لعلّ من أجمل ما قيل ويقال في البحر قصيدة بودلير «الرجل والبحر»، فهو مرآة، نتملّى فيها أنفسنا في الموجة التي تمشّط شعر أختها الموجة، فيما الروح ليست بالدوّامة ولا بالهاوية الأقلّ مياها أو مرارة. ونحن نغطس في صورنا مستمتعين، ونحضنها عيونا ونطويها سواعد؛ على حين يتسلّى القلب، وهو ينفصل عن وجيبِه الدائب؛ ويصغي لهذا الأنين الوحشيّ الجموح الذي لا يرعوي؛ وهو بين مدّ وجزر.
في أواخر آب (أغسطس) من سنة 1958، صحبت والدي إلى سوسة. لم نكن من أهل السّواحل، وأنا ما رأيت البحر قبل ذلك إلاّ في سينما «باريس» في القيروان. كان الأطفال يسبحون في فسقيّة الأغالبة. ولم أكن أحبّ السّباحة؛ وليس بيني وبين الماء ألفة أو مودّة. كان جدّي للأمّ قد باع صابة القمح سنة 1956 في مدينة سوسة، وعاد إلى «عين مجونة» التي ولدت بها. عاد جدّي وقد شحن على عربته المجرورة قاربا قديما؛ ولمّا سأله أخوه وهو جدّي للأب: «ما هذا يا خويْ»؟ ردّ: «هذا قارب، «فلوكه» كالعربة، لكنها تسير في الماء»؛ وضحك الحاضرون: «وأين هو البحر يا أحمد؟ أنت في عين مجّونة، في أرياف القيروان»؛ وهو يعاند: «وما له؟ وما أدراكم؟ ربّما يأتي البحر ذات يوم!». دفع بي أبي إلى الماء، وهو يوصيني: «لا تبتعد كثيرا؛ ادخل حدّ السرّة؛ نحن وحدنا على الشّطّ، وليس هناك منقذ أو منجد». كان الشّطّ قد خلا من روّاده، إلاّ من رجل وامرأة شبكا يديهما، وابتعدا، وهما يحفران خطْوَهُما في الرّمل، والموج يمحو؛ هما يخطّان والموج يمحو. خرجت من الماء وأنا أرتعش، وأبي يسأل: «ما لك؟ هل الماء بارد؟»، وأنا أضمّ ركبتيّ: «لا! الماء دافئ، ولكن؟»؛ وفهم أبي أنّي أريد قضاء حاجتي، فقهقه: «يا مسكين! افعلها في البحر»، وأنا أحتجّ: «سِيدي!»، ورفضت أن ألوّث الماء. ركضت بعيدا؛ ثمّ عدت، وثنيت ركبتيّ أنبش في الرّمل بأصابعي الرّقيقة النّحيفة؛ وأبي يسأل: «ماذا تفعل يا ولد؟» ودون أن أرفع رأسي: «أحفرُ ساقية». ثمّ سألت: «سِيدي»، لماذا لا يأتي البحر إلى القيروان؟». حار أبي، وهرب بعينيه بعيدا. ومضيت أنا أحفر ساقيتي، حتّى قال لي: «هيّا يا! سنغادر» صار الطّقس باردا. خذّ مكانك في الكرسيّ الخلفيّ.»؛ وساق أبي سيّارته التراكسيون على مهل؛ وأنا وراءه أربّت على كتفه: « سِيدي..إنّه وراءنا يلاحقنا»؛ وأبي يتحسّس أصابعي: «من؟ من هذا الذي يلاحقنا؟». قلت: «البحر!»؛ وهو يسأل: «ما له البحر؟»؛ وأنا أرجّ كتفه بكلّ جهدي: «إنّه يتبعنا! لقد شقّ السّاقية!». نظر أبي مذهولا في المرآة العاكسة؛ ثمّ إلى الخلف. يا إلهي.. ماء البحر يغمر الطّريق الضّيّقة وراءنا، والموجات تتدافع في رفق إلينا.
بعد كلّ هذه السنوات، أقرأ أنّ عبد المنعم بن محمد بن ابراهيم الكندي، ت 1043م، وهو مهندس قيرواني قال فيه الإمام المازني لم تمنعه الإمامة في الفقه عن الإمامة في الهندسة؛ كان قد فكّر في جعل القيروان مرسى بحريّا، يجلب الماء من ساحل تونس إليها (أي سوسة وما جاورها، وكانت تسمّى قديما ساحل القيروان)؛ وقيل إنّه وضع رسالة في هذه الفكرة المائيّة العجيبة.
أقرأ ولا استغرب. فربّما كان «سي عبد المنعم» صاحب مبادرة استشرافيّة، كانت من وحي هذه العربيّة الشاعرة من نفسها، حيث المبادرة للكلمات وهي تتكلّم على أثر ما تقوله اللغة بصوت خفيض أو بصمت أقّل.
ولفظ «بحر» لفظ مراوغ، والعرب تسمّي الماء المِلْح والعذب بحرا إذا كثر. ولكنّه غلبَ على الملْح حتى قلّ في العذب. بل قال بعضهم كلّ نهر ذي ماء فهو بحر، وكلّ نهر لا ينقطع ماؤه مثل دجلة والنيل، وما أشبهها من الأنهار العذبة الكبار، فهي بحار.
وأمّا البحر الكبير الذي هو مَغيض هذه الأنهار الكبار، فلا يكون ماؤه إلاّ ملْحا أجاجا راكدا. وأمّا هذه الأنهار العذبة فماؤها جار. وعرّف الفارابي البحرَ بنقيضه فقال: «البحر نقيض البرّ».
ولقد تصوّر البحر، في كثير من تراث العرب، في هيئات تكاد ترجّح كلّها معاني الهيبة والرهبة والريبة والخوف من هذا «المخلوق العجيب»؛ وذلك منذ أن أنشد امرؤ القيس «وليل كموج البحر…» بالرغم من أنّ أسلافنا تقبّلوا دون مشاحة، إطلاق الخليل بن أحمد لفظ «بحر» على أوزان شعرهم.
أمّا الوجه الأول حيث تتكلّم اللغة، فيرينا و يسمعنا ما تحمله اللغة في مطاويها، فيجد سنده في معاني الجذر «ب.ح.ر» وفي تقاليبه وصفات أحرفه ومخارجها. وقد ذكر غير واحد من علماء اللغة العرب أنّ البحر هو كلّ مكان واسع جامع للماء الكثير، وأنّ العرب سمّوا كلّ متّسع في شيء بحرا. وأثبت غير واحد منهم أنّ من أسباب تسميته بحرا، اتساعه، وانبساطه، وعمقه وشقّه؛ لأنّه شُقّ في الأرض شقّا. وتنبّه بعضهم، ومن أشهرهم ابن فارس في «مقاييس اللغة»؛ إلى أنّ في تقاليب جذره (رحب وحبر وبرح وحرب وربح) معنى السعة والشدّة والداء والخلاء والمشقّة، وما إليها من المعاني التي يتولّد بعضها من بعض، في تأصّل وتفرّع، على مقتضى قانون «الاشتقاق الأكبر».
ومن ثمّة قالوا المكان الرحب هو الواسع. وكذلك الرحيب والرحْبة وهي الفجوة الواسعة بين دُور وغيرها. وقال ابن فارس: «الراء والحاء والباء أصل واحد يدلّ على السعة». وقالوا البَراح المُتّسع من الأرض لا زرع فيه ولا شجر. فصورة البحر مضطربة قلقة أشبه بظل خيالي يكاد لا يثبت على حال، حتى أنّها تقترن بالمكان الخلاء أو القفر والفقر معا، حيث الكرة الأرضيّة نفسها كرة مائيّة.
أمّا في الفرنسيّة فلفظة بحر mare مأخوذة من الأصل اللاتيني merمع أنّ الفرنسيّة احتفظت بهذا الأصل، لكن بمعنى: بركة ورزنة (أكمة تمسك الماء) ومغيض ومستنقع. وما يشدّ انتباهي أنّ الفعل «مار» في العربيّة يحمل بعض هذه المعاني. فمن معاني «المَوْر» الموج، وهو من مار أي تحرّك وتردّد وجاء وذهب. وفي القرآن «يومَ تمورُ السماءُ…» أي تموجُ موجًا. وفي حديث ليلى بنت قائف الثقفيّة (وهو ليس حديث ليلى رواية السلوفاكي أديسلاف مناتشكو): «فوجدنا سفينة قد جاءت من مَوْر» قيل هو اسم موضع سمّي به لموْر الماء فيه أي جريانه. واللّغة تتطوّر والكلمة لا تمضي على ثبات وديمومة، وإنّما هي بين انتشار وانحسار.
فيتوسّع المدلول الذي يتولّد منه توسيع في المعنى. أو تضمحلّ الكلمة باضمحلال الشّيء الذي تسمّيه. وهذا لا يحدث عادة إلاّ بعد حقب متطاولة، فلا يعود للكلمة من وجود سوى الوجود الأدبيّ، ومن وظيفة سوى الوظيفة الأدبيّة أو الشّعريّة. غير أنّ الكلمة تثوي في مقبرة اللّسان قبل أن تضمحلّ، أشبه ما تكون بشاهدة القبر.
أمّا الوجه المثير حقّا فمردّه إلى ما جاء في معاجم العربية من أنّ من معاني البحر: «عمْق الرحم». وهو معنى ينعطف في أعطاف قصّة الكاتبة التونسيّة الراحلة حفيظة القاسمي «مرج الحياة»؛ عندما شعرت البطلة أنّها ستموت غرقا: «عاصفة ابتلعت كلّ شيء وسكنت. شعرت أنّي أتفلّت من جسدي كجنين. فيضاء العالم بآلاف المصابيح أمامي. كان ضوءا أبيضَ.. ثلجا نقيّا، شعاعا.. مِمْحاة لكلّ الألوان… لقد أصبحت شكلا آخر شفاّفا… أشبه بنفثة دخان رقيق، أو بطبقة من البخار يتحلّل في الحرّ…»
وإنّه لمن اللاّفِت أنّ البحر في التحليل النفسي، هو رمز الرحم. وهو في معاجم العربية «عمق الرحم» كما أسلفت. على أنّي لا أملك مؤهلات التحليل النفسي للنصوص، ولكنّي أقول استئناسا بـ«مرج الحياة» وبنصوص أخرى، أنّها هروب إلى البحر، ومنه في ذات الآن. بل ألا تبطن نصوص البحر عندنا، على ندرتها وتفاوت قيمتها؛ نزوعا لا شعوريا إلى العودة إلى رحم الأمّ، أو توقا إلى ولادة «معكوسة»، كما هو الشأّن عند السرياليين؟ أو كما يحلم هؤلاء التونسيّون والتونسيّات الذين «يحرقون» إلى الضفّة الأخرى من المتوسّط.
يعرف الذين يعيشون الكتابة، ويعانون محنة اللفظ، أنّ الكلمة مائيّة على رأي الطائي: «وكيف؟ ولم يزلْ للشعر ماءٌ// عليه يرفّ ريحانُ الكلامِ»؛ إذ يمكن أن تفلت وتتملّص وتهرب، إذا لم نضعها في مكانها، فنخوّض باحثين عنها؛ وهي تضحك منّا في زاوية ما من النصّ، أو هي ترمقنا بنظرة ساخرة؛ فنمسك بها من ذيلها، ونعيدها إلى موضعها، وقد نغلق عليها بنقطة أو بهلالين أو مزدوجتين.
إذن لعلّ شاعرنا بودلير لم يرَ المرآة، لأنّه كان مشغولا عنها بمرآة أخرى داخليّة؛ يتملّى فيها ذاته المتوارية خلف ألف قناع وقناع. لكن لماذا لا يكون هذا الجسد اللامرئي جسد الحلم؟ فهو ينسلخ من صاحبه مثلما ينسلخ الانسان من جسده في الحلم، فلا سلطان إلا سلطان الجسد منسلاّ من نقطة ما في غياهب اللاشعور، متحررا من ماء الظاهر والعادة.
*كاتب من تونس