كرة زيدان التي رفعت سقف الراي

حجم الخط
1

يوم 12 يوليو/تموز 1998، في ملعب «ستاد دو فرانس»، جرى نهائي كأس العالم بين فرنسا والبرازيل. في الدقيقة السابعة والعشرين من المباراة تصل الكرة إلى رأس زين الدين زيدان، ويهتز ثمانون ألف متفرج في الملعب، فرحاً بالهدف الأول. إلى حد تلك اللحظة لم يكن الأمر يتعلق سوى بمباراة كرة قدم، وبعد ربع ساعة وقّع اللاعب نفسه هدفاً ثانيا، ثم ثالثاً في الشوط الثاني من لاعب آخر وأحرزت فرنسا لقبها العالمي الأول، وشاهد الناس، تلك الليلة، قوس النصر، في وسط باريس، يشع بجملة واحدة: «شكراً زيزو». صار زيدان الذي يحمل هوية مزدوجة (جزائرية وفرنسية) بطلاً قومياً. كل الفرنسيين يسبحون باسمه، بل من النساء الفرنسيات من أطلقن ـ تلك الأيام ـ اسمه على مواليدهن. جعل ذلك اللاعب من فرنسا حفلة، وظل اسمه يتردد على الألسنة طوال ذلك الصيف. وما كان يُعتقد أنها مجرد مباراة كرة قدم، على الرغم من أهميتها ومن قيمتها المصيرية، باتت لها انعكاسات سياسية على البلاد بأكملها.
بفضل زيدان تراجع منسوب العنصرية ذلك العام، لم يعد المُهاجر المغاربي تُطلق عليها كلمات استخفاف، لم يعد مواطناً درجة ثانية، بل استعاد ـ لبعض الوقت ـ كرامته، وصار يُنظر إليه نظرة سوية. خف العداء إزاء العرب إجمالاً وإزاء المسلمين الفرنسيين، فقد أحس الفرنسيون بفضل الأجانب عليهم. الأجانب الذين رفعوا رأسهم في محفل الأمم. هذا جزء من الانعكاسات الاجتماعية التي نجمت عن «رأسية زيدان»، لكنّ هناك انعكاسا آخر، قليلاً ما ننتبه إليه، فبفضل هدفي زيدان خرجت موسيقى الراي من «الغيتو» إلى النور، لولا زيدان لظلت مجرد «فلكلور». لكن التحول الأكبر في هذه الموسيقى لن يكون سببه ابتكاراً موسيقيا ولا اهتماما نقديا ولا انتباها إعلاميا، بل السبب هو زيدان نفسه، الذي ـ عن غير قصد منه ـ أسكن كرته شباك الراي وليس فقط شباك الحارس البرازيلي صيف 1998.

عشر سنوات من التيه

حين وصلت موسيقى الراي، إلى فرنسا، في نهاية الثمانينيات، لم تكن أكثر من حدث ثقافي، موجهاً إلى الجالية المغاربية المقيمة هناك. فهمت شركات الإنتاج أنها إزاء جمهور يعد بالآلاف، وبوسعها أن تقنعهم بدس أيديهم في جيوبهم وشراء ألبومات مغنين قادمين من الجزائر، واستمر الحال بضع سنوات على ذلك المنوال: مغنو راي يسجلون ويبيعون للجزائريين والمغاربة والتونسيين الذين وُلدوا أو استقروا في الضفة الشمالية من المتوسط. على الرغم مما يُشاع من «نجاح» الراي، مطلع التسعينيات في فرنسا، فقد كان نجاحاً نظرياً، وليس على الواقع. مثلاً أغنية «دي دي» للشاب خالد، وهي أشهر أعماله، لم يتح لها أن تدخل ضمن «توب 5» كأفضل المبيعات، بل ظلت تتراوح في مراتب أدنى. ما يُطلق عليه «عالمية الراي» لم يكن سوى «فانتازم» في الصحافة المحلية الجزائرية، التي توهمت أن مجرد وصول مغنٍ إلى باريس، وتوقيع عقد مع شركة إنتاج فرنسية، فذلك برهان على نجاحه. وأخفت تلك الجرائد الحقيقة الأسوأ أن جمهور الراي، في الغرب، كان محصوراً في مهاجرين أو أبناء المهاجرين، مع بعض الفضوليين الأوروبيين. فحين سافر الشاب خالد إلى أمريكا – للمرة الأولى – لم يغن في مهرجان كبير ولا في قاعة شاسعة، بل غنى في سكن طلبة جامعيين، أمام بضع مئات من الفضوليين، وكذلك الحال في فرنسا، ظل الراي يُراوح مهرجانات صغيرة، تتموقع جلها في الأحياء التي يسكنها مهاجرون، أو في قاعات ضيقة، لا تتسع لأكثر من بضع مئات من الأشخاص.

الشاب خالد ـ فضيل ـ رشيد طه

ظلت الحال كذلك بضع سنين، ثم اهتدى المنتجون إلى حيلة من أجل توسيع دائرة الاهتمام بالراي في فرنسا، وذلك بدعوة ملحنين معروفين لمشاركة أولئك المغنين الشباب (مثلما لحن جان جاك غولدمان أغنية «عيشة»)، أو دعوة مغنين مكرسين لمشاركتهم الغناء في ديوهات، لكنهم عجزوا عن إقناع مغنيي الصف الأول، وصدرت ديوهات لم تلق رواجاً في أوروبا. كل شيء كان يوحي أن موسيقى الراي تسير في الفلكلور، وأنها ستظل محصورة في فئة واحدة من المستمعين في فرنسا. ظلت موسيقى تراوح مكانها ـ على الرغم من أنها مقبلة من تراث جزائري عريق ـ لا تملك جرأة، ولم يتح لها أن تتجاوز حيزها الضيق، إلى أن جاءت رأسية زيدان صيف 1998، التي سوف تغير مصير موسيقى الراي.

باب الجنة… اسمه «بيرسي»

تلك الحالة من التسامح مع المهاجرين في فرنسا، التي أحدثها زيدان ستجني ثمارها موسيقى الراي. في نهاية يوليو من ذلك العام، استقبل مدير قصر بيرسي برقية بالفاكس، ترغب فيها شركة «باركلاي» تأجير المكان الأشهر للحفلات في فرنسا، قصد تنظيم سهرة لثلاثة من مغنيي الراي (الشاب خالد، فضيل ورشيد طه). تتسع قاعة بيرسي لأكثر من عشرين ألف شخص، وهو رقم هائل، لم يكن من الممكن التفكير فيه في ما سبق. فقد تعود منتجو الراي ومتعهدو الحفلات تخصيص قاعات أقل اتساعاً منها، مخافة ألا يأتي الناس ولا تُباع التذاكر فيفشل مخططهم. لكن فوز فرنسا بكأس العالم، وليس هذا فقط، بل بفضل لاعب من أصول جزائرية، جعلهم يوسعون من نظرهم، ويُبادرون إلى ما لم يسبقهم إليه أحد، أن يستفيدوا من هدفي زيدان قصد الرفع من أعداد مريدي موسيقى الراي. ونجحت الفكرة. انتظم الحفل المنشود نهاية سبتمبر/أيلول من العام ذاته، وعجت القاعة بالجمهور الذي قضى ساعتين في الاستماع إلى أشهر أغاني الراي، ثم صدر التسجيل في ألبوم مُستقل بعنوان «1،2، 3 شموس». حفل قاعة بيرسي سيكون نقطة التحول الحقيقية في موسيقى الراي. غداة ذلك التاريخ بات من المباح الحديث عن عالمية الراي، وليس قبله. كرة واحدة في شباك البرازيل كانت سبباً في تحديد مصير موسيقى ولدت مطلع القرن العشرين. توالت بعدها ديوهات مغنيي الراي مع أسماء عالمية، تواصل إصدار ألبوماتهم، وزادت رقعة نجاحاتهم، صاروا أسماء مطلوبة في الميديا وفي المهرجانات. لكن كل ذلك لم يكن ليحصل لو أن زين الدين زيدان غاب عن ملعب «ستاد دو فرانس» يوم 12 يوليو 1998 أو لم يسجل هدفاً ذلك اليوم.

روائي جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية