كتاب صغير كمصيدة للحب

حجم الخط
2

يلعب حجم الكتاب دورا كبيرا لتشجيع القارئ على اقتنائه، وقد قيل إن الكتاب كلما كان صغيرا هينا للحمل، قلّ ثمنه، وأصبح في متناول فئات واسعة من الجمهور القارئ.
في ثلاثينيات القرن الماضي أطلقت دار «بنغوين» الإنكليزية كتبا صغيرة الحجم بحيث تتسع لها جيوب المعاطف والسترات، وقد بيعت في محطات القطارات، ما جعل المسافرين يقبلون عليها لقتل الوقت خلال رحلاتهم، بالقراءة.
الفكرة التي قفزت إلى فرنسا بعد سنوات، تطورت لتنجب ناشرين دخلوا مغامرة اقتصادية جديدة، تضع عظماء الأدب في أيدي الطبقات الفقيرة، كون القراءة ظلّت لعقود من الزمن منحصرة في الطبقات الأرستقراطية. وقد قيل إن من نتائج الثورة في فرنسا تمكين الفرنسيين من قراءة سارتر ومفكرين آخرين بسبب تقليص كلفة الكتاب وحجمه، فدخلت ثقافة الوعي البيوت المنسية في قاع باريس، ولم تصبح حكرا على طبقات معينة. وكيفما كانت الآراء متضاربة، فإن الأمر واضح بالنسبة لنا أيضا، كون فكرة كتاب الجيب نجحت في القاهرة في أوج تألق أم الدنيا على المستويات كلها، ثم خمدت لسوء نوعية المادة المقدمة، كما نجحت في بيروت، حيث نذكر تجربة الناشر رياض الريس، التي رغم نجاحها توقفت بعد سنوات لأسباب ربما مادية محضة، ضربت سوق الكتاب بشكل عام، وطالت الدار خاصة، أن أغلب كتبها تقلق أنظمة كثيرة وتمنع من المشاركة في المعارض الدولية.
السائد في العالم العربي هو الحجم «الستاندرد» المتفق عليه في المطابع، وهو حجم كبير، غير عملي، إضافة إلى أن الكاتب العربي ـ عموما- لديه الكثير من الكلام الذي يملأ به مؤلفاته الضخمة، فتصبح عملية حمل الكتاب وكلفته عبئا عليه. في غياب هذه التجربة الجيدة، خسر القارئ العربي الكثير، حتى أن القراءة تحوّلت إلى بذخ ارستقراطي غير متاح لفئات كثيرة. من المؤلم أن تلتقي في مكتبة قارئا يعيد الكتاب إلى مكانه، رغم رغبته في شرائه بسبب ثمنه المرتفع، ومن المحزن أكثر أن تقترح كتابا على صديق فيجيبك أنه لن يستطع أن يقتنيه لارتفاع ثمنه، والناشرون يشتكون أيضا من قلة الإقبال على الكتاب، وهلُمَّ جرا … وكأن الأمر متاهة وقعنا فيها إلى الأبد.
لماذا لم ينجح كتاب الجيب في العالم العربي؟
في مقال كتبه عبدو وازن، يشرح الأمين العام للناشرين العرب بشار شبارو، أسباب عدم نجاح هذه التجربة ومن أطرفها سهولة سرقة كتاب الجيب خلال المعارض ما يعرض الناشرين لخسائر جمة، وفي كل الحالات فالكتاب المرغوب يقرصن بمجرد صدور طبعته الأولى، إذ في ظرف قياسي تملأ النسخ المقرصنة مواقع كثيرة يصعب السيطرة عليها، وإلى هذه اللحظة لم يجد الناشرون العرب حلا لهذه المعضلة. ويبدو أن القارئ العربي مقسم إلى قسمين لا ثالث لهما، قسم «أرستقراطي» متمكن ماديا ومتاح له شراء ما يريده من كتب، وقسم فقير يعتمد الكتاب المقرصن غير عابئ لا بحقوق الكاتب ولا بخسائر الناشر.
للقارئ رأي آخر في هذا الموضوع، فالكتاب المقرصن رحيم بجيبه وبالنسبة له من حقه أن يقرأ، سواء كان ثريا أو فقيرا، سواء توفر الكتاب في بلاده أو منع، سواء كان الكتاب جيدا أو سيئا، فهو غير مستعد ليشتري البطيخة مغلقة ليفاجأ في ما بعد أن ما اشتراه لا يرقى لمستوى أفكاره ومبتغاه، وهذا سبب آخر مقنع في زمن تغليف الكتب وصعوبة إلقاء نظرة على بعض محتواها.

ليس أسهل من زيارة أقرب مكتبة لكم، والبحث عن كتاب صغير بحجم الجيب، يفتح شهيتكم للقراءة، وباشروا بقراءته في مكان عام عسى أن يأتيكم النصيب بقطاف جيد، فقد يكون كتاب صغير مصيدة جيدة للحب!

حسب دراسات غربية فإن قارئ كتاب الجيب هو نفسه في الغالب قارئ الكتاب الكلاسيكي العادي، الذي وجد فرصة لشراء عدة كتب بدل شراء كتاب، بالتالي فإن تقسيم القراء إلى فئتين إحداهما أرستقراطية والأخرى فقيرة يبدو مجحفا في حق هذا القارئ، وإن كان جزء منها صحيحا. الإقبال على القراءة يتطلب مجهودا، لهذا تبدو منافسة الكتاب المقرصن الذي يمتلكه القارئ بكبسة زر، عرضا مغريا له، يوفر في هذا الزمن المعقد التنقل من أجل اقتناء كتاب. بعض المكتبيين، أمام هذه المعضلة يقترحون توصيل الكتاب للقارئ بمبلغ زهيد، ويعملون جاهدين على إغراء القارئ لاقتناء كتاب ورقي بغلاف جميل، معتمدين الترويج له باختيار جمل مؤثرة من قلب النص، ويبدو أن هذه الطريقة لها مفعولها، لكن فقط داخل المدن الكبرى، فيما المناطق النائية بقي وضعها على حاله، محرومة من كماليات كثيرة ومنها كمالية القراءة.
هل القراءة ترف؟
يبدو كذلك عند البعض، فهي ترف لا يعرف قيمته غير محبي القراءة، فقد أجريت تجارب عديدة لاختبار أي الأشخاص أكثر جاذبية في المقاهي، من يشربون قهوتهم ويدخنون، أو من يشربون قهوتهم ويقرأون كتابا؟ فكانت الأجوبة مدهشة، فالأشخاص نساء ورجالا يبدون أكثر جاذبية وهم منكبون على قراءة كتاب، لكن حجم الكتاب يلعب دورا مهما هنا، إذ أن صاحب الكتاب الضخم يوحي بجدية مفرطة، ما يجعل الناظر إليه يتفادى الاحتكاك به، وكلما كان الكتاب أقرب لكتاب الجيب كان أقرب لإثارة إعجاب الجنس الآخر، بل إن هذه الحقيقة الجديدة حول العلاقة بين الرجل والمرأة تذهب إلى ما هو أبعد، الأزواج الذين تعرفوا على بعضهم بعضا في المكتبات، أو نوادي قراءة، أو بسبب كتاب على مواقع التواصل الاجتماعي تكون علاقاتهم أكثر متانة! وأعتذر إن بحت لكم بأن هذه ليست نتائج دراسة سيكولوجية، قامت بها إحـــدى الجامعات، بل نتائج موقع نيويورك سيتي على أنستغرام، حيث نشر صورا لرجال يقرأون، فكان إن ارتفعت نسبة متابعيه أضعاف الأضعاف من الجنس اللطيف، وانتهى المتابعون إلى قاعدة مهمة وهي أنّ الرجل يزداد إثارة مع كتاب.
الموقع نفسه سيختبر متابعيه بنشر صور لرجال قمة في الأناقة، وآخرين في سيارات فارهة، أو بأجساد رياضية جميلة من باب المقارنة، والنتيجة مدهشة، فأغلب النساء ينجذبن للرجل مع كتاب.. إنّه سحر الكتاب بدون منازع.
في دراسة أجراها جيفري هال في جامعة كنساس اتضح أن 36٪ من الرجال حين ينجذبون لامرأة فإنها تشعر بذلك بمجرد الاقتراب منها، كون جسد الرجل يفرز رائحة تفهمها مستقبلات الروائح لديها، ويشرح أن الروائح هي الغالبة لدى كل انجذاب لدى الاثنين، لكن هذه الدراسة الأكاديمية ينسفها دارسون آخرون يعتمدون وسائل أخرى مثل الإحصاءات على أرض الواقع أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تصعقنا نتائجهم بحقائق صادمة، مثل المرأة الجميلة لا تختار سوى الرجل الثري، أو المرأة الأنيقة لا تجذب سوى ذوي المراكز العالية، وهذه حقائق محبطة للنساء الذكيات، كما للرجال أيضا، لهذا يمكن اختبار فكرة حمل الكتاب وبدء قراءته في مكان عام للتحقق من صحة النظرية البصرية التي تقوم على سحر الكتاب.
ليس أسهل من زيارة أقرب مكتبة لكم، والبحث عن كتاب صغير بحجم الجيب، يفتح شهيتكم للقراءة، وباشروا بقراءته في مكان عام عسى أن يأتيكم النصيب بقطاف جيد، فقد يكون كتاب صغير مصيدة جيدة للحب!

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية