في مسيرته المهنية الطويلة التي ابتدأت مطلع سبعينيات القرن الماضي، وتنقل في دروبها منفيا بين بغداد واليمن وبيروت ودمشق، يختزن الكاتب عامر القيسي في ثنايا تجربته الصحافية، ذخيرة من التقنيّات الذاتية، التي يستعين بها لتفكيك الواقع عبر قراءة، لها وقعها الخاص على المتلقي، لأنه غالبا ما يعتمد في سردياته التي يتصدى بها للواقع السياسي على ما قد جمعه من نكات أنتجتها المخيلة المجتمعية.
ودائما ما كان لديه حرص شديد على أن يكون رهانه في السَّرد مُصاغا بلمسةٍ ساخرةٍ، وفق قالب فني يتسم بالحيوية والإيجاز، يَمدَّ من خلاله خيطا شفيفا يجمعه مع القارئ لأجل أن يرسم على وجهه ابتسامة، وهو يتابع نقده اللاذع للواقع، وهذا ما تجسد بشكل واضح في كتابه الموسوم «السردية الساخرة في مواجهة الاستبداد.. عِراقان ما قبل وبعد 2003 إنموذجا) وقد صدر الكتاب هذا العام 2020 عن منشورات زين الحقوقية في بيروت.
جحا وشارلي شابلن والقيسي
لاغرابة اذن عندما يُهدي كتابه لشخصيتين ساخرتين تنتميان إلى ثقافتين مختلفتين وعصرين متباعدين هما «جحا وشارلي شابلن» وما كان لهما أن يلتقيا عند القيسي إلاّ لانَّه يجد أن رؤيته للأحداث العامة، تلتقي من حيث الأسلوب الساخر مع ما كان عليه الاثنان من ظرافة، وعفوية وبساطة، وبما خلّفاه من أثر عميق في الوجدان والذاكرة، ورغم تقدم الزمن، وما شهده من متغيرات، إلاّ أن جذوة تأثير سخريتهما لم تنطفئ، فشخصية «جحا» الخيالية صنعتها مخيلة جمعية في الثقافة الشعبية العربية، وشابلن بات رمزا عالميا؟، بعد أن ابتكر شخصية الفرد البسيط بشكله الخارجي المميز والمعبأ من الداخل بالإنسانية، وتمكن من أن يشحن هذه الشخصية بكل ماكان يمتلكه من قدرة فذة على صنع المفارقة المشهدية، فنجح بذكائه وموهبته في أن يعبر وبسخرية يُحسدُ عليها عن الإحساس بالتهميش والقهر، الذي يعاني منه الإنسان البسيط، وعامرالقيسي يجد نفسه أقرب في أسلوبه إلى هاتين الشخصيتين، وهو يمارس دوره النقدي من خلال الكتابة، عندما يتصدى لتطورات الأحداث التي تعصف بالمشهد العراقي، وهذا ما نصَّ عليه إصداره الجديد.
الاقتراب من الممنوع
في توطئة الكتاب، وقبل أن يُدخلنا إلى عالمه الساخر وهو يطل على مشهد عام، يؤكد القيسي على أن أسوأ العروض الفكرية والسياسية، تلك التي تصنف شعبا من الشعوب بـ«الشعب النائم»، ولم يحدثنا التاريخ قديمه وحديثه عن شعوب نائمة على ضيمها وظلمها من سلطات الاستبداد، ثم يضيف معلقا على الزمن الذي حلَّ على العراقيين بعد عام 2003، واصفا إياه بتنوع سلطات القمع التي تعاقبت عليه، واتخذت أشكالا غريبة، وقد عارض العراقيون هذا الاستبداد، الذي دخل في بعض جوانبه في خانة المقدس، بالنكتة والسردية الساخرة واحتجاجاتٍ متواصلة كانت تحت عنوان «جمعة وره جمعة «،وإلى أن تأتي اللحظة الفاصلة بين المستبد والمسحوق، سيكون للتاريخ كلام آخر.
توزَّع الكتاب على قسمين حسب الفترة الزمنية التي تناولها، فالقسم الأول بفصوله السبعة وقف عند المرحلة التي سبقت عام 2003 ، أما القسم الثاني بفصوله السبعة أيضا فقد تتبع الأحداث بعد دخول الاحتلال الأمريكي إلى العراق، وما نتج عن ذلك من عواصف سحقت بنية المجتمع العراقي.
شرُّ البلية ما يضُحك
كلمة التقديم لهذا الإصدار كتبها الشاعر نبيل ياسين وابتدأها بالمثل الشائع «شر البَليّة ما يضحك» ملخِّصا فيها فكرة ومحتوى الكتاب، ثم يطرح سؤالا بالنيابة عن القراء في ما إذا كانت النكتة تنسجم مع الظروف الكارثية التي يعيش فيها العراقيون منذ قرابة نصف قرن، حين بدأت السلطة تنسج شبكة قمعٍ صارمة حتى ضد الهَمس، ذلك الهَمسُ الذي تعيش فيه النكتة وتعبر عن المحظور؟
يؤكد نبيل ياسين على أن القيسي لديه مهمة رئيسة في هذا الإصدار، تتمثل في إسعاد قُرَّائه ويتَأتَّى له ذلك بالحزن الذي يتحرر عبر إيراده للسخرية التي تؤذي الحاكم، وتنفِّسُ عن كبت تحرِّرهُ النكتة، لتنطلق معلنة عمَّا يمتلكه المظلوم من حيلة لتوريط الظالم، فالسخرية من وجهة نظره بمثابة سهام قد تنغرز بظهره في أي لحظة. ويشير ياسين إلى أن القيسي يجمع تراثا شعبيا من النكات على مدى سنين طويلة، ولكي ينوّع تراثه، فقد أشرك به عددا كبيرا من المصادر البشرية العراقية الحية، ومن مختلف الفئات والمناطق، فقد تكون النكتة وطنية تنتشر في بيوت البصرة والموصل معا مرورا ببغداد، حيث تدخل وتنوس حول جدران الحاكم، وقد تكون مناطقية تصدر من مكان إلى مكان آخر لتكتسب وطنيتها عند العراقيين.
سخرية جورج أورويل
توزَّع الكتاب على قسمين حسب الفترة الزمنية التي تناولها، فالقسم الأول بفصوله السبعة وقف عند المرحلة التي سبقت عام 2003 ، أما القسم الثاني بفصوله السبعة أيضا فقد تتبع الأحداث بعد دخول الاحتلال الأمريكي إلى العراق، وما نتج عن ذلك من عواصف سحقت بنية المجتمع العراقي. وفي مفتتح الفصل الأول يطرح القيسي سؤالاً جوهريا يتعلق بأسلوبه الساخر في سرد الأحداث: «هل أن النكتة صناعة مطابخ سياسية أم مخيال شعبي؟ وقبل أن يدخل في موضع الإجابة يستعين بكلمة للروائي البريطاني الساخر جورج أورويل: «كل نكتة صغيرة هي ثورة تدمِّرُ العظمة، وتُسقط العظماء عن كراسيهم، إنها ثورة تضحكنا كثيرا، لاسيما عندما تكون سقطتهم مدوية».
فالنكتة من وجهة نظر القيسي من الممكن أن تكون نتاج عقل شعبي مميز بمخيال فطري واسع وعميق، يطرح الواقع المتعدد، بقصص ساخرة ولغة مكثفة وعالية التأثير، أو قد تكون نتاج مطابخ قوى غير معلومة، تعمل على الرصد والتحليل، ومن ثم إنتاج وتسويق النكتة خدمة لأهدافها الخاصة، ومثل هذه النكات في الغالب ما هي إلاَّ رسائل سياسية ذات أهداف محددة.
النَّكتة عند الفلاسفة والعلماء
ولأجل الإحاطة بكل ما يتعلق بمفهوم النُّكتة، يسرد لنا معلومات متنوعة استقاها من مصادر مختلفة، من علم النفس والطبيعة والفلسفة، وعلم الاجتماع والعلوم السياسية، فمن حيث اللغة، تعني النُّكتة: حزُّ الأرض، أو ضربها بعودٍ، أو عصا، وإحداث أثرٍ فيها، أو هي النقطة السوداء، مثل الوسخ في المرآة أو العين، أو الضربة أو الطعنة أو إلقاء الرجل في الأرض على رأسه. وهناك طائر كبير يسمى»النكَّات» وأطلق عليه هذا الاسم لأنه «ينكت» أي يضرب بمنقاره الطويل في الطين بحثا عن الديدان. وفي ميدان علم النفس يعرفها العالم سيغموند فرويد بأنها «في منزلة الآلية النفسية الدفاعية لمواجهة العالم الخارجي المهدد للذات»، بينما يعرفها الفيلسوف الألماني أيمانويل كانط على أنها «حالة من التوقع الشديد الذي يتبدد فجأة فيفضي إلى لا شيء»، ويراها الفيلسوف شوبنهاور «محاولة لإثارة الضحك على نحو قصدي، من خلال إحداث التفاوت بين تصورات الناس والواقع المُدرَك». أما عمار يزلي أستاذ علم الاجتماع في جامعة وهران في الجزائر فيعرف النكتة بأنها الشكل الفني للسخرية، ويعدها أحد أهم أشكال المقاومة الثقافية في مجتمع يعاني من الاحتقان والضغط بكل أشكاله. وأستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة مظهر عبد اللطيف، يعلق حول مفهوم النكتة ومصادرها، فيرى أنها تختلف تبعا لتعدد غاياتها ومقاصدها، وإلى جانب ابتداعها بشكل طبيعي بين الناس، هناك ما يكون منها وافدا من مناطق قريبة أو مجاورة أو مأخوذا من فترات سابقة، وقد أعيدت صياغتها بأسلوب جديد يناسب الموقف المطلوب، والأحداث المستجدة ذات الصلة المباشرة بحياة المجتمع. ويضيف أن ثمة مراكز خفية لإنتاج النكتة، ولاسيما السياسية منها، حيث تتعمد بعض السلطات إشاعتها لتفعل فعلها في المزاج الشعبي العام. أما الكاتب أنيس فريحة فيراها محاولة لتحويل الألم والكبت إلى نوع من التعبير الذي يخفف من وطأة البؤس. كما يعلق أيضا على مفهوم النكتة طلال عتريس أستاذ علم النفس الاجتماعي في الجامعة اللبنانية، ويجدها سردا مبالغا به لفكرة أو ظاهرة وتعبيرا عن تناقضات وأحداث غير متوقعة، بحيث ينطلق السرد من الواقع ويحلق نحو مكان غير مألوف بصيغته المضخمة. بينما يعتبر قاسم حسين صالح أستاذ العلوم النفسية النكتة بمثابة جملة مصاغة بخفة دم ومكر عميق، وكوميديا سوداء تجعلك تضحك وتستلقي على ظهرك ثم تتركك تفكر بعمق.
صنف مريح وآخر عدواني
يقدم لنا الكتاب تصورا شاملا عن أصناف النكات، منها صنف نظيف مريح يحمل سخرية محببة، إزاء موقف أو شخص أو نقد لظاهرة اجتماعية أو سياسية أو دينية، وصنف آخر يتضمن دوافع عدوانية من قبيل التشفي والشماتة، وتحقير الآخر والسخرية أو الاستهزاء بدين أو معتقد أو طائفة، وقد يصل الأمر حتى على أساس مناطقي، وصنف آخر خاص بالرجال وآخر خاص بالنساء، ولاسيما تلك التي يتداولونها في الحمَّامات.
أما عن أنجح أنواع النكت، فيؤكد القيسي على أنها يجب أن تتكون من جملة قصيرة محمَّلة بمعنى مكثف، يحمل غرابة أو سخرية تثير لدى السامع ضحكة تلقائية، ورغم تنوعها فإنها عادة ما تبدأ بصيغة واحدة (في واحد أسكتلندي) أو (في واحد صعيدي)… وهكذا.
كما يذكر القيسي أن للنكتة أهدافا مختلفة، منها ما يقصد به تقويم الاعوجاج ونشر الفضيلة وتخفيف حدة الحقد والعداء، وأخرى تسيء إلى قيم أخلاقية ودينية، وبعضها عنصري، وفي كل الأحوال يجدها جميعها دالة على العقل الجمعي، لمجتمع بكامله أو لمكون اجتماعي، ومن خلالها نستطيع أن نعرف مكنوناته وهمومه وثقافته واخلاقه، بوصفها منشورا غير مدوَّن يحكي ما جرى في حياته، وما قد يقع من أحداث.
صوت من لا صوت له
وبعد أن يقدم للقارئ هذا الفيض من المعلومات التمهيدية، يصل بنا إلى عالم النكتة السياسية، ووظائفها التي تبدو أشد تعقيدا من جميع مجالات النكتة، التي تشمل كل مفاصل الحياة، وأبرز ما تنفرد به النكتة السياسية، ما يترتب عليها من عقوبات، إذا ما افتضح أمر قائلها، ولربما تصل العقوبة إلى الإعدام ، خاصة في الأنظمة الشمولية، التي عادة ما تُحكَمُ شعوبها بالقهر والاستبداد.
وتحت عنوان «النكتة السياسية سلاح من لا صوت له» يمضي في تعريفها، فهي من وجهة نظره مؤسسة إعلامية شعبية معارضة لا مالك لها حصريا ولا ممول، تنهض بواجبها في مواجهة الاستبداد والديكتاتوريات، بطريقة مذهلة واحترافية ومؤثرة، بالشكل الذي تصبح فيه قادرة على خلق رأي عام سري بالضد من توجهات الأنظمة الاستبدادية، بعدها يسرد لنا نماذج كثيرة من النكات مع الأحداث والمواقف والشخصيات التي ترتبط بها.
«السرديات الساخرة في مواجهة الاستبداد»
المؤلف: عامر القيسي
منشورات زين الحقوقية ـ بيروت عام 2020
عدد صفحات الكتاب 496