ظاهرة جديدة تتكاثر هذه الأيام خصوصاً لدى الشباب العربي المثقف في المهجر وهي الرغبة في القيام بالأبحاث الجدية عن البلدان التي هاجر منها أهلهم في سعيهم لمحاولة فهم ومعالجة الصعوبات التي تمر فيها أوطانهم الأصلية حالياً بعدما وُلد بعضهم في بلدان أوروبية أو أمريكية أو في استراليا أو قارات أخرى، وهذه ظاهرة يجب تشجيعها.
وبين هؤلاء، يتصاعد اهتمام الشباب من أصل لبناني عاشوا معظم حياتهم في فرنسا بشؤون أسباب الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990) أو حروب جرت في السنوات الأخيرة لمواجهة إسرائيل، فيما يتكثف اهتمام الشباب الفلسطيني الأصل الذين هاجر أهلهم إلى بريطانيا أو الولايات المتحدة أو بلدان أخرى بالقضية الفلسطينية والآلام التي يعيشها الشعب الفلسطيني حالياً في غزة خصوصاً وفي سائر أنحاء فلسطين على أيدي حكومة إسرائيلية إبادية صدرت ضدها أحكام من المحاكم الدولية ومن المؤسسات الإنسانية في العالم بسبب وحشيتها في التعامل مع الشعب الفلسطيني.
أحد هؤلاء الشباب اللبنانيين المثقفين فكرياً وسياسياً الذي ولد وعاش في فرنسا هو الصحافي والكاتب مروان شاهين الذي أصدر مؤخراً كتاباً بعنوان: «بيروت 13 نيسان 1975: تشريح لانطلاق شرارة الحرب الأهلية اللبنانية».
يصف شاهين في الفصل الثالث من قسم كتابه الأول خلفياته الشخصية قائلاً: «كنت على إطلاع محدود نسبياً بتاريخ لبنان وانطلاق شرارة حربه الأهلية من خلال واقعة الهجوم على بوسطة (حافلة) عين الرمانة في 13 نيسان/ابريل 1975. ولكنني سافرت إلى بيروت في مطلع عام 2015 للقيام بأبحاث حول تلك الواقعة وكتابة مقال عنها لصحيفة (ليبراسيون) الفرنسية التي كنت أحد مراسليها في مصر. وكان مشروعي يشمل ربما كتابة كتاب عن تلك الحادثة لاحقاً، علما أن عائلتنا هاجرت من لبنان إلى فرنسا عام 1976. ولدت في فرنسا من أم فرنسية، وللفترة الأولى من طفولتي وصباي، شعرتُ بانتمائي الفرنسي، ولكن في شبابي وبعد تخرجي وعملي كمراسل لصحيفة (ليبراسيون) الفرنسية منذ عام 2011 زاد اهتمامي بلبنان وبأسرار انطلاق شرارة حربه الأهلية، فاستقلت من منصبي وذهبت إلى وطني الأصلي لبنان حيث أقمت مع أقرباء لي لفترة ثم تنقلت من منطقة إلى أخرى وحاولت مقابلة جميع الأطراف والأشخاص الذين ارتبطوا بحادثة البوسطة في عين الرمانة في بيروت التي ذهب ضحيتها 22 شاباً فلسطينياً وعربياً كانوا يمرون في شارع مارون مارون في تلك المنطقة فأُطلقت النار عليهم من مجموعة مسلحة مرتبطة بحزب الكتائب اللبناني انتقاماً لاغتيال أحد زعماء تلك المنطقة واسمه جوزف أبو عاصي كان قد تعرض ورفاق له لسيارة ضمت مسلحين فلسطينيين مرت صباح ذلك اليوم في ذلك الشارع».
يحاول شاهين ربط هذا الحادث بالأوضاع المتأزمة آنذاك في لبنان بعد سلسلة من الحوادث الدموية في البلد وخارجه بين المقاومة الفلسطينية وفصائلها من جهة، وبين إسرائيل وحلفائها من القوات اليمينية المسيحية اللبنانية، من جهة أخرى.
الفارق في هذا الكتاب عن غيره من عشرات الكتب التي كُتبت عن حادثة عين الرمانة وانطلاق الحرب الأهلية اللبنانية أنه لا يحاول إلقاء اللوم على جهة واحدة في ذلك الصراع بل يسعى لاتخاذ موقف استقصائي متوازن تجاه شتى الجهات.
خلاصة ما توصل إليه شاهين في الكتاب انه لا يمكن فهم حادثة عين الرمانة في 13/4/1975 من دون ربطها بحادثة اغتيال الرياضيين الإسرائيليين في أولمبياد ميونيخ في عام 1972 ومن بعدها اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة أبو يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر في منطقة فردان في رأس بيروت التي تلتها عملية «الخالصة» (كريات شمونة) في عام 1974 حيث قتل 19 إسرائيليا على يد مجموعة فدائية فلسطينية في تلك البلدة. وبالتالي، يشجب الكتاب عمليات الاغتيال الانتقامي المتبادلة التي تؤدي إلى المزيد من الاغتيالات. وهنا يكمن المنهج والمنطلق المختلف للمؤلف الشاب عن تفسيرات وتبريرات مؤلفات أخرى حول هذا الموضوع.
ويذكر المؤلف أن مصطفى حسين، سائق البوسطة التي تعرضت لرصاص مسلحي عين الرمانة نجا من الموت وبقي على قيد الحياة هو وراكب آخر في الحافلة. ولكن حسين توفي وفاة طبيعية في عام 1998 فأجرى الكاتب مقابلة مع نجله المقيم في بيروت، رضا مصطفى حسين. وأكد له رضا: انه هو ووالده اضطرا إلى تبديل مواقفهما السياسية التحاقاً بزعمائهما من الطائفة الشيعية مؤخراً. وقبل ذلك فعلا الأمر نفسه تضامناً مع القيادات الفلسطينية. وتساءل رضا في حديثه إلى متى سيستمر هذا الأمر، وهل الماضي مضى؟ (ص 90).
كما يتساءل الكاتب شاهين: «لماذا لم يُجر تحقيق رسمي معلن وواضح حول خلفيات حادث بوسطة عين الرمانة ودوافعه حتى الساعة، ولم يصدر بيان حول الحادث؟ ولماذا هناك تفسيرات إعلامية متضاربة حول ما حدث بالفعل من الجهات الفلسطينية، من جهة، والكتائبية، من جهة أخرى؟ وكم كان عدد الضحايا الفلسطينيين بالفعل؟ وكيف ولماذا بدأت المواجهة؟ وهل بالفعل توجهت سيارة فلسطينية مسلحة صباح ذلك اليوم لاغتيال الشيخ بيار الجميل أثناء حضوره قداساً في كنيسة المنطقة فتواجه معها شباب الحي فانطلق الرصاص وسقط جوزف أبو عاصي زعيم الحي قتيلاً بسبب ذلك مما أدى إلى اغتيال 22 راكباً في بوسطة مارة على الطريق المؤدية إلى مخيم تل الزعتر معظمهم من الفلسطينيين؟ ولماذا سلكت البوسطة تلك الطريق الخطرة بتواطئ من رجال الأمن الذين لم يمتثلوا لأوامر قادتهم وتقاعسوا عن منعها من المرور في شارع مارون مارون؟ وهل كان هناك تحضير مسبق من شباب عين الرمانة المؤيدين للكتائب للانتقام بعد ظهر ذلك اليوم لمقتل جوزف أبو عاصي صباحاً؟ وهل تواجدت مؤامرة في هذا الصدد؟ (ص 49 ـ 55).
ولكن السؤال الأهم الذي يطرحه الكاتب شاهين كان: «هل كان حادث عين الرمانة في 15 نيسان/ابريل 1975 السبب الحقيقي لاشتعال الحرب الأهلية في لبنان أو هل كانت هناك أسباب ودوافع أخرى تمهدت له؟» (ص 57 ـ 58).
هناك اتهامات وردت في القسم الأول من الكتاب ضد سائق البوسطة وأنه اختار المرور في عين الرمانة عن قصد بعدما أصر راكبو الحافلة على تحدي سكان المنطقة.
يشير الكاتب أن معظم الركاب الفلسطينيين في البوسطة كانوا من المنتمين إلى «جبهة التحرير العربية» المقربة من النظام العراقي آنذاك تحت قيادة حزب البعث (الجناح العراقي) فيما يقول في هامش في أسفل الصفحة (126) إن الركاب الفلسطينيين كانوا من المنتمين إلى «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» (القيادة العامة) التي كانت تحت قيادة أحمد جبريل والتي كانت مقربة جداً من نظام الرئيس السوري السابق حافظ الأسد ومشروعه في لبنان.
وبما أن توجهات المنظمتين كانت مختلفة عموماً وفي علاقتهما مع الأحزاب اللبنانية خصوصاً، ربما كان من الأفضل التوسع في بحث الكاتب حول حقيقة هذا الأمر، إذ انه قد تكون له خلفية سياسية مرتبطة بالحادث وبالجهات التي زودته بالمعلومات.
وقابل المؤلف خلال وجوده في لبنان عدداً من الشخصيات القيادية الأمنية الذين زودوه بوقائع مفيدة للبحث، وبين هؤلاء مسؤولون سابقون في الأمن اللبناني وكبار قادة حزب الكتائب آنذاك كجوزف أبو خليل ومنير الحاج وادمون رزق. ولكنه ربما وقع ضحية بعض الشهود المزيفين الذين طُلب منهم إعطائه شهادات تضلل تحقيقه أو تجعلهم يظهرون كأبطال مقاومين، وهذا الأمر بالإمكان ملاحظته في بعض مقابلاته على الجهتين.
عصام عبد الساتر، رجل الأمن اللبناني الذي أصبح عميداً لاحقاً قبل تقاعده، قال للكاتب في مقابلة معه: «إن حادثة عين الرمانة في عام 1975 وقعت نتيجة لتواجد دولة ضعيفة لم تعد قادرة على فرض قراراتها كمنع مرور الحافلات في الشوارع الخطرة حيث تتواجد المجموعات المسلحة من شتى الجهات وخصوصاً في شارع مارون مارون تفادياً للاشتباكات بين المسلحين من السكان والمارين». (ص 174).
كما قابل المؤلف العميد المتقاعد أنطوان نصر وكان قائد الدرك في منطقة بعبدا عين الرمانة لدى وقوع الحادث، الذي قال له: «لو لم تحدث عملية البوسطة في عين الرمانة لربما كان بالإمكان تأجيل انطلاق الحرب الأهلية في لبنان لبضعة أشهر بعد 13 نيسان/ابريل 1975، ولكن تلك الحرب كانت ستحدث في أي حال بسبب تأجج واحتقان الوضع في البلد» (ص 175). علماً ان العميدين كانا من المسؤولين الأمنيين الرئيسيين في منطقة بعبدا حيث تقع عين الرمانة، في تلك الحقبة، وان عبد الساتر وكان رائداً آنذاك، أصدر قراراً بإقفال الطرقات المؤدية والموصلة إلى مرور مجموعات فلسطينية في المنطقة المحتقنة كشارع مارون مارون في عين الرمانة بعد مقتل أبو عاصي، ولكن عناصر من رجال الأمن هناك لم يمتثلوا لقرارات رئيسهم وتخلوا عن مواقعهم وحواجزهم الأمنية.
ويؤكد نصر للكاتب أن: «كل جهة لبنانية أو فلسطينية صارت تحاول فرض قوانينها الخاصة في المرور وغيره بسبب ضعف الدولة في حقبة منتصف السبعينيات من القرن الماضي في لبنان» (ص176).
ويقول المسؤول الكتائبي البارز جوزف أبو خليل في مقابلة معه في صحيفة «لوريان لوجور» آنذاك وردت في كتاب شاهين: «التحقيق الأولي في الحادث تم إحباطه لأن الدولة لم ترغب بمعرفة هوية مرتكبي الجريمة». ويضيف أبو خليل: «ذلك الأمر تم لأن اتفاقاً عُقد بتاريخ 13/4/2007 بين حزب الكتائب والدولة على تسليم أشخاص للأمن اللبناني من غير مرتكبي الحادث من بين أهل عين الرمانة وبعد ذلك الإفراج عنهم، وهكذا كان». (ص 200). كما يشير إلى أن «رئيس الحكومة رشيد الصلح آنذاك كان له الدور السلبي في عدم إرسال الجيش إلى المنطقة قبل حدوث الواقعة الأليمة في عين الرمانة. وبرر الصلح ذلك بخشيته من حدوث مواجهة طائفية تقحم الجيش فيها هناك» (ص202).
ويشير المؤلف أن «الشهداء الـ22 الذين قتلوا في حادث البوسطة لم يكونوا جميعهم فلسطينيون من جبهة التحرير العربية، بل بعضهم كانوا من جنسيات سورية وعراقية ولبنانية وعربية أخرى» (ص209). الكاتب مروان شاهين ليس من محبذي نظرية المؤامرة المسبقة أكانت من جانب الكتائبيين اللبنانيين أو من الفلسطينيين المنتمين إلى منظمات غير خاضعة لسلطة منظمة التحرير الفلسطينية. كما انه يبدو في كتابه مقتنعاً في عدم وجود أمر صدر عن الأعضاء الرئيسيين الكبار في المكتب السياسي الكتائبي برئاسة بيار الجميل الجد آنذاك بتنفيذ عملية عين الرمانة عام 1975. وهذا استنتجه الكاتب بعد مقابلاته مع جوزف أبو خليل، ومنير الحاج الذي أصبح لفترة رئيس حزب الكتائب وادمون رزق، الكتائبي البارز.
ويعتبر شاهين ان قرار مهاجمة البوسطة «أتى من ميليشيات وقبضايات في منطقة عين الرمانة كانوا مرتبطين بالأحزاب المسيحية المسلحة من كتائب ووطنيين أحرار وغيرهما، وما زالوا على هذا الارتباط حتى الساعة بسبب استمرار الوضع الطائفي في البلد، والانقسامات الناجمة عنه». (ص 483).
ولكن برأي الكاتب هذا الوضع لا يبرر المجزرة البشعة التي ارتكبت هناك وأودت بحياة عدد من الأشخاص على الجانبين، وخصوصاً ضحايا البوسطة. وكان بالامكان اتخاذ الإجراءات الأمنية في الوقت الفاصل بين المواجهة صباحاً لدى حضور بيار الجميل القداس والساعتين اللتين تلتا ذلك قبل حدوث الهجوم على الحافلة والمجزرة.
ويذكر شاهين أن قائد المواجهة مع السيارة التي حاولت المرور صباحاً أثناء القداس كان جوزف أبو عاصي نفسه، فهو الذي جمع الشباب من عين الرمانة وأبقى الحواجز بعد انتهاء زيارة بيار الجميل للكنيسة وذلك برغم اعتراضات رئيس قسم الكتائب في المنطقة النائب السابق الراحل أنطوان غانم الذي قضى اغتيالاً في عملية نُفذت في السنوات القليلة الماضية. وبالتالي، فمسؤولية جوزف أبو عاصي عن عملية البوسطة غير مباشرة إذ جرت بعد اغتياله.
ولكن أحد أهم استنتاجات الكتاب انه لم تتواجد مؤامرة محضّرة مسبقاً من أي جهة وأن مثل هذه الحوادث المشابهة أتت نتيجة لسلسلة من الانتقامات المسلحة على عمليات ارتكبها الجانبان مع حلفائهما في مراحل سابقة.
ويتساءل الكاتب إذا كانت عملية «طوفان الأقصى» في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 وردود الفعل عليها من إسرائيل تندرج في هذه السلسلة من عمليات العنف المتبادلة التي تزهق المزيد من الأرواح وكيفية تجنب عدم استمرار حدوثها من جانب الأجيال القادمة من أجل حياة أفضل للإنسانية جمعاء. وذلك يتحقق عن طريق معالجة أسبابها.
Marwan Chahine: «Beyrouth 13 Avril 1975»
Editions Be, Paris 2024
551 Pages.