كتاب على ضريح محمود درويش

حجم الخط
5

«عندما أُخمد ضوء العالم أطلّت أغنياتنا» هو عنوان المختارات الشعرية من أشعار الأقوام الأصلية في أمريكا، وصدر مؤخراً عن منشورات نورتن بتحرير جوي هارجو (شاعرة «الهنود الحمر» الأشهر في عصرنا) ولوآن هاو، وجنيفر إليز فورستر. والأنطولوجيا، الفريدة حقاً لجهة الكمّ والنوعية والنطاق والتنوّع في الموضوعات والأشكال، تشمل قصائد أولئك الذين حار في تسميتهم غزاة الأمريكتين، ابتداء من كريستوف كولومبوس سنة 1492 وبعده طوال عقود، فاستقروا على صفة «الهندي الأحمر»؛ وتتوزع المختارات على مناطق السهول والجبال وجزر الباسيفيكي وآلاسكا. الأكبر سناً بين الشاعرات والشعراء ولد سنة 1786 (زعيم سياتل، الذي تُنسب إليه الخطبة الأشهر والأعلى عذوبة في امتداح الأرض والحجر والبشر والموطن)؛ والأصغر سناً هو جيك سكيتس، من مواليد نيو مكسيكو سنة 1991.
لو كان محمود درويش على قيد الحياة اليوم فإنه، في يقيني، سوف يكون الأسعد باقتناء هذه المختارات، والأشدّ انهماكاً بقراءتها مرّة بعد أخرى دونما كلل أو ملل؛ فلستُ، في حدود ما أعلم، أعرف شاعرة أو شاعراً عربياً انشغل بتراث الأقوام الأصلية في أمريكا مثل درويش. وذاك كان انشغالاً نبع من خلفية أخرى أوسع، وأعمق، هي النظرة إلى الآخر، واستقبال تمثيلاته وصُوَره؛ حتى أنّ الانشغال انقلب إلى موضوعة أثيرة لدى درويش، ولم تعد تخلو منها أيّ من أعماله، خصوصاً في حقبة ما بعد بيروت، 1982. غير أنّ قصيدة «خطبة الهندي الأحمر ـ ما قبل الأخيرة ـ أمام الرجل الأبيض» من مجموعته «أحد عشر كوكباً» 1992، تبقى المثال الأوضح على هذه الموضوعة، خصوصاً وأنّ القصيدة اختارت تدشين علاقة حوارية مع آخَر/ شعب بأسره خضع للغزو والاستباحة والإبادة الجماعية، ومع آخَر/ ثقافة غنية تعرّضت للقهر والإخماد والإفناء، وثمة في تاريخها الكثير من العناصر التي تذكّر بفلسطين والشعب الفلسطيني.

أعترف أنّ رغبة جارفة راودتني، ساعة اقتنيت هذه الأنطولوجيا الجديدة، أن أقرأ بعض أشعارها في حضرة غياب محمود درويش؛ أو أضع نسخة منها على قبره، بمثابة باقة أخرى من الزهر الذي يؤنس وحشته هناك

وفي حوار حول هذه القصيدة، قال درويش: «منذ بداياتي الشعرية وأنا أتعامل مع موضوعة الأرض وعناصرها، من عشب وشجر وحطب وحجارة، ككائنات حيّة. إنني إذاً مكوّنٌ بطريقة تتيح لي التقاط رسالة الهندي الأحمر. وحين قرأت ثقافتهم أدركت أنهم عبّروا عنّي بأفضل مما عبّرت عن نفسي. ولسوف يشرفني أن يرتقي دفاعي عن الحقّ الفلسطيني إلى مستوى دفاع الهندي الأحمر، فهو دفاع عن توازن الكون والطبيعة الذي يشكل سلوك الأبيض خرقاً له». ولم يخفِ درويش مضمون الرسالة في قصيدته حين قال: «لقد تقمصت شخصية الهندي الأحمر لأدافع عن براءة الأشياء وطفولة الإنسانية، وأحذّر من تعاظم الأداة العسكرية التي لا ترى لأفقها حدوداً، بل تقتلع كل المعاني الموروثة وتلتهم بجشع ونهم الكرة الأرضية بسطحها وقاعها. التهام معرفة الآخر هو عتبة أولى لإفنائه وإقصائه، وهو مشروع إبادة يؤشّر على الطريقة التي ينشأ بها النظام الدولي الجديد: غزوٌ، وهيمنة، وإلغاء، ومحاولة فهم الآخر بوسيلة إبادته. قصيدتي حاولت تقمّص شخصية الهندي الأحمر في ساعة رؤيته لآخر شمس، ولكن الأبيض لن يستطيع امتلاك الراحة والنوم بهدوء لأن أرواح الأشياء والطبيعة والضحايا سوف تحوم حول مجال وجوده».
ولقد أتيحت لي الفرصة الثمينة لمعايشة درويش والقصيدة هذه تعتمل في نفسه، خلال الأشهر الأخيرة التي سبقت إنهاء إقامته في باريس والعودة إلى عمّان ورام الله؛ وشهدتُ، وسجلتُ شهادتي في مناسبات سابقة، انكبابه على التنقيب في تاريخ «الهنود الحمر» وثقافتهم وأنماط عيشهم وفلسفتهم في الوجود؛ ليس من دون ربط ذلك كلّه بحدثين محوريين في العام 1492، هما رحلة كولومبس وسقوط غرناطة. الأبعاد الأخرى التي توجّب أن تسهم في ارتقاء موضوعة القصيدة، لأنها أساساً تضرب بجذورها في بواطن لا تقلّ عمقاً كانت نهوض مفهوم الغرب الحداثي على إبادة 70 مليون هندي، و»إدارة حرب ثقافية طاحنة ضدّ فلسفة تقترن بالأرض والطبيعة، وبالشجر والحصى والتراب والماء» والموقف الأخلاقي من «الاكتشاف»/ الغزو، والوعي التاريخي بجوهر الصراع في أي مشروع استيطاني، ونهوض منجز درويش الشعري ذاته على المشروع التراجيدي…
كلّ هذه كانت عناصر حاسمة في قصيدة «خطبة الهندي الأحمر…» مكّنت شاعراً، معلّماً ومثقفاً ومنحازاً إلى الحوار التفاعلي مع آخّر الأقوام الأصلية، من إنجاز القصيدة على الهيئة الوحيدة اللائقة بشروط ولادتها وطبائع رسائلها: أنها واحدة من النصوص الأدبية النادرة (وأقصد، هنا، على نطاق عالمي) التي تناولت موضوعة «الهندي الأحمر» بوعي إنساني تاريخي عميق وعادل، يتفادى التمثيلات الإيديولوجية السائدة التي تكتفي ــ عن سابق قصد ــ بتصوير ابن الأقوام الأصلية في هيئة كائن بريء نبيل طيب القلب والمعشر، يهرب من زحف الحضارة إلى أحضان الطبيعة الأمّ؛ أو كحامل ساذج محايد لعناصر النزاعات الأوروبية، خلال أطوار احتدام الصراع بين النظام الارستقراطي المحتضر والثورة البرجوازية والصناعية الوليدة.
وأعترف أنّ رغبة جارفة راودتني، ساعة اقتنيت هذه الأنطولوجيا الجديدة وغرقت في قصائدها، أن أقرأ بعض أشعارها في حضرة غياب محمود درويش؛ أو أضع نسخة منها على قبره، بمثابة باقة أخرى من الزهر الذي يؤنس وحشته هناك. هؤلاء أهله أيضاً، بأكثر من معنى؛ وهذه قصائده التي أحبّ، وعنها كتب، وإلى نموذجها انتمى.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية