ينتمي ـ شكلاً ـ إلى المغلوب على أمره دوماً، ألا وهو الشرق. ثم جاءت دراسات ما بعد الكولونيالية، خاصة (النسوية)، التي حاولت بدورها تفكيك الخطاب الاستشراقي من وجهة نظر الجندر، ورغم تناول عدة مظاهر تبدو من خلالها الصيغ الاستشراقية التي لونت الشرق بها، إلا أن (الجسد) الأنثوي بالأساس كان أهم هذه المظاهر.
من هذه الوجهة يأتي كتاب «الإمبريالية والهِشِّك بشِّك.. تاريخ الرقص الشرقي» للباحثة شذى يحيى، الصادر هذا العام عن دار ابن رشد للنشر والتوزيع، حيث تحاول الباحثة متخذة من فعل الرقص الشرقي تكوين وجهة نظر الشرق عن نفسه، من خلال نظرة المستشرقين أنفسهم، الذين أسسوا لدونية المرأة الشرقية، وأنها مكمن الرغبات الشريرة، والرمز الأسطوري للإفساد والإغواء الدائمين.
هشك بشك
توضح الباحثة بداية المقصود بالمصطلح، وأنه ينقسم إلى كلمتين.. (هِشِّك) بمعنى الهَز، و(بشِّك) بمعنى السريع، والمقصود هنا المرأة التي تهز وسطها في سرعة. أما تعريف الرقص الشرقي، فتتخيّر الباحثة، ومن خلال عدة تعريفات، تعريف الأمريكيين أنتوني شاي وباربرا يونج، وتراه التعريف الأشمل، فالرقص الشرقي.. «عبارة عن منظومة من الرقصات يعود منشؤها في الأساس لشمال افريقيا والشرق الأوسط، ولها جذور وأصول في وسط آسيا، وتم تهجينها وتطويرها في الولايات المتحدة وأماكن أخرى من العالم، وأصبحت جزءاً من الأداءات الراقصة الخاصة والعامة في القرى والمدن، والحواضر والمجتمعات المدنية، والملاهي والمسارح، والإنترنت على مستوى العالم». كما تفرّق ما بين (الغوازي) وهن راقصات الشوارع والموالد، وهن لسن بمصريات، بل غازيات من بلاد متفرقة، و(العوالم) وهن محترفات الرقص عن علم، وكُن يرقصن لحريم الأسر الميسورة، وبالتالي فالمستشرقون لم يشاهدوا سوى رقص الغوازي الفاحش بطبعه. وعليه تم بناء تصوّر شامل للشرق والمرأة الشرقية.
الكتاب المقدس والليالي العربية
يبدو أن فكرة النساء الشرقيات كمغويات، جاءت قبل التماس الفعلي للغرب مع الشرق، والمتمثل في قدوم الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798، التي تأصلت بعد هذا التاريخ. تذكر الباحثة أن الغربيين اكتسبوا فكرتهم الذهنية الأساسية عن الشرق من مصدرين أساسيين، أولهما «الكتاب المقدس»، الذي احتوى قصة سالومي الراقصة، كذلك «ألف ليلة وليلة»، أو الليالي العربية، حيث الراقصات والجواري والحريم، التي كانت أول ترجمة لها في عام 1707. والكتاب الأخير هو الذي بنى الشرق في المخيلة الغربية، إضافة إلى روايات وأساطير الأدباء والرحالة وأعمال الفنانين… ونستطيع بكل ثقة القول بأن فلوبير وجيروم هما الأبوان الحقيقيان لإبداع بايرون وديلاكروا، وليس ما رآه هؤلاء في الشرق. حتى أن الراقصة والممثلة الأمريكية (لوي فوللر 1862 ــ 1928) قدمت استعراضها الأول على مسارح نيويورك عام 1885 تحت مُسمى (الليالي العربية) متضمناً 14 اسكتشا راقصا مستوحى من الرقص الشرقي، بدون أن تنسى تضمينه رقصة سالومي والغلالات السبع الشهيرة.
يبدو أن فكرة النساء الشرقيات كمغويات، جاءت قبل التماس الفعلي للغرب مع الشرق، والمتمثل في قدوم الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798، التي تأصلت بعد هذا التاريخ.
المرأة/الشرق
«لم يفكر أحد يوماً أن هذه المهنة كانت ــ ولفترة طويلة ــ بمثابة الجسر الثقافي للتبادل المعرفي بين الشرق والغرب، وأن الراقصات كنّ ـ يوماً ما ـ هن التمثيل المرئي الوحيد للمرأة الشرقية في الذهن الغربي، لأنهن النساء الوحيدات اللائي كان مسموحاً للغربي برؤيتهن في بدايات القرن التاسع عشر، وأن الأثر الذي أحدثه هذا التمثيل ما زال باقياً في الثقافة والوجدان الشعبي حتى يومنا هذا».
ونظراً لتفوق الرجل الغربي، صاحب النظرة العقلية والأخلاق المسيحية المستقيمة، مثّل الرقص الشرقي الحالة الوحيدة التي حاكى فيها الشرق الرؤية التي اخترعها المستشرق، ثم جاء القرن التاسع عشر ليصبح الشرق ساحة للإباحية المطلقة والقمع السياسي. فكان هذا الجسد الأنثوي، سواء يعلوه حجاب، فتنتظر صاحبته سيدها ليعطف عليها ويرضي رغباتها، أو ملابس راقصة، متعرية بمعنى أدق مرحبة بأي غريب. هذا الجسد أصبح يمثل في الذهنية الغربية كل ما هو متخلف وهمجي، وغير مواكب لمسيرة تقدم البشرية ـ كان أدوارد سعيد يطلق دوماً مصطلح تأنيث الشرق ـ إلا أن هذه النظرة نفسها انتقلت إلى الشرق العربي، وقد دفعت بالكتّاب والمفكرين العرب بالدفاع عن أنفسهم ضد هذه النظرة النمطية، بالتبرؤ من الرقص باعتباره من مظاهر العيب والتخلف، وأسباب التأخر الذي ينبغي التخلص منه. وتعقد الباحثة مفارقة لافتة.. ففي عهد محمد علي، عينت الحكومة المصرية المسيو إميل لوبير المدير السابق لأوبرا باريس، مديرا للمهرجانات والملاهي، في الوقت نفسه صدر قرار بنفي الراقصات الشرقيات إلى إسنا ـ في محافظة قنا ـ عام 1834. ووصولاً إلى القرن العشرين لم يتغير الأمر كثيراً، فنظرة بعض المثقفين العرب للرقص الشرقي، من حيث كونه نابعاً من الحريم والرق، هي رؤية استشراقية سوّقتها الإمبريالية للشرق وليس العكس.
الست تحية
كانت بدوية محمد كريم (تحية كاريوكا 1915 ــ 1999) حالة الاستثناء طوال تاريخ الرقص الشرقي، من حيث النظرة الدونية للراقصة، وأفعالها الشيطانية. واشتهر أدوارد سعيد بالحديث عن كاريوكا أو «الست تحية»، لكن سبقه كثيرون، كان لهم رأي انتقادي حاد في الرقص الشرقي وصاحباته، منهم سلامة موسى (1887 ــ 1958)، الذي قال إن.. تحية كاريوكا هي الوحيدة التي غيّرت وجهة نظري في الرقص الشرقي، وجعلتني ألقبه بالاحترام». أما أدوارد سعيد ــ ورغم نغمة الإنصاف، كما في منظومته الفكرية ـ فقد أنصف كاريوكا، كما أنصف الشرق من وصمتي الإباحية الغربية والدونية الشرقية. ولكن.. هل كان خطاباً مُنصفاً بالفعل، أم أنه أيضاً غير واع ، ضمن خطاب الرجل الأبيض، الذي يريد سعيد الانتساب إليه بشتى الطرق، بدون أن يدري؟
تستعين شذى يحيى برأي الباحثة فاليري كينيدي في كتابها «أدوارد سعيد. مقدمة نقدية» (المركز القومي للترجمة 2017) أن سعيد يعرض كاريوكا في دراساته الثلاث بمفردات مقسمة كشخص تزوج عدة مرّات، ولكنها الآن امرأة مُسنة موقرة، إلا أن تحية أيضاً رمز لكل ما لا يمكن السيطرة عليه، وغير محكوم وغير مُستقطب في ثقافتها، ولأجل طاقات كهذه فعمل العالمة الراقصة والممثلة فريدة عصرها كان قراراً مثالياً. ترى كينيدي أن تجزئة كاريوكا إلى امرأة مطيعة وورعة من جهة، ورمز للجنس من جهة أخرى، عكس النظرة التقليدية والنمطية العميقة للنساء، وعلى الأخص الشرقيات. ففي أطروحاته الثلاث، يمثل سعيد صوت المركز الغربي القوي، بل صوت السلطة الذكورية العلمية. وحتى إن استطاعت الست تحية أن تكسر نمطية الراقصة من وجهة النظر الشرقية إلى حد ما، فإنها لم تستطع ذلك على مستوى الغرب. فالنظرة الاستشراقية المشينة للراقصة، التي تقرنها بالتخلف والهمجية والبدائية، ما زالت هي تماماً كما كتب عنها الرحالة الأوائل الذين أتوا مصر، وحتى يومنا هذا.