كتّاب مغاربة يستحضرون إلياس خوري: حارس ذاكرة مفتوحة على جراحنا المشتركة

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي» :  إلياس خوري، الذي ظل قلبه نابضاً بحب البلاد العربية والإنسانية جمعاء، احتل مكانة خاصة لدى المغاربة، الذين ما زالوا يستعيدون رسالته المؤثرة إليهم عقب زلزال الحوز. ففي لحظة الفاجعة التي خلّفت خسائر بشرية ومادية جسيمة، لم يتأخر خوري في التعبير عن تضامنه الصادق، مؤكداً عمق الصلة التي تربطه بالمغرب وأهله. كتب يومها إلى أصدقائه: «قلبي هناك كما هو هنا، روحي هناك كما هي هنا. قلبي في القدس كما هو في فاس». كلمات عكست وفاءه للمغرب، ومحبته التي لم تكن تحتاج إلى برهان، إذ ظل يعتبره جزءاً من ذاكرته الإنسانية والثقافية الممتدة عبر الجغرافيا العربية.

ويختصر الراحل إلياس خوري مسافة الكلام ،»عن هذا المغرب الذي احتضن فلسطين دوما، وقدّم أجمل الشهداء من أجل فلسطين، ومن أجل قضايا العرب؛ المغرب الذي استقبلنا جميعا بعينين مفتوحتين، وجعلنا نشعر بأن لوطننا لكنة أخرى ولهجة أخرى هي اللهجة المغربية، وأن لهجة المغرب هي جزء من لغتنا، وأننا شعب إحدى ميزاته تعدد لهجاته التي تستوعبنا جميعا».
الأكيد أن البلاد العربية، ثقافيا وأدبيا وفنيا، جسد واحد لا تفرقه السياسة إلا ما ندر، «والنادر لا حكم له» في نبض المحبة العابر لخريطة العرب من المحيط إلى الخليج. الكلمة الإبداعية النقية يتردد صداها في كل الصالونات الأدبية العربية، لا يهم من كتبها، كل ما يهم أنه عربي وكفى. وكلمة إلياس خوري ونبضه يتجولان في قلوب المغاربة من أصدقائه الكتّاب وفي عموم المشهد الثقافي المحلي، حيث يتذكره الجميع كرفيق للحكايات، وصفيّ اللحظات الصادقة، وخليل البهاء.

حارس الذاكرة ورفيق الحكايات
هكذا يحتفظ عبد الرحيم العلام، رئيس اتحاد كتاب المغرب، بصورة الراحل الروائي والقاص والمسرحي والناقد والصحافي العربي اللبناني إلياس خوري، مؤكدا أن الذكرى الأولى لرحيله تمرّ، «فيغمرنا شعور بأن غيابه لم يُحدث فراغا فحسب، بل كشف عن حجم الحضور الذي كان يشكّله في وسطنا الأدبي العربي. كان إلياس خوري واحدا من أولئك الكتّاب الذين لم يعرفوا الفصل بين الحبر والدم، بين الأدب والموقف، بين الحكاية والذاكرة. عاش الفقيد مثلما كتب، وكتب مثلما عاش: بجرأة، وبصوت مفتوح على وجع الإنسان وأحلامه». ويضيف العلام في شهادته التي خصّ بها «القدس العربي»، أنه «منذ الجبل الصغير حتى أولاد الغيتو3- رجل يشبهني، ظلّ خوري ينسج الرواية كمن يرمّم ذاكرة متصدّعة. لم يكن يكتب من أجل الحكاية فقط، بل من أجل أن يخلّد ما يمحى، ويعيد للمنسيّين حقّهم في الكلام. في عالمه، كان اللاجئ بطلا، وكانت المرأة ذاكرة البيت، وكان الجرح الفلسطيني نافذة على معنى الوجود بأسره. لقد صنع من الرواية بيتا للذاكرة العربية، بيتا يتّسع لكل أصوات المنفى والحب والمقاومة». وفي بيروت، المدينة التي كانت مسرحا للحرب ومختبرا للأحلام – يقول العلام، «حضر إلياس خوري بصلابة المثقف المنخرط في شؤون الناس. لم يكن متفرجا على النيران التي التهمت شوارعها، بل كان في قلبها، حارسا لها، شاهدا ومناضلا، يكتب مقالاته بدم القلب كما يكتب رواياته بالحبر. حمل بندقيته حين استدعى الموقف، ثم عاد إلى قلمه ليدوّن ما رآه وما جرحه. كان صوته مسموعا في الساحات والندوات، يواجه الطائفية والظلم، ويجاهر بدفاعه، الذي ظل ممتدا عن فلسطين، مؤمنا بأن بيروت لا تكتمل إلا بوجهها العربي المقاوم.»
أما عن علاقته بالمغرب، يوضح رئيس اتحاد كتاب المغرب، «إلياس خوري لم يكن زائرا عابرا، بل كان صديقا للثقافة المغربية ولعدد من رموزها وكتابها. حضر في معرض الكتاب في الدار البيضاء سنة 2019، بعد غياب عن المغرب دام ثلاثين عاما، حيث كانت أول زيارة له للمغرب سنة 1977. التقى بوجوه أدبية بارزة من جيل الستينيات والسبعينيات، فكان الحوار بينه وبين الأدباء المغاربة والناس العاديين امتدادا طبيعيا لاهتمامه بالمشترك العربي، وقضايا الحرية والذاكرة. أعجب المغاربة بمواقفه وقرأوا رواياته بشغف، وتناولها باحثون جامعيون ونقاد من أجيال مختلفة من زوايا مختلفة، بوصفها نصوصا تضيء جراح المشرق وتجد صداها في أسئلة المغرب حول الهوية والنضال والمنفى والمدينة، وقد شكلت أعماله الروائية متنا في إحدى دراساتي عن صورة بيروت في الرواية العربية.. لقد ترك خوري في زيارته الأخيرة لمعرض الكتاب في المغرب، صدى عميقا، كما كانت ردوده على أسئلة الحضور، إضاءات جديدة وغير متداولة لتجربته الروائية، فقد كان حضوره الإنساني والثقافي يعكس وعيا بأن الذاكرة العربية واحدة، وأن نضال فلسطين يجد صداه في كل مدينة عربية من بيروت إلى الدار البيضاء». وفي رأي العلام «لم يكن الفقيد إلياس خوري روائيا وحسب، بل كان ضميرا ثقافيا، ومثقفا عضويا يؤمن بأن الكلمة موقف، وبأن على الكاتب أن ينزل إلى الساحات مثلما ينزل إلى الصفحات. من الصحافة إلى الندوات، من المواقف السياسية الجريئة إلى الحوارات الفكرية، ظلّ صوته مسكونا بالحرية، مخلصا للقضية الفلسطينية وقد شكلت بعدا أساسيا في أعماله ومواقفه، بمثل إخلاصه للكتابة، حتى آخر مقال كتبه وهو يصارع المرض.»
وتابع رئيس اتحاد كتاب المغرب: «في ذكرى رحيله، نفتقد ليس فقط كاتبا كبيرا، بل أيضا ذلك الحارس الذي ظلّ يسهر على الذاكرة كي لا يطويها النسيان. ترك لنا نصوصا تشبه الشموع، تنير عتمات التاريخ، وتذكّرنا بأن الرواية ليست ترفا، بل أداة مقاومة، وأن الحكاية قد تنقذ أمة من الضياع.» وحسب العلام، فإن خوري «سيظلّ بيننا ما بقيت كلماته، وما بقي قارئ يجد في رواياته مرآة لجرح جماعي وأمل إنساني. في ذكراه الأولى، نقف أمامه بإجلال: نودّعه بالجسد، لكننا نحتفي به كصوت خالد، وكاتب اختار أن يحمل الذاكرة على كتفيه، ليعبر بها أزمنة الفقد نحو ضفة الأمل».

حداثي بأفق إبداعي رؤيوي
وفضّل الأديب والشاعر المغربي صلاح بوسريف عدم التكلم عن إلياس خوري روائيا، وقال «هذا أتركه لمن الرواية شغلهم»، واستعاده في شهادته كناقد للشعر، وقارئه، ومن كانت كتاباته فيه، في مرحلة حاسمة في الشعرية العربية المعاصرة، في تكريس الحداثة، وفي مواجهة ما كان من نقد لهذا الشعر الجديد، ولما ظهر به من اختلاف عن النمط التقليدي، الذي كان الوزن فيه هو كل شيء، كما عبرت نازك الملائكة عن ذلك في كتابها عن هذا الشعر، الذي اعتبرته (ظاهرة عروضية)». بالنسبة لبوسريف فإن «إلياس خوري، لم يبق أسير ما كان من (التزام)، أو من شعر استغرقته الأيديولوجيا والشعار بدل الشعر، وهو ما كان تحمس له عدد من النقاد والدارسين، وتركوا الشعر في جوهره، واكتفوا بالقشور». لذلك فإن «ذهاب إلياس إلى الفكر، كان من خلال عبوره من الشعر ذاته، من شعرية العمل الشعري، من الدوال التي لا يكون الشعر إلا بها، من الإيقاع، ومن الصور الشعرية، ومن اللغة التي تدثرت بالمجاز، ومن البناء، وهذه أمور، كانت آنذاك، ما تزال متعذرة، أو لم يتم الانتباه إليها إلا عند القليلين، وكانت مجلة «شعر»، التي لعبت دورا كبيرا في الاهتمام بها، بعيدا عن السياقات اللاشعرية».
ويؤكد الكاتب والناقد بوسريف أنه كان «من بين من قرؤوا كتابات إلياس، وما كان يقترحه من تصورات، هي ما سأناقشها معه، في لقاء جمعنا معا، حول التجربة الشعرية لمحمود درويش، هو من حرص على جمع ونشر آخر ما كان بقي من شعر محمود، بعد رحيله، وما تعرض له من نقد، حول (خلل)، بعض الأوزان في بعض النصوص، وكنت ناقشت نقاده، بمن فيهم بعض الشعراء الذين، بدل أن ينظروا إلى الأمر في سياق التجربة ذاتها، اعتبروا الخلل في إلياس، وليس في محمود، أو ما كان يمكن أن يكون قصدا من محمود في سياق ما كتبه، وهذا ما لم يكن، بل عدنا أدراجنا، كما نفعل، بنوع من السلفية الشعرية والنقدية المعاصرة، لنعتبر التفاعيل، هي جوهر الشعرية، دون أن نتساءل حول توظيفاتها، وهذا لم يحدث مع محمود درويش، ولا مع إلياس خوري وحدهما، بل حتى مع أمرئ القيس، الذي أحصى النقاد والعروضيون زحافاته وعلله، وما اعتبروه في شعره خللا، وهو البادئ في كل شيء. فكيف يحدث هذا، ما لم تكن ثقافتنا، وتكويننا بنيا على المعيار.» ويخلص بوسريف إلى أن «إلياس، كان حداثيا، وكان أفقه الإبداعي، رؤيويا، وهذا ما سأجده في رواياته التي لم تخل من تلك الشعرية التي استمدتها من ثقافته وذوقه الشعريين المتميزين».

مبدع يسرقك من ضجيجك بدبلوماسية فارهة
الشاعرة علية الإدريسي البوزيدي، جعلت شهادتها في حق الراحل إلياس الخوري، ذات أنفاس إبداعية، لأنها «في وقت متأخر وبناء على سوء فهمي لهشاشة هذا العالم، كنت تعثرت صدفة برحلة جعلتني أقيم بشكل دائم على حافة صفقة قارب ليس سريعا». وقالت علية: «يجب أن أفهم كيف لمبدع أن يسرقك من ضجيجك بدبلوماسية فارهة، قلت لحظي وأنا أتوكأ على رصيف آخر»، عندها «سمعتك تقول من داخل الباب، كوني بابا للشمس، حينها وضعت القلم في كفي وبدأت كغيري أرتب مواعيد لقاءاتنا في أقاصي، لم أكن لأصل إليها لو لم يكن عمري بتوقيت الدهشة». وتضيف الشاعرة: «هكذا التقيت الكاتب إلياس خوري في غابات مملكة الغرباء، في حدائق باب المدينة، على أرصفة عن علاقات الدائرة، في رائحة الصابون، في المقاهي، في رحلة غاندي الصغير، وكنت كلما اشتد بي التعب أعدتك إلى المحطة الأولى وعلقت على بابي (بابا للشمس)، ونسيت أن أعيدها إلى مكانها، أو ربما تعمدت عن سابق إصرار وترصد ألا أستقبل فيه إلا أسهم بورصة الأدب التي بحجم جحيم يجعلها صافية كالزلال». وتقول: «لربما كغيري كنت لأتظاهر بالضجر لولا أن كونا شديد الالتصاق بالدهشة أمسك بي وأنا أقفز من سطر إلى سطر مخافة أن تنفلت من بين أصابعي الصغيرة بقع الضوء»، متسائلة: «ماذا أفعل غير الانغماس في ملكوت لا يشبه إلا نفسه!»، و»مرة أخرى ذهبت نهاية الأسبوع إلى رواياتك التي تساعدني على المجازفة وإنقاذ حياة ملوثة بالحرية، وكمن يعود إلى دياره وجدتني أتلو على نفسي قوارب نجاتك، عندما كنت طفلة عليها أن تحمل وزنا ثقيلا على ظهرها، كنت أضجر وأتذمر من كراسة باهتة، كنت أخبر والدتي كل صباح أن هناك ذئبا سيأكلني كي تكف عن إرسالي إلى المدرسة، كنت أحتاج لمزيد من الوقت كي تحبني أستاذة التربية الإسلامية، الآن صرت أحمل أوزانا أثقل من هذا الكون، وكي لا أتعثر أفتح نافذة على عوالمك إلياس خوري وأقول لطفولتي، للمدرسة شكرا». وتختتم الشاعرة شهادتها بقولها: «إلياس اجعلنا نشرق مع الشمس كما وعدتنا، نحن لم ننتهِ منك».

ذاكرة مفتوحة على جراحنا المشتركة
من جهته قال الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس: «مرّت سنة على رحيل إلياس خوري. ولو أني أومن أن إلياس لا يرحل»، متسائلا: «كيف يمكن لذاكرة بحجم قارة أن تغيب؟ كيف يمكن لصوت ظلّ يذكّرنا، في كل سطر وفي كل حوار، أن الحرية ليست ترفا أن يصير غيابا أو رحيلا؟». واسترجع كوكاس في شهادته علاقته بإلياس خوري بقوله: «عرفته أولا من خلال رواياته ودراسته حول الشعر، قبل أن ألتقيه وجها لوجه. كنت في بداياتي أبحث عن الرواية التي تفتح اللغة على الجرح، على الأسئلة الكبيرة، على الإنسان في هشاشته العارية أمام قسوة التاريخ. فوجدت في رواياته – من باب الشمس إلى الجبل الصغير – تلك اللغة التي تحفر فينا، لغة مشبعة بالحب والخسارات، بالذاكرة والنسيان. كنت أشعر بأنني أعرفه قبل أن ألتقيه، وأن بيروت التي كتبها تسكنني كما تسكنه، رغم المسافة». ثم جاء اللقاء الأول، يقول كوكاس: «كان ذلك في أحد الملتقيات الثقافية في الرباط. كان حضوره مختلفا، لم يكن إلياس نجما رغم أنه كان كذلك في عيوننا جميعا. كان متواضعا إلى حد الحميمية، يضحك بصدق، يستمع أكثر مما يتكلم، وحين يتكلم يصير صوته جزءا من وجعنا. في جلسة جانبية، قال لي: (المغرب يشبه بيروت، هنا أشعر بأنني أتنفس كما لو أنني في بلدي)». حينها فهم كوكاس «لماذا كان القراء المغاربة يستقبلونه بحب خاص؛ لأنه كان يكتب لنا. كان ملما بتفاصيل المشهد الثقافي المغربي، وظل يسألني عن كتابنا الشباب، عن تحولات الرواية في المغرب، عن نبض النقد وأسئلة الهوية. كان يجد في المغرب امتدادا لحلمه، وكان يشعر بأن هذه البلاد تحفظ جزءا من فلسطين في قلبها، كما تحفظ بيروت جزءا من مراكش وطنجة وفاس والدار البيضاء».
وأضاف كوكاس أن المغاربة يتذكرون «بالكثير من الاعتزاز والعرفان رسالته المفعمة بالحب والتقدير غداة زلزال الحوز، حين كتب: (قلبي في القدس كما هو في فاس، في الأزقة التي صنعها أهل الأندلس الهاربون من جحيم القشتاليين ليعيدوا بناء أندلسهم في مدينة فاس، ويحتفظوا بمفاتيح البيوت لا ليعودوا إليها، بل لتكون هذه المفاتيح مفاتيح للقلوب، مفاتيح للثقافة وللرؤيا وللتعدد وللإخاء الإنساني. تذهب إلى المغرب لتتعلم دروس الأساتذة الكبار في زمننا، هذا المغرب الشاسع الجميل، الذي تفوح منه روائح مطبخ زرياب التي حدّثنا عنها للمرة الأولى الكاتب السوري فاروق مردم بك، والتي هي روائح الحضارة والنكهة والعادات الجميلة، كلها تأتي من هناك، من أرض هي لنا، أرض نعود إليها لأننا لم نخرج منها يوما، لأنها كانت ولا تزال بلاد الجمع بين العرب والبربر، بين التواريخ المتعددة لثقافتنا العربية ولحياتنا العربية)». وأبرز كوكاس أن ما ظلّ يشده في إلياس «ليس فقط الروائي الذي يكتب نصوصا تُترجم إلى لغات العالم، ولا الناقد الشاعري، ولكن المثقف الذي ظل وفيا لفكرة الحرية والحلم، حتى وهو يرى الهزائم تتكاثر. كان قادرا على أن يحوّل الندوب إلى جمال، وأن يصنع من الألم سردا حيّا. في كل مرة كنت ألتقيه، كنت أتعلم درسا جديدا في الكتابة وفي الحياة: كيف نحافظ على هشاشتنا دون أن نفقد شجاعتنا». اليوم، يقول كوكاس، «وأنا أستعيد كل تلك اللحظات، أشعر بأن رحيل إلياس خوري يخصنا نحن المغاربة كبلد قبل الأصدقاء، كما يخص كل قارئ عربي حمل حلم الحرية يوما. غيابه فراغ في الذاكرة وفي القلب معا. لكنّ عزاءنا أننا سنظل نقرأه، وسنظل نسمعه في نصوصه وفي جملته المفتوحة على الأبدية: (الرواية ليست حكاية مكتملة بل شظية ذاكرة في وجه النسيان).
ويختتم كوكاس شهادته قائلا: «سلاما عليك يا إلياس، شكرا لأنك جعلتنا نرى في المرآة جراحنا المشتركة بلا خوف. شكرا لأنك منحت الرواية العربية ما يشبه جناحين، وشكرا لأنك تركت لنا نحن المغاربة، أثرا دافئا لن يبهت».

جسر ممتد من المشرق نحو المغرب
الكاتب والإعلامي عبده حقي، استحضر في شهادته الذكرى الأولى لرحيل الكاتب اللبناني إلياس خوري، «الذي كان جسرا ممتدا من المشرق نحو المغرب، أرضا وكتابة وذاكرة»، وزاد قائلا: «تعرفتُ إلى إلياس خوري بداية من خلال رواياته التي حملت إلينا، نحن القراء المغاربة، وجع الحرب الأهلية اللبنانية وكوابيسها، لكن أيضا بريق المقاومة الفلسطينية وصوتها الجريح، التي ظل يعتبرها جزءا من هوية الأمة العربية برمتها». ويوضح عبده حقي: «كنت أقرأ إلياس خوري كما لو أستنشق (رائحة الصابون)، ذلك النص الروائي الذي جعلني أرى الذاكرة العائلية وهي تتحول إلى وطن صغير محاصر بالغياب، وأرافقه في (رحلة غاندي الصغير) حيث الطفولة تصبح مرآة للنكبة وللبحث عن معنى البراءة وسط الخراب. هكذا شعرت بأن كلماته كانت تعانق تجربتنا نحن المغاربة أيضا، إذ علّمتني أن الحكاية الشخصية لا تنفصل عن التاريخ، وأن مصير المواطن مرسوم على جدار بيت الجماعة». وحين جاء إلى المغرب للمشاركة في معرض الكتاب والنشر في الدار البيضاء عام 2019، وكانت ثاني زيارته منذ الأولى عام 1977، قال حقي: «شعرت بأننا أمام كاتب يعانقنا باعتباره مغربيا وواحدا منا، ينتمي إلى العائلة الثقافية نفسها التي تجتمع بين ضفتي المحيط والخليج».
وتوقف عبده عند «العلاقة الخاصة» التي كانت تجمع إلياس الخوري بالكتاب المغاربة، «فقد كان يلتهم منشوراتهم بحب صادق وفضول عميق، يعشق نصوص محمد برادة، ويتوقف طويلا عند تجربة عبد الكبير الخطيبي، ويستحضر أسماء وازنة مثل الطاهر بن جلون وعبد الله العروي، وكأنه يبحث فينا عن هوية مغربية أخرى لذاته. كنت أراه يحاورهم رمزيا ونقديا بقدر ما يحاور ذاته، وكأنه يضع أسئلته الوجودية والسياسية في قلب الحوار المغاربي – المشرقي». ويذكر عبده في تلك الزيارة، حين قال الخوري «بابتسامة ممزوجة بالمرارة: (أنتم المغاربة علمتمونا كيف نكتب عن الاستعمار، وكيف نحوّل الذاكرة إلى نصوص مقاومة، أما نحن في المشرق فقد علمتنا الحرب أن الكتابة يمكن أن تكون بيتا آخر نلجأ إليه). تلك الجملة، يوضح حقي، «التي ظلت ترنّ في أذني طويلا، لأنها كانت تلخص معنى الصداقة الأدبية بينه وبيننا: التقاء التجربتين في تضاريس مختلفة لكن بجراح متشابهة». بالنسبة لعبده حقي، فإن «إلياس خوري كان بكل صدق شريكا في الحلم الثقافي العربي المشترك. فالمغرب بالنسبة له كان فضاء للقاء الروح المشرقية بظلها المغاربي، وحوارا لم ينقطع مع أجيال من النقاد والروائيين والشعراء».
اليوم، يقول الكاتب المغربي: «ونحن نخلد ذكرى رحيله المر، أشعر بأن المغاربة أيضا فقدوا صديقا حقيقيا، كان يكتب عن بيروت وعينه على الرباط، كأن المسافة بيننا وبينه لم تكن سوى وهم جغرافي. لقد ترك لنا كتبا وروايات ستبقى شاهدة على زمننا العربي الممزق والجريح، وترك أيضا أثرا إنسانيا وأخلاقيا عميقا في نفوس الذين عرفوه وقرأوه هنا».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية