كريغ أونغر في «عرين الجواسيس»: التفاوض السري بشأن رهائن السفارة الأمريكية في طهران أدى إلى خسارة كارتر الرئاسة

سمير ناصيف
حجم الخط
0

هذه المراجعة هي المساهمة الأخيرة للزميل الكاتب والصحافي اللبناني سمير ناصيف (1947 – 2025) الذي غادرنا يوم 6 أيار (مايو) الجاري، بعد 20 سنة من العمل في صحيفة «القدس العربي» محرراً ومترجماً، بينها مواكبة العدد الأسبوعي منذ انطلاقته في ربيع 2014 عبر نشر مراجعات معمقة لعشرات الإصدارات النوعية. ويُذكر للراحل انحيازه إلى قضايا التحرر وحقوق الإنسان والتقدم والتنوير، وتركيزه على مؤلفات تنصف تواريخ الشعوب من منظورات سياسية واجتماعية واقتصادية وإنسانية.

هل حلت ديمقراطية الفضائح في مكان ديمقراطية برامج المرشحين للرئاسة في أمريكا والعالم في الفترة الأخيرة من القرن العشرين والعقود الأولى من القرن الواحد والعشرين؟
هذا سؤال يطرحه كتاب صدر مؤخراً لصحافي أمريكي مرموق عمل في أبرز الصحف والمجلات الأمريكية وأخرى بحثاً حول التعامل الأمريكي السياسي والأمني مع نظام الثورة الإيرانية في بدايته، بقيادة آية الله الخميني، بحيث قدّم الأمريكيون حوافز عسكرية ومالية في مقابل تنفيذ مشاريع رئاسية أمريكية سعى إليها بالتحديد الحزب الجمهوري الأمريكي منذ نهاية سبعينيات ومنتصف ثمانينيات القرن الماضي. وبالتالي تم تنفيذ «عملية مقايضة» تخالف القوانين الأمريكية.
الصحافي كريغ أونغر، الذي كان مدير التحقيقات الصحافية الدولية في مجلة «نيوزويك» الأمريكية بعد تسلمه مناصب بارزة في صحف ومجلات أخرى، تناول هذا الموضوع في كتابه الأخير «عرين الجواسيس»، حيث قال إن اتفاقاً سرياً أجراه ويليام كايسي مدير الحملة الانتخابية للمرشح للرئاسة دونالد ريغان مع ممثلين لنظام آية الله الخميني الجديد لتأخير الإفراج عن الرهائن الأمريكيين المحتجزين في السفارة الأمريكية في طهران حتى بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية، لكي يتاح المجال لفوز ريغان على الرئيس جيمي كارتر ولكي لا يستخدم كارتر نجاحه في عملية الإفراج للتجديد لولايته الرئاسية لولاية ثانية.
ويشير أونغر إلى أن مشروع كايسي وريغان قد نجح، وأصبح كايسي لاحقاً مدير «وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية» (CIA) حتى وفاته في عام 1987، وخدم ريغان ونائب رئيسه جورج بوش الأب، بعد ذلك في مجموعة من العمليات الخارجية الدقيقة وبينها عملية تبادل أسلحة مع إيران في مقابل الإفراج عن رهائن أمريكيين محتجزين في لبنان من جهات مؤيدة لإيران الثورة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي نفذت بدورها بنجاح وقد سميت العملية الأولى لعام 1980 «مفاجأة أكتوبر» والعملية الثانية «إيران ـ كونترا».
وقد بدأ أونغر أبحاثه المعمقة ومقابلاته مع مسؤولين من شتى الجوانب في عام 1991، أي في السنة الأخيرة من الحملات الرئاسية للمرشح الجمهوري جورج بوش الأب ضد المرشح الديمقراطي بيل كلينتون والتي كان يرجح فيها فوز بوش الأب، ولكن الحملات الصحافية والشعبية ضد بوش رجحت كفة كلينتون، ليس فقط بسبب فضيحة «إيران ـ كونترا» ولكن تلك القضية لعبت دوراً رئيسياً في خسارته برغم الإفراج عن الرهائن الأمريكيين في لبنان.
ومن أهم الأمور التي يطرحها أونغر المؤيد للحزب الديمقراطي الأمريكي والتي لم يتم إثباتها بشكل مبرم سوى عبر أقوال شهود ربما كانت لديهم دوافعهم الخاصة.
من الأسئلة التي طرحت في هذا المجال، صحة جميع ما قالوه عن أن جورج بوش الأب رافق المسؤول ويليام كايسي في اللقاء مع مبعوثين للنظام الثوري الإيراني جرى في مدريد عام 1980 لمحاولة إقناع قائدهم آية الله الخميني بتأجيل الإفراج عن الرهائن الأمريكيين في السفارة الأمريكية في طهران حتى ما بعد الإعلان عن نتائج انتخابات 1980 الأمريكية وفوز ريغان بالرئاسة وبوش الأب بنيابة الرئاسة على حساب كارتر ونائبه والتر موندايل.
ويؤكد أونغر أن الأسلحة التي أُرسلت إلى إيران في مقابل تأخير الإفراج عن الرهائن في عام 1980 بلغت قيمتها ملايين الدولارات، برغم أن الجمهوريين الأمريكيين لم يكونوا في السلطة لدى إرسالها آنذاك إلى إيران، ما يعني أن جهات أخرى كانت ترغب بخسارة كارتر سباق الرئاسة وفوز ريغان به. ويتكهن الكاتب بأن بين هذه الجهات كانت إسرائيل، تحت قيادة مناحيم بيغين، وربما لوبيات الأسلحة في أمريكا التي تعاونت مع ويليام كايسي. هذا على الرغم من أن كارتر ساهم مساهمة فعالة في التوصل إلى اتفاقيات السلام الأولى في كامب ديفيد بين مصر بقيادة الرئيس أنور السادات وإسرائيل تحت قيادة بيغين في أواخر السبعينيات. وقد نفّذ كايسي والجمهوريون العملية برغم أن كارتر كان قد اتخذ قراراً بحظر بيع الأسلحة إلى إيران بسبب سياساتها المعادية للسياسات الأمريكية في المنطقة. ولكن كلما طال الوقت للإفراج عن الرهائن الأمريكيين في السفارة الأمريكية في طهران ترافق ذلك مع انخفاض في شعبية كارتر، إذ كانت تلك القضية المسألة الأولى المؤثرة في قرارات الأمريكيين الرئاسية آنذاك، حسب قول الكاتب.
وقد بذلت الجهات الأمريكية المؤيدة للحزب الجمهوري مجهوداً كبيراً بعد فوز ريغان في دحض ونفي الاتهامات بضلوع كايسي والجمهوريين في عملية «مفاجأة أكتوبر» حتى بعد وفاة كايسي. وعانى المؤلف أونغر الكثير في سبيل نشر ما لديه من معلومات حولها في المجلة التي كان يعمل فيها «نيوزويك» وغيرها بسبب تدخل نافذين في الأوساط الأمريكية لمنع ذلك. ومن الأشخاص الذين تدخلوا لمنع النشر، مالكة مجلة «نيوزويك» كاثرين غراهام وتأثرها بوزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر وصاحب «مجموعة روكفلر» ديفيد روكفلر، مالك مصرف «تشايس مانهاتن» ونائب الرئيس الأمريكي السابق جيرالد فورد الذي تولى الرئاسة لفترة بعد استقالة ريتشارد نيكسون. والثلاثة كانت لهم مصالح مالية في عمليات تبادل الأسلحة مع إيران في عهد الشاه وبعد ذلك ساهموا في السماح لشاه إيران بدخول أمريكا للمعالجة الصحية مما سبب في احتجاز الرهائن الأمريكيين في سفارة بلادهم في طهران. وقد دخل شاه إيران إلى أمريكا للمعالجة في 22 تشرين الأول/أكتوبر 1979 واحتُلت السفارة الأمريكية في طهران بعد ذلك باسبوعين في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1979 وقد استمر احتلال السفارة 444 يوماً.
وتجدر الإشارة إلى استقطاب ويليام كايسي لشقيقين إيرانيين مقربين من نظام الثورة، سايروس وجمشيد هاشمي. وكانا (حسب المؤلف) ربما عميلين مزدوجين، فنظم سايروس الأكثر نفوذاً بينهما اجتماعين لكايسي في مدريد إسبانيا، الأول في تموز/يوليو 1980 والثاني في تشرين الأول/أكتوبر 1980 مع المسؤول الإيراني المقرب من القيادة الخمينية مهدي كروبي ومسؤولين آخرين تقرر خلالهما عقد صفقة «مفاجأة أكتوبر». وقد تعهد كايسي لكروبي بالإفراج عن أموال إيران المجمدة في أمريكا في مقابل الإفراج عن الرهائن في الموعد الذي يناسب إعادة انتخاب ريغان، (40 إلى 42). علماً أن تأكيد هذا اللقاء في مدريد عام 1980 أتى من جمشيد هاشمي الشقيق الأقل نفوذاً وذلك بعد وفاة شقيقه سايروس عام 1986 ومفارقة بيل كايسي الحياة عام 1987، حسب الكتاب. كما سرت أخبار، ربما إشاعات، أن جورج بوش الأب حضر اللقاءات في مدريد برفقة كايسي عندما كان نائباً للرئيس. وهذه الأخبار نشرتها صحف أمريكية معارضة للجمهوريين في عام 1991 للمساهمة في إضعاف شعبية بوش الأب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وخصوصاً بعد مواقفه في مؤتمر مدريد للشرق الأوسط عام 1991.
ويشير الكاتب إلى أن إسرائيل لعبت دوراً رئيسياً في عملية تزويد ونقل الأسلحة الأمريكية إلى إيران في عمليتي «مفاجأة أكتوبر» في عام 1980 و«إيران كونترا» في منتصف الثمانينيات.
وحسب المؤلف، شعر كايسي والذين يعتنقون خياراته في إسرائيل أن «أخطاء كارتر أدت إلى خسارة إيران الشاه كحليف أساسي لأمريكا ولإسرائيل، وقضت على الحلف الثلاثي بين أمريكا وإسرائيل وإيران الشاه، وأن الطريق الأسرع والأفضل لاستعادة العلاقة الثلاثية بين الدول الثلاث وانضمام إيران الثورة إليها كان تزويدها بالأسلحة برغم أن الرئيس كارتر كان يعارض ذلك. كما أقام كايسي علاقات سرية حساسة تتجاوز الأعراف مع دول أخرى غير إسرائيل ومع مصارف مشبوهة دولية مستعدة لتمويل صفقات أسلحة سرية غير قانونية ومع تجار أسلحة سيئيّ السمعة في العالم وسفن لنقل البضائع الممنوعة». (ص 60 ـ 61)، كما أبرم صفقات مع عملاء «منتقلين» من المعسكر السياسي السوفييتي إلى المعسكر الذي تقوده أمريكا، وبينهم المسؤول السوفييتي الاستخباراتي البارز في منتصف الثمانينيات أوليغ غوردييفسكي. ما ساهم في تقريب روسيا والغرب في عهد ريغان. كما طُرحت أسئلة حول إمكانية أن تكون الاستخبارات السوفييتية صفّت سايروس هاشمي عن طريق تسميمه لدوره في عملية «مفاجأة أكتوبر» عام 1980.
وهناك قضية أخرى في الكتاب مرتبطة بالقضية الأولى حصل المؤلف بواسطتها على معلومات في قضايا الإفراج عن رهائن أمريكيين وأجانب في مقابل السلاح لإيران الثورة، وقد أبلغه تفاصيلها في لقاء معه العميل الإسرائيلي السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية آري بن مناشي… وهنا أيضاً أتت المعلومات والتنفيذ بإشراف ويليام كايسي ولكن بعدما أصبح مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «CIA».
بن مناشي كان مقيماً في استراليا ولكن الكاتب استقطبه للقاءات في أمريكا بينها أحدها في لوس انجليس في 10 تشرين الأول/أكتوبر 1991 حول هذا الموضوع والآخر في نيويورك. أحد الأمور الإضافية لما ذُكر عن لقاءات الكاتب مع الأخوين هاشمي ان بن مناشي أبلغه بأن «أحد دوافع إسرائيل الأساسية والرئيسية للمساهمة في تسليح إيران في عام 1980 كان حذرها وتخوفها من تصاعد قوة النظام العراقي بقيادة الرئيس صدام حسين والدعم المادي الذي كان يتلقاه للتسلح، في وقت كان العراق على عتبة حرب متوقعة ضد نظام الثورة في إيران بعد سقوط الشاه»، (ص 94). ومثل هذا التطور، خشيت إسرائيل أن يمتد إليها ويؤثر على أمنها.
وبالتالي، سعت قيادات إسرائيل الأمنية خصوصاً إلى محاولة تكذيب المعلومات التي كان بن مناشي يوفرها للكاتب واعتبرت انها أتت «نتيجة لدوافعه الخاصة لتشويش التحقيق». ولكن محاولات إسرائيل «حرق» مصداقية بن مناشي أتت من مصادر عليا إسرائيلية بينها مسؤول سابق أُقصي من الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية في فترة عمل بن مناشي فيها هو يهوشوا ساغي، ومن المسؤول ديفيد كيمحي، مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية ونائب مدير «الموساد» في ثمانينيات القرن الماضي. والإثنان عملا في الشؤون الإسرائيلية في لبنان وفي موضوع الرهائن عموماً، بينما كان بين مؤيدي صحة أقوال بن مناشي كُتّاب وصحافيون غربيون كبار كسيمور هيرش وروبرت باري وغيرهما، علماً أن بن مناشي فضح أدوار عملاء كبار لإسرائيل في الإدارتين الأمريكية والبريطانية، بينهم مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق روبرت ماكفارلاند، الذي كان يستخدمه كايسي كمبعوث للتفاوض مع إيران حول الإفراج عن الرهائن، بعد تشغيله من قبل المسؤول الإسرائيلي رفائيل ايتان للانخراط في الاستخبارات الإسرائيلية حسب قول الكاتب.
وانطبق الأمر على روبرت ماكسويل صاحب مؤسسة الـ «ميرور» الصحافية والنائب السابق في مجلس العموم البريطاني، الذي مات بظروف ما زالت غامضة، بعد أن كان أحد ضحايا بن مناشي الذي فضح عمالته لإسرائيل وذلك في مقابلة تحولت كتاباً للصحافي المرموق سيمور هيرش.
ويعترف الكاتب أنه تعرض لهجوم لم يتعرض له في حياته الصحافية عندما قرر في عام 1991 تناول قضية تزويد إسرائيل وأمريكا لإيران الثورة بالأسلحة في عامي 1980 و1986. والهجوم كان بشكل رئيسي على صحة أقوال واعترافات بن مناشي وعلى امكان نشر مقالاته حتى في المجلة التي كان يعمل فيها كمدير تحرير، أي مجلة «نيوزويك» (ص 115)، وفي المقابل، نشرت مجلة «نيوزويك» التي كان الكاتب مدير تحريرها لشؤون الأبحاث الخاصة، أن كايسي لم يلتقِ مع مسؤولين ثورويين إيرانيين في مدريد عام 1980، بل كان يجتمع آنذاك بمدير المتحف البريطاني في لندن، فيما كان مدير المتحف جوناثان تشادويك متردداً في ما قاله المؤلف في لقائهما حول هذا الموضوع. «وكأنه فُرض عليه أن يقول ما قاله عن عدم صحة تنقلات كايسي على مدريد»، (ص 115 أيضاً).
وتوصّل الكاتب إلى استنتاج أن أحد أسباب عدم تغطية مجلة «نيوزويك» وصحف ومجلات أمريكية أخرى لمقالاته عن صفقتي الرهائن في مقابل الأسلحة الأمريكية مع جمهورية إيران الثورة الإسلامية، لم يكن فقط صداقة صاحبة المجلة لشخصيات أمريكية نافذة، بل لأن هنري كيسنجر وبيل كايسي وأعوانهما الإسرائيليين في قضيتي «مفاجأة أكتوبر» و«إيران ـ كونترا» كانوا ضالعين مباشرة في هاتين القضيتين. ولم يكن السبب فقط مادياً، بل كان سياسياً أيضاً. وبالتالي، رفع روبرت ماكفارلاند دعوى قضائية ضد الكاتب والوسائل الإعلامية التي نشرت اعتباره عميلاً إسرائيلياً أثناء عمله في الحكومة. لكنه في الوقت عينه، حاول الانتحار عام 1987 بتناول كمية كبيرة من حبوب «الفاليوم» المنومة بعد انكشاف أمره ودوره وارتباطاته المشبوهة عندما كان مستشاراً للأمن القومي الأمريكي… ولكنه ظل على قيد الحياة.
CRAIG UNGER: DEN of SPIES
MUDLARK – HARPERCOLLINS
London 2024
355 Pages

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية