كشفت التناقض بين الخطاب والممارسة في بنية المجتمع .. مليكة العاصمي: مراكش تتعرض لخطر الفَلْكَرة

مليكة العاصمي شاعرة مغربيّة مؤسِّسة، ونتاجها الشعري يعكس وعيا كبيرا بقيمة الإبداع الفنّي في حياة المرأة وصراعها ضدّ المركزيات المهيمنة. فهي سليلة مدرسة وطنية في بناء الثقافة الحيّة وإدماجها داخل حياة الناس. انتمت مُبكّرًا إلى حزب الاستقلال، وانعكس تأثيره أيديولوجيّاً وسياسيّاً – بلا تقليد أعمى ـ على شعرها ومسارها الشخصي والمهني، وهو ما قادها إلى معركة الفكر السياسي والاجتماعي وأظهرها بمظهر الفاعلة السياسية والناشطة الثقافية، ولاسيما في دفاعها عن المرأة،حيث  قدمت أول مشروع لتعديل قوانين المرأة والأسرة، أو من خلال عملها على جمع وتدوين الثقافة الشعبية حيث سعت إلى تفكيك مضمرات النسق الثقافي الشعبي الخاص بصورة المرأة. في هذا الحوارالثقافي نتعرف على هذا الوجه الآخر من حياة وصورة هذه الشاعرة.
■ بالنظر إلى انخراطك في العمل السياسي والنضالي مُبكِّرًا، داخل حزب الاستقلال العريق، كيف كنتِ تُدبِّرين هذه المراوحة بين الصوت الذاتي الشخصي والصوت الجمعي الضاغط، حتى لا تسقطي في أحابيل الأيديولوجيا عامة، والواقعية الاشتراكية خاصة؟
□ قد تستغرب إذا قلت لك إنني لم أكن أدبر شيئا، فقط كنت في قلب معركة متعددة الأبعاد والأوجه، ذاتية في سن مبكرة كمراهقة، ثم كأنثى امرأة تعايش الوسط النسائي بكل أزماته ومشكلاته، وتعاني من أزمة النساء. وجمعية ومجتمعية، أصدر عنها وأعالجها ميدانيا وفكريا وسياسيا، وشعريا كذلك.
المرحلة لم تكن سهلة. المجتمع المغربي كان يعرف تحولات كبرى من الحريم والاستعمار والإقطاع، إلى الاستقلال والتوق الجامح للتحرر، ما أفرز أنواعا من الصراع داخل المجتمع. لكن الأيديولوجيا والصراع الأيديولوجي والعمل السياسي تنكب عن المرأة وعن قضايا المجتمع بصفة عامة، وتمحور حول السياسة، بل حول السياسة الفاشلة، وترك المجتمع في تخبط كامل، بحيث تعقدت الأوضاع الاجتماعية وتراكمت الأزمات. الذي دعاني للتحرك في جبهات متعددة هو ذلك الفراغ الكبير في الساحة العامة، وكذا انكماش النساء وانكفاؤهن على أنفسهن داخل الأسرة. لقد عاش المغرب حالة فراغ من بداية الستينيات حتى أواسط الثمانينيات. حالة سكونية على المستوى الاجتماعي امتدت نصف قرن أو أكثر، خضت رهانا مستميتا لأخرقها.
هي حياتي وعلاقاتي المتداخلة بين أصوات متعددة جمعية وذاتية، سياسية اجتماعية ثقافية وإنسانية. تأخذ تجلّياتها وتعبيراتها من هذا العالم وأهواله وانعكاساته على مجتمعنا المستضعف. هذه الاهتمامات والانشغالات تغذي بعضها بعضا، حتى ما هو اهتمامات ذاتية، أو يظهر أنه اهتمامات ذاتية، هي في حقيقتها جمعية لها علاقة بقضايا فئات وشرائح معينة تخضع لظروف وقوانين وقيم غير عادلة.

من المؤكد أن المرأة قطعت أشواطا كبيرة في طريق التحرر، وأننا غادرنا العقلية القديمة والثقافة التقليدية إلى حد كبير، مع تفاوت واسع بين المجالات والطبقات. ثم هناك تحوّلٌ في ما يخص واقع المرأة الجديد، وانخراطها في مختلف أوجه الحياة العامة والخاصة، وحصولها على مستحقاتها وفرصها المشروعة.

■ من خلال معرفتك بواقع المرأة قديمًا وحديثًا، إلى أيّ حد أنت مقتنعة بأن المرأة المغربية قد قطعت أشواطًا في سبيل تحريرها من الذهنية التقليدية، وإيلائها المكانة اللائقة بها؟ وفي المقابل، ألا ترين أن المزايدات السياسية وتنامي الفكر الأصولي المتطرف من معيقات تحرير المرأة؟
□ من المؤكد أن المرأة قطعت أشواطا كبيرة في طريق التحرر، وأننا غادرنا العقلية القديمة والثقافة التقليدية إلى حد كبير، مع تفاوت واسع بين المجالات والطبقات. ثم هناك تحوّلٌ في ما يخص واقع المرأة الجديد، وانخراطها في مختلف أوجه الحياة العامة والخاصة، وحصولها على مستحقاتها وفرصها المشروعة. غير أنّ الاختلالات التي يعيشها المغرب، والأمة بصفة عامة، والعالم، تستهدف المرأة بلا هوادة، وتطلق شعارات وأنشطة وأفعال التطرف المختلفة. التطرف ليس أصوليا فقط، بل إن التطرف التحديثي بالقدر نفسه من الخطورة أو أكثر. إذا كانت الحركات الأصولية المتطرفة تحجب المرأة وتفرض عليها أنواعا من الوصاية والحرمان والسخرة، فإن كثيرا من الحركات التحديثية جزء من المخطط الرأسمالي، تربط المرأة في منظومة الاستهلاك والاستغلال والابتزاز وتحريف الوعي بالتحرر، لتوقعها في حبائل أخطبوطية وورطات لا نهاية لها، وتستعملها للسخرة، بدون أن تشعر، وتسلكها في أبشع أنواع الاستغلال، فتسرق منها كيانها وأمنها.
■ عندما نعود إلى كتابك «المرأة وإشكالية الديمقراطية: قراءة في الواقع والخطاب» الذي صدر عام 1991، نشعر بأنّ ثمة انفصالاً قاتلًا بين الواقع والخطاب، هو ما فوّت علينا فرصة الانتقال الديمقراطي بسلاسة. إذا طلبنا منكِ، من موقعك كباحثة وفاعلة سياسية وجمعوية، أن تحدّدي أهمّ متطلّبات اندماج المرأة وتمكينها؛ فما هي في نظرك؟
□ منذ ذلك التاريخ إلى الآن حدث ما يسمى في الحكمة العربية «كل يوم ترذلون». فقد توسعت الشقة بين الخطاب والممارسة بشكل مروع، جعل منسوب الثقة في الفاعل السياسي يتراجع إلى أدنى مستوياته، وأنتج كائنات أشبه ما تكون بالجراثيم الطفيلية، التي تنمو سريعا لتتحول إلى ديناصورات، والبعض الآخر أشبه ما يكون بالكائنات الكارتونية، التي تطفو على السطح ثم تنطفئ فجأة كما ظهرت فجأة، ورتب أزمة النخب، أو أكثر من ذلك سقوط النخب. البنيات السياسية ومعها باقي البنيات القائمة، كلها صارت مدعاة للسخرية، والباحثون ورجال الفكر صاروا رهن الإشارة. أما الشرفاء والأحرار فوضعوا في مرمى السهام، واستهدفوا بالطرد والحروب والتشويه. مهمة الأحزاب والنقابات والتنظيمات الجماهيرية تتمثل في تربية وتأطير المجتمع وتكوين الأطر وتهييء الكفاءات الضرورية التي تحمل مشروعها، وتقوم بتنفيذه في المستويات التنفيذية. لكن هذه الهيئات باتت تعتمد ما يسمى الاستقطاب، فتحتطب من هب ودب، بدون تكوين أو تأطير أو تربية، ما شوّه المشهد العمومي، وجعل التنافس السياسي لا يحمل أي تغيير في السياسة أو البرامج، وتغيير المسؤولين إنما يكرس التخبط والعشوائية والفساد ولا يخدم التنمية. الانفصال بل التناقض بين الخطاب والممارسة من أخطر المثالب الممكن تصوّرها في بنية ما، فأحرى أن تكون بنية يراهن عليها المجتمع كحاملة للتنمية، فإذا بها بنية خادعة مضللة كاذبة تبيع الوهم وتطلق الأكاذيب تُسوّقها للعموم، ولا تنتج سوى الفساد والإفساد. وقد استشهدت في كتابي هذا بقوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون. كَبُرَ مَقْتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون».
وَضْعٌ من هذا النوع يعبر عن أزمة الفكر، وغياب المشروع الوطني التنموي، ووجود المغرب في حالة هشاشة مطلقة، يلتقط أفكاره ومشاريعه من هنا وهناك، ويحكم من الخارج بهوى غير هواه، فلا يلامس القضايا الجوهرية والمشاكل الحقيقية التي يتخبط فيها المجتمع ومنه المرأة والأسرة والطفولة والشباب؛ وهو مُربّع مترابط. لقد كتبت كثيرا وتحدثت، وقدمت عدة مقترحات في موضوع المرأة، ومجموعة مشاريع قوانين داخل البرلمان وخارجه، كما وجهت رسالة إلى صاحب الجلالة الحسن الثاني، أُخذ منها ما أُخذ وتُرك ما ترك.
يحتاج الأمر أولا وقبل كل شيء إلى الاعتراف بمساهمات المرأة في تنمية وتقدم الأسرة والوطن، من خلال المعرفة الحقيقية والعميقة بمختلف الأدوار والمهام والتدخلات والأعمال التي تنتجها المرأة في كل لحظة من لحظات حياتها. ويحتاج الأمر ـ ثانيا ـ إلى فرز هذه المهام وتصنيفها وضبطها. ويحتاج ـ ثالثا ـ إلى نشر تلك المعلومات والتعريف بها، ويحتاج ـ رابعا ـ إلى تقويم تلك المهام ماديا وتدقيق عائدها المالي وغير المالي، لنعرف مقدار مساهمة المرأة في التنمية والتقدم والثقافة والحضارة ومكتسبات الأمة، سواء مساهمتها في دخل الأسرة، أو في الرفع من مكانتها ومن موقعها الاجتماعي، أو في الدخل الوطني العام والخام، أي في الميزانية العامة للدولة، وفي تقدم ورقي المجتمع ومراكمة مكتسباته.
وباستكمال المعرفة بهذه العناصر وامتلاكها الجماعي تتبلور تلقائيا في الرؤية الجماعية حاجيات المرأة واستحقاقاتها من المجتمع والأسرة وغيرهما.
إن غياب هذه المعرفة يجعل مطالب النساء في كثير من الأحيان هامشية ضالة خارج السطر وخارج السياق، لا تصيب الهدف ولا تخدم حياة المرأة ولا حياة المجتمع وتقدّمهما.
■ أصدرتِ في بداية السبعينات مجلة «الاختيار»، كما ساهمت في تحرير مجلة «الثقافة المغربية»، في سياق سياسي وسوسيوثقافي صعب. هل تتفقين معي بأنّ أحد المداخل الأساسية للديمقراطية وولوج العصر والاندماج فيه؛ هو المدخل الثقافي بكلّ ما ينطوي تحته من اختيارات لغوية وثقافية وجمالية؟
□ خضت مغامرة إصدار جريدة «الاختيار» لجعلها أرضا للديمقراطية، وقاعدة حرة للفكر الحر والمفكر الحر يعبر فيها عن تلك الثقافة المنشودة. الديمقراطية ثقافة. الثقافة هي القيم البانية. الثقافة متلازمة مع التربية وحسن السلوك والتشبع بالقيم النبيلة السامية ومنها قيمة الديمقراطية، التي تعني احترام حقوق الآخرين، والتي هي ضمانة الاستقرار والأمن الجماعي. عندما تسود هذه الثقافة يتقدم المجتمع، لأنّ وعيه وتكوينه وتربيته يرتفع إلى مستوى يجعله مؤهلا لتأسيس حضارة ومستقبل زاهر ومستقر. هناك ثقافة نقيض هي ثقافة الجهل والجهالة والتسيب والأنانية التي تنتج الفساد والنهب والتسلط والجبروت، فتغامر بمستقبل الوطن والأمة، وتدفعهما نحو الدمار، وهي الثقافة الهدامة المناقضة للديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان، المعادلة للفساد والتسيب والجهل. التعليم ليس هو الثقافة؛ الذين يحملون شهادات عالية ويقبلون أن يستعملوا قدراتهم العلمية لأهداف غير عادلة، هم جهال عديمو التربية والأخلاق، والإنسانية منهم براء، لأنهم كالوحوش لا يميزون الحق من الباطل. الذين يتمركزون في مواقع السلطة والنفوذ والقرار فيعلنون الحروب والإبادات والاعتداءات على الغير، هؤلاء يحملون ثقافة الجهل والهدم والوحشية. والذين يستغلون نفوذهم ومواقعهم خارج أدوارها يفسدون في الأرض ولا يصلحون. الذين يحتلون مواقع الابتكار والإبداع فيبتدعون الأوبئة أو صناعات الدمار أو شبه ذلك لا علاقة لهم بالثقافة بمعناها النبيل، وإنما هم أقرب إلى الكائنات المتوحشة منهم إلى الإنسان؛ أي الإنسانية ومصلحة الإنسان وسعادة الإنسان في الأرض.
الثقافة توازن نفسي وانسجام روحي مع الكون ومكوناته، والتناقض مع القيم الإنسانية والأخلاقية العامة انحراف فكري يعبر عن انحراف الثقافة. وقد أردت بناء ثقافة إنسانية طموحة متطلعة بشكل دائم إلى مستقبل أفضل، بذلك ركبت تلك الاختيارات الصعبة، وكنت مستعدة لتحمل تبعاتها في تلك المرحلة العصيبة. الثقافة بالمفهوم الذي أومن به كان مرفوضا وملاحقا ويشكل مخاطرة. فالسجون تفتح أفواهها لالتقام من يتكلم أو يهمس، فأحرى أن يصدر صحفا ويصنع منابر للرأي وللحرية. وآلات التعذيب كذلك كانت متلهفة لأمثالي.
■ زاولت التدريس في كلية الآداب في جامعة محمد الخامس، ثم في جامعة القاضي عياض، وعملتِ أستاذة باحثة في المعهد الجامعي للبحث العلمي في الرباط،؛ كيف عايشتِ مستوى النقد الجامعي ـ الأكاديميّ وقتئذ، وهل قدّم ـ في نظرك- إضافات نوعية للفكر النقدي المغربي في الأدب والفلسفة وعلم الاجتماع وغيرها؟ وكيف تنظرين إلى العلاقة بين جامعاتنا العربية والحياة؛ أعني صلتها بهواء الحياة الواسع؟ هل من إمكانية حوار بين الجامعة وإيقاع المجتمع وتشكل ثقافته وعاداته، أم أنها كتلة أكاديمية منغلقة على ذاتها؟
□ تميّز النقد والدراسات الفكرية والاجتماعية والفلسفية المغربية وغيرها منذ الستينيات، بانفتاحها على التيارات والمناهج الجديدة في الغرب والشرق، وإضافاتها النوعية للبحث العربي وحتى الأجنبي. وما يزال الكتاب المغربي حتى اليوم مبحوثا عنه في معارض الكتب رغم ما يعانيه من أزمات. أما علاقة الجامعة مع الحياة والمجتمع المغربيين فتلك هي المشكلة. المؤسسات المغربية، كل المؤسسات سواء المركزية أو المحلية؛ الوزارات والمكاتب والصناديق والجماعات المحلية، جزر منعزلة، كل منها ينغلق في وظيفة ضيقة محدودة ومعزولة عن بعضها، بما فيها الجزيرة الجامعية ووزارة التعليم. فلا تستفيد المخططات التنموية المركزية ولا المحلية من الكفاءات الجامعية وما تزخر به الجامعة من خبرات عليا. الدراسات في الشأن الوطني والمحلي تسند إلى مكاتب دراسات أجنبية لا تعرف الواقع المغربي، فتحرف تدخلات الدولة وميزانياتها نحو الخارج، بحيث لا تخدم الأهداف المنشودة، بل أكثر من ذلك تحول المال المغربي إلى البلدان الأجنبية بدل استثماره وطنيا.
والجامعة هي الأخرى لا تستوعب وظيفتها التنموية العامة فتحصر نفسها في التلقين كعملية تقليدية، بينما محيطها المحلي والوطني مفتوح على الحاجة والخصاصة في كل شيء. نحتاج إلى بناء ثقافة جديدة في عصر التكنولوجيا والمعلوميات وعصر التحديات الحضارية، والرهانات التنموية الوطنية الهوياتية. يكفي أن نعرف بأن منشورات الجامعة وأبحاثها، وهي كثيرة، لا تُعرف خارج الجامعة ولا تتواصل مع المعنيين بأبحاثها. إذا كان هذا العصر هو عصر التكنولوجيا وعصر الصورة، فإنّه تجاوز ذلك وصار عصر التواصل، وهذه هي القيمة المفقودة التي أنبه إليها وأتساءل عنها.
■ بخصوص النقاش الدائر حول المسألة اللغوية في المغرب، وترسيم الدارجة، هل نحن أمام هندسة لغوية جديدة، أم فوضى؟
□ هي هندسة لغوية جديدة لإنتاج الأمية والجهل والتخلف، وللرجوع على ما حققه المغرب بعد الاستقلال من مكتسبات علمية وثقافية على قلتها. هل يمكن للنكوص إلى الأمية والجهل أن ينتج غير الفوضى والفساد والتخلف. يكفي دليلا على ذلك ما تفعله فينا اللوحات الإشهارية المنتشرة في الشوارع والأزقة، وكذا التحول الدرامي للإعلام السمعي والبصري وشبههما، وحتى لبعض مؤسسات الدولة من لغة العلم إلى لغة الجهل و»التشمكير»، وما تفعله الأخطاء الشائعة في اللغة العربية، سواء في النطق أو الكتابة أو النحو. لقد شعر الاستعمار أن المغرب سائر في طريقه نحو التطور واسترجاع هويته الحقيقية المستقلة، بفعل مشروع تعريب التعليم، على الرغم مما تعرض له هذا المشروع من عراقيل واستهدافات، بذلك قرر خوض رهان الوجود والمصير مع اللغة العربية، معبئا خونة الوطن والعملاء المرتزقة في معركته.

مراكش بكل مكوناتها تعرضت لخطر الفلكرة عندما تقرر مصيرها مدينة سياحية، فأهملت مقوماتها الأخرى الكثيرة المتنوعة. مراكش كانت مدينة علمية من أهم معالمها الجامعات التي علمت أوروبا وأخرجتها من ظلمات العصور الوسطى، والتي نابت عن قرطبة وإشبيلية وبغداد.

الذين يقولون بالدارجة يراهنون على تجهيلنا نحن، ويراهنون على بلادة المجتمع والأمة التي يسوقون لها مثل هذه المشاريع. ونحن ومجتمعنا وأمتنا لسنا جهلة ولا بهذه البلادة، لكي ينطلي علينا مشروع بهذه الدرجة من الغباء والتفاهة، بل إننا واعون جيدا من يكون هؤلاء، وما هي أهدافهم ومشاريعهم، لاسيما أن المشروع قديم معروف، جربه الاستعمار بجبروته، وبذل الغالي والنفيس لتمريره، لكن القوى الوطنية الصادقة الحقيقية أفشلته وطردت الاستعمار ومشاريعه وأعوانه. وفي هذا السياق طرد هؤلاء ليعودوا عندما اعتقدوا أن القوى الوطنية تندحر من الساحة، والقيم الوطنية تتراجع، لكن تهيأ لهم ذلك، والحقيقة أن للبيت ربًّا يحميه. يضاف إلى هذا المشروع البليد مشروع أبلد منه، يرمي إلى القول بكون اللغة الفرنسية لغة انفتاح، بينما لا يجهل حتى الجاهل أن الفرنسية لم تعد لغة ثقافة ولا علم ولا انفتاح، وأنها تراجعت بشكل كبير في فرنسا نفسها، وأن الأمم الناهضة اليوم ليست من ضمنها فرنسا والفرنسية، وأن الفرانكوفونية عملية يائسة من طرف المشروع الاستعماري الفرنسي للمحافظة على تاريخه الكولونيالي، وعلى المستعمرات القديمة التي تتساقط من يده بدون هوادة. ستستيقظ افريقيا قريبا لتسترد لغاتها وهوياتها الوطنية وكيانها الحضاري المستقل.
■ عندما نذكر مراكش نذكر معها جامع الفنا، ونذكر الثقافات الشعبية في المغرب، لكن هذا التاريخ تعرّض لخطرين؛ خطر الاستشراق وخطر الفلكرة. متى تولّد لديك الاهتمام بالثقافة الشعبية؟ وما غاياته؟
□ مراكش بكل مكوناتها تعرضت لخطر الفلكرة عندما تقرر مصيرها مدينة سياحية، فأهملت مقوماتها الأخرى الكثيرة المتنوعة. مراكش كانت مدينة علمية من أهم معالمها الجامعات التي علمت أوروبا وأخرجتها من ظلمات العصور الوسطى، والتي نابت عن قرطبة وإشبيلية وبغداد. ومدينة فلاحية ذات المنتوجات المتنوعة والجودة العالية، ومدينة صناعية بأحياء متخصصة منتشرة في ربوعها: دار السكر، دار القرطاس، دار البارود، دار الدباغ، ديور الصابون، المعاصر، الحرارين، السراجين إلخ. ثم في الصناعات الغذائية للزيتون والمشمش وأنواع المنتوجات الفلاحية. مراكش ذات الاقتصاد المتعدد والشخصية المتعددة الغنية مثل أغلب المدن المغربية. تاريخ جامع الفناء هو تاريخ العلم والثقافة العالمة التي اندفع نحوها الشعب، وتلهف لامتلاكها لدرجة أنه نقلها معه من الجامع إلى الفناء بعد خروجه، وتحلق في فناء الجامع لمناقشتها وتحليلها؛ لتتحول الثقافة العالمة إلى شعبية يعتنقها الشعب ويتفاعل معها في الساحة خارج الجامع.
هذه الساحة أو الفناء، فناء الجامع أو جامع الفناء، شهدت تحولات كثيرة على مدى هذه القرون، وفقدت من أهم ما فقدته الكتاب والمكتوب ومستجدات الإنتاج الفكري العلمي الثقافي الإبداعي الذي كانت تتغذى به وتتفاعل معه وتحلله وتناقشه وتحفزه لمزيد من العطاء والإنتاج. لقد كان فناء الجامع المرابطي ثم الموحدي، أي فناء بعض جامعات مراكش القديمة التي تداعى إليها كبار علماء الزمان، واحدا من روافد هذه الجامعات وامتداداتها. نمت للتفاعل معها أنشطة كثيرة وأخذت علومها ألوانا مختلفة من خطابات وخطب وتحليلات وتلقينات وحكي وعروض مختلفة وإبداعات، وفنون متنوعة. نقول في المثل الشعبي: «يلى مشى الزين تيخلي حروفو» (إذا ولّى الجمال ترك حروفه).
أما اهتمامي بالثقافة الشعبية فناتجٌ عن الوسط الذي ولدت فيه. وقد بدأت، منذ سنة 1970، في جمع وتحقيق الحكايات الشعبية والأمثال الشعبية والتقاليد والعادات في الحضارة المغربية، والمراكشية خاصة. كذلك انكببت على البحث في حضارة مراكش وثقافتها وكشف خصوصياتها العريقة كما في كتابي «موسوعة حضارة مراكش بين زمنين» (2019) .
■ باعتبارك شاعرة ومُثقّفة، كيف تنظرين إلى ما يحدث في العالم العربي اليوم من دمار واقتتال؟ وهل تعتقدين أن الشّعر لا يزال بوسعه أن يقدم شيئًا للعالم؟ أم إنّ هذا لا جدوى منه، وأن صوته بالكاد يصل؟
□ صدّقْني؛ أعجز عن الإجابة، فهذه مرحلة موات لا يؤثر فيها شيء، لكونها ليست مرحلة القيم. هذه لحظة وحشية متوحشة لا تستمع لا للفكر ولا للفن ولا للشعر ولا للضمير أو لأي شيء جميل، ولا تسمح له أن يكون فاعلا في التغيير. الذين يتسيّدون في هذا العصر نسور أو نمور متوحشة لا ضمير ولا وجدان ولا عواطف لها كي تتأثر بشيء سواء فكرا أو إبداعا، بل آلات مفترسة تسيطر على كل شيء. أجمل ما في هذا العصر كائنات أو أنبياء، مستعدون للتضحية، يمنحون أنفسهم بغير حساب لتصحيح الأوضاع، ويحفرون في الصخر، ويعاندون الواقع، ويتصدون له بصدور عارية. كائنات هم أصحاب المجد، منهم الشعراء والمفكرون والمثقفون والمجاهدون؛ وهم أمل الإنسانية لصناعة غد آخر يسترجع فيه الشعر والقيم الجميلة مكانها ودورها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية