كان للثنائي التشكيلي كريستو وجان كلود، طرقاً مختلفة في التعبير الفني داخل حركة الواقعية الجديدة، كتغطية مبانٍ تاريخية ومعالم أثرية بأمتار هائلة من القماش، وكذلك تغليف الأشجار ومساحات من الجزر، بأنسجة شفافة وخامات ملونة. ووضع بعض المجسمات والأشياء فوق المياه، وبين الجبال، وفي الحدائق الكبرى، ووسط أماكن الطبيعة الخلابة. ولتحقيق هذا وتنفيذه، كان الأمر يستلزم سنوات طويلة من التجهيز والإعداد، ومفاوضات من أجل الحصول على الموافقات الرسمية، وميزانيات بأرقام ضخمة قد تصل إلى الملايين. والغريب أنه بعد كل هذا الجهد الفني والمادي، كان العمل يُعرض لوقت قصير محدد، ثم يتم هدمه وتفكيكه، فلا يبقى من آثاره سوى بعض التذكارات، والصور الفوتوغرافية التي التقطت أثناء عرضه.
وُلد كل من كريستو وجان كلود، في يوم الثالث عشر من يونيو/ حزيران سنة 1935، لكن كريستو وُلد في بلغاريا، بينما وُلدت كلود في مدينة الدار البيضاء في المغرب، ثم التقى الفنان البلغاري مع الفنانة الفرنسية في باريس في الخمسينيات، لتبدأ رحلة الحب والزواج والفن المشترك. وإذا كان يوم الميلاد قد جمعهما، فإن تاريخ الوفاة فرّق بينهما، ذلك أن جان كلود توفيت سنة 2009، ولحق بها كريستو الذي توُفي سنة 2020. وخلال تلك السنوات التي عاشها وحيداً، بعد رحيل حبيبته وزوجته وشريكته الفنية، استمر في تقديم أفكارهما، وتنفيذ ما تبقى من أحلامهما التشكيلية، وهو ما كانا يحرصان عليه أشد الحرص، إلى درجة أن كلا منهما كان يسافر على متن طائرة غير التي يستقلّها الآخر، لكي ينجو أحدهما إذا وقع حادث لإحدى الطائرتين، ويتمكن من إكمال مشاريعهما الفنية. وهذا الأمر على غرابته، ربما يعود إلى خوفهما من أن يكون موتهما مُقدراً في اليوم ذاته، كما كان يوم مولدهما.

الارتحال الفني
يمكن وصف فن كريستو وجان كلود، بأنه فن مرتحل غير مستقر، يلتحم بالطبيعة ويشتبك مع الحياة، لا يحفل بالبقاء، ولا يؤرقه هاجس الخلود، ولا يخوض ذلك الصراع الرهيب، الذي يخوضه الفن عادة مع الفَناء وسلطة الزمن. فهو فن حي متحرك متغير، تتبدل أحواله ما بين العدم، والوجود المؤقت، وعدم الوجود، كالعرض المسرحي على سبيل المثال، الذي يُؤدى لفترة معينة من الزمن، ثم ينتهي، ويُشاهَد إذا كان قد تم تسجيله، وإذا لم يُسجل، فإنه ينمحي من الذاكرة الفنية تماماً، إلا إذا تم تداوله شفهياً، أو حفظته بعض الكتابات المطبوعة، التي ذكرت اسمه أو تناولته بالنقد. وكما أن جمهور العرض المسرحي يكون محدوداً، والمقصود هنا هو الجمهور الذي يحضر فعلياً داخل المسرح، بينما تتحقق المشاهدة الأكبر للعرض المسرحي من خلال النسخة المسجلة. فإن فن كريستو وجان كلود حتى أثناء عرضه، يكون جمهوره محدوداً، ولا يزيد عن مجموعة من قاطني المكان الذي أقيم فيه العمل الفني، والقريبين منه، والزائرين له من السائحين الأجانب، والمتخصصين والمهتمين بالفنون التشكيلية بطبيعة الحال، لكن تبقى الصور الفوتوغرافية، والكتالوجات الفنية، ومقاطع الفيديو والمتاحف، هي الوسائل التي تتيح للمتلقي، الاطلاع على هذا الفن وتأمله.
كضيف على الأرض، كان فن كريستو وجان كلود ينطلق متحرراً خارج الأطر المحددة، كما لو أنه ينفلت بإرادته من قيود الزمان والمكان، فيرفض أن يكون زماناً متجمداً أو مكاناً سائلاً، ويقول للخلود: أنا لا أكترث بك. على الرغم من أنه خُلّد بالفعل، لكنه لم يُخلّد من خلال وجوده المادي في مكان ثابت، حيث أن كريستو وجان كلود، كانا يقيمان عملهما في أحد الأماكن، ثم يهدمانه ويبارحان هذا المكان بحثاً عن مكان آخر، وهكذا كانا ينتقلان من البناء والتجديد، إلى الفَناء والعدم في ارتحال فني دائم. قد تكون أفكار هذين الفنانين غامضة قليلاً، وفنهما غريباً إلى حد ما، وربما يدفع البعض إلى التعجب والتساؤل، هل هذا فن فعلاً؟ وهل الأمر بهذه البساطة كما يبدو؟ مجرد تغطية للأبنية بالأقمشة، ووضع مجسمات وأشياء وسط الطبيعة؟ أم أن وراء هذا معاني أخرى، تستطيع أن تخلق فناً مُعترَفاً به. الإجابات على هذه الأسئلة سوف تأتي بشكل فردي، لكل شخص يطلع على أعمالهما الفنية ويتأمل أفكارهما التشكيلية، وستختلف هذه الإجابات من فرد إلى آخر، حسبما تتركه الأعمال الفنية من أثر في نفسه، وما يشعر به ويوحي إليه ما يراه، وإحساسه بأنه مَرّ بتجربة فنية بعد تعرضه لأحد الأعمال. كل هذا هو ما يجعله يقرر، ما إذا كان يعترف بما صنعه هذان التشكيليان، كفن حقيقي أم لا.

الخفاء والظهور
ربما تكون الأعمال الفنية لكريستو وجان كلود، المرتبطة بالخفاء هي الأكثر شهرة، أو هي الأكثر إثارة للفضول بغرابتها وغموضها. ويمكن القول إن هذا التغليف للأبنية الأثرية والمعالم التاريخية المشهورة، يُمثل فناً مستقلاً بذاته لديهما، ويشبه الحدث الكبير الصاخب، الذي تتناوله الصحف ووسائل الإعلام المرئية، منذ الإعلان عن الفكرة، واختيار المكان، والحصول على الموافقة، ومرحلة تصميم وبناء العمل، ثم عرضه وهدمه في ما بعد. ومن أشهر الأبنية التي قاموا بتغليفها، مبنى الرايخستاغ في ألمانيا. قد يحار المرء قليلاً أمام مثل هذه الأعمال، لكن لا شك في أن الخفاء يحرك الخيال، حيث يهيم الذهن ويتصل بأساطيره الخاصة، وكان كريستو وجان كلود يمارسان الخفاء، في أغرب مظاهره وأشدها إمعاناً في الغموض، حيث يغيب الأصل تماماً ويختفي كلياً عن أعين الناس، ليُخلق ظهور جديد للمبنى، الذي يظل قائماً ومرئياً، لكن في هيئة جديدة مغايرة للأصل. من الصعب معرفة البواعث التي كانت تستحثهما على تغليف الأبنية بهذا الشكل، وكيف تولدت الفكرة لديهما، وما هو أثرها الحقيقي في المخيلة، فهما يخفيان هيئة لإظهار هيئة أخرى، وكذلك تتغير هذه الهيئة في أوقات اليوم المختلفة، بتأثيرات الضياء والظل، والعمق والمنظور، وحيوية الخطوط وانسيابيتها.
في مرسم الطبيعة
كانت الطبيعة والفضاءات الواسعة هي المرسم الخاص، الذي يمارس فيه كل من كريستو وجان كلود، فنهما وإبداعاتهما المختلفة، وبحثهما الدائم عن قيمٍ تشكيلية جديدة. وكأن العالم كله كان يقع تحت بصرهما، فيتأملانه جيداً، وينتقيان هذه البقعة أو تلك، وينتقلان من قارة إلى أخرى، وينشران فنهما في شتى أماكن الأرض، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً. هذه المساحات الشاسعة وسط الطبيعة، كانت تتيح لهما ما لا يستطيعان فعله داخل الجدران المغلقة، لأنه مهما كبر حجم اللوحة المعلقة داخل مرسم، لا يمكن رسم آلاف المظلات أو البوابات مثلاً على هذه اللوحة، أو متابعة جريان سياج لآلاف الكيلومترات في عمقها. ويشعر المرء أحياناً بأنهما كانا كالأقدمين في العصور الغابرة، يضعان آثارهما الفنية حيثما ذهبا، لأنهما يرغبان في فعل ذلك، دون العمل من أجل الحفاظ عليها لمدة طويلة، وإبقائها في أماكنها. ومن المعروف أن كريستو وجان كلود، كانا يقومان بعد تفكيك العمل الفني وهدمه وإزالته، بإخضاع المواد والخامات التي استخدماها في تنفيذه لعملية إعادة تدوير. كان فنهما ينصهر مع الطبيعة، يناجيها ويقيم حواراً معها، وهناك من كان يرى فيه اعتداءً عليها وتشويهاً لها. كما أن وجود هذه الأعمال الفنية في الهواء الطلق، كان يمنحها المزيد من الاختلاف والصفات الخاصة، لأنها كانت تتغير باستمرار أمام الرائي، بسبب تأثرها بعوامل النور والظلام، وانعكاس أشعة الشمس عليها، وتأثيرات الرياح التي تحرك بعض الخامات، وأصوات اهتزاز الأشجار مثلا واحتكاكها بالأقمشة التي تغطيها، كما أن انعكاس الأشعة الوضاءة على الأشجار، يجعلها تبدو في مظهر خيالي غامض. هذه اللوحات المرسومة وسط مناظر الطبيعة تحقق رؤى مختلفة، وأكثر من منظور لدى المتلقي، الذي طالعها على الأرض في مكانها وقت عرضها، حسب الجزء الذي رآه من العمل، والزاوية التي نظر من خلالها، فبعض هذه الأعمال الفنية كان كبيراً هائلاً، يستحيل أن يرى الناظر جوانبه كافة، أو أن يسير بمحاذاته مثلاً من بدايته إلى نهايته. وكذلك تختلف الصور المُلتَقطة للعمل الواحد، سواء من ناحية المنظور والزوايا، وبيان النسب الهندسية والخطوط والسطوح، وانعكاس النور الشديد على الألوان القوية مثلاً، وتكوين الشكل نفسه، ووجوده في هذا المكان تحديداً وسط الطبيعة، وتفاعله معها، وما يضيفه إليها وتضيفه هي إليه.

كان يتم الاعتماد أحياناً في تنفيذ هذه الأعمال على لون واحد، كاللون الأبيض الذي استخدم في صناعة أقمشة السياج الجاري، وسط الجبال في إحدى المناطق الأمريكية. واللون الأزرق الذي استخدم في تنفيذ العدد الهائل من المظلات، بتكوينات وتشكيلات متعددة، وكان مكان هذا العمل في اليابان. أما اللون الأصفر فتم اختياره من أجل البوابات، العمل الفني الذي وُضع في حديقة سنترال بارك في نيويورك، وكان هناك عدد هائل من هذه البوابات الصفراء أيضاً. من يطالع صور هذه الأعمال، قد يستغرب أفكارها، لكنه قد يشعر أيضاً بتأثير فني ما، وربما كان هذا الأثر أقوى عند من تعرضوا للعمل الفني بشكل مباشر، فوقفوا تحت المظلات أو إلى جوارها، وعبروا بأجسامهم خلال البوابات، أو ساروا قليلاً بمحاذاة السياج الجاري. ومن أجمل أعمالهما التي تم تنفيذها وسط الطبيعة، مصطبة لندن The London Mastaba، تلك المصطبة التي تم وضعها فوق مياه بحيرة سيربنتاين في حديقة هايد بارك، وفي هذا العمل بدا تأثرهما بالفن الفرعوني، فالمصطبة نوع من أنواع المقابر لدى الأجداد من المصريين القدماء. وتتميز المصطبة بهيئتها المرتفعة فوق الأرض، وجدرانها المائلة باتساع نحو الخارج من ناحية القاعدة، وضيق نحو الداخل كلما ارتفعت إلى الأعلى، وهي على العكس من الهرم ذات سقف مُسطّح.
كاتبة مصرية