بيروت-“القدس العربي”: قراءة في الحالة الثقافية والفنية في عدد من الدول العربية تظهر كم هي مغايرة لحال الحكومات والحكّام الغارقين في الفساد إلى مستوى يرتفع عن الأذنين. هو حال مزدهر ومشجع في شرق الأمة العربية وغربها. تتوارد الأخبار عن نشاطات ومواعيد ثقافية تجمع أهل السينما، والمسرح أو الغناء ضمن فعاليات تفتح نافذة على الآخر، وتساهم في نقاشات غنية، وربما ديمقراطية.
رفض التطبيع لا يزال عنواناً تلتقي حوله الآراء ويتضاعف عدد المؤيدين له كهدف مبدئي ومهم في مقارعة العدو الصهيوني. فلبنان الذي واظب على إحياء مهرجاناته الصيفية، ومجابهة التطبيع الفني والثقافي في آن، ترك شاكيرا تختار حفلها في بلاد الأرز، والاعتذار عن حفل في فلسطين المحتلة.
لبنانياً كانت عودة زياد الرحباني لإحياء الحفلات والحوارات التلفزيونية مؤثرة على الجمهور الذي ينتظره. فبعد تعافيه نسبياً من آلام العمود الفقري كان زياد في سلسلة حفلات في بيروت وعدد من المناطق اللبنانية، وخاصة في مهرجانات بيت الدين. ليس هذا وحسب بل أعلن بنفسه خبراً إيجابياً ومفرحا أن المياه عادت إلى مجاريها مع والدته السيدة فيروز، وأنه يُعدّ لعمل وحفل سيجمعهما في العام المقبل. وجديد زياد للعام المنصرم حفلاته في القاهرة بعد غياب سنوات خمس.
زيارة الفنان التونسي لطفي بوشناق إلى لبنان وغنائه في مهرجان “ربيع بيروت”، وكذلك إحيائه حفلاً في قلعة الشقيف في النبطية، كانت من الفعاليات الفنية البارزة لهذا العام. وفي المناسبتين كان جمهور لبوشناق يفوق التوقعات.
اللقاء الفني البارز على صعيد الموسيقى والغناء تمثل في موسيقى مرسيل خليفة وصوت عبير نعمة. “غني قليلاً” عنوان السي دي، الذي وقعاه معاً في معرض الكتاب العربي والدولي في بيروت نهاية العام. 14 أغنية تنتمي لأنماط موسيقية متنوعة، وكلمات مختارة من قصائد عدد من الشعراء الكبار على امتداد الوطن العربي. توقيع امتد لساعات وشكل حركة لافتة في معرض الكتاب.
مهرجات مسرحية وسينمائية
طالما كان المسرح اللبناني الحديث رائداً بين المسارح العربية منذ ستينيات القرن الماضي، ومع ذلك كانت مهرجانات الدول العربية كما القاهرة وقرطاج وسواهما قبلة للمسرحيين يقدمون فيها عروضهم ويتنافسون ويتوجون. جميعهم كان يتوق إلى مهرجان وطني تلتقي فيه أعمالهم ويتنافسون من خلاله. ففي بيروت تعرض كل عام بحدود خمسين مسرحية. كانون الأول/ ديسمبر الماضي حمل المفاجأة السارّة بولادة مهرجان لبنان الوطني للمسرح في دورته الأولى، والتي حملت اسم أنطوان كرباج. تحقق الحلم، وبات المهرجان واقعاً وتنافست خلاله سبع مسرحيات. فيما عرضت في اليوم الثامن مسرحية “مأساتي” للمخرج عصام بو خالد من خارج المسابقة، وأعلنت النتائج. حظي المهرجان بإقبال جماهيري مبهر على عروضه المجانية، الأمر الذي دفع لإقفال أبواب مسرح المدينة قبيل موعد العروض الذي كان في الثامنة مساء. ولهذا يبحث القائمون على المهرجان إدراج أكثر من عرض لكل مسرحية في الدورة المقبلة. وفي نتائج المنافسة حصد غبريال يمين جائزة أفضل ممثل، ويارا أبي حيدر أفضل ممثلة. وحصد جائزة أفضل عمل مسرحي “وهم” للمخرج كارلوس شاهين.
وفي السينما يمكن القول ان عدد المهرجانات السينمائية مزدهر قياساً بعدد الأفلام المنتجة سنوياً في لبنان. هي ظاهرة صحية على الصعيد الثقافي وتلقى اقبالاً. كما أنها تتعزز مع محاولات حثيثة لنشر تلك المهرجانات بعيداً عن مركزية العاصمة، رغم ملاحظات بعدم أهلية الصالات. فقد نما مؤخراً وبدأ يحتل حيزاً مهرجان طرابلس للأفلام في دورته الخامسة. وكذلك مهرجان جونية في دورته الأولى. بدورها تحاول مدينة صيدا العودة إلى الحيز الثقافي بعد طول ابتعاد من خلال استقبال عروض مسرحية وسينمائية في سينما أشبيلية. مركز معروف سعد الثقافي لم يتوقف في تلك المدينة عن استقبال الفعاليات الثقافية الوطنية والعربية وخاصة الفلسطينية، من سينما ومسرح وغناء.
في السينما كذلك كانت إضافة جديدة إلى “أيام بيروت السينمائية” و”مهرجان السينما الأوروبية” و”مهرجان الفيلم اللبناني” تمثلت في “مهرجان بيروت الدولي لأفلام المرأة”. أقيمت دورته الأولى بين 13 و18 آذار/مارس الماضي. وخلالها تمّ تكريم الممثلة إلهام شاهين، وعُرض فيلمها “يوم للستات” من إخراج كاملة أبو ذكرى. وحده “مهرجان بيروت الدولي للسينما” ألغى فعالياته لهذا العام، وأصدر بياناً في أيلول/سبتمبر معلناً اسدال الستارة “ريثما تتبلور الأوضاع الاقتصادية”.
ويسجل في لبنان إصرار إدارة مسرح إسطنبولي وجمعية تيرو للفنون، على مبادراته وحراكه الثقافي من أجل محاربة تهميش الأطراف ثقافياً رغم الصعوبات. جديده للعام المنصرم “مهرجان شوف لبنان بالسينما الجوالة”. فالدورة الأولى من هذا المهرجان استمرت ثلاثة أشهر متواصلة، جال فيها كرفان الفن والسلام قرى وبلدات الجنوب، بالتعاون مع وزارتي الثقافة والسياحة، وقوات الطوارئ الدولية، وكذلك مع البلديات والمدارس والجامعات والجمعيات الثقافية.
في إنجاز مميز للسينما اللبنانية والعربية، وصل رسميا فيلم “كفرناحوم” للمخرجة نادين لبكي للقائمة القصيرة لأوسكار أفضل فيلم أجنبي والتي أصدرتها مؤخراً أكاديمية العلوم والفنون الأمريكية. وشملت تسعة أفلام ستتنافس على الترشيحات النهائية في هذه الفئة والتي سيتم إعلانها في كانون الثاني/يناير المقبل.
بوصول “كفرناحوم” للقائمة القصيرة للأوسكار، باتت نادين لبكي أول مخرجة عربية تحقق هذا الإنجاز. سابقاً اقتصرت الترشيحات على أعمال قدّمها مخرجون عرب. كما وإنها المرة الثانية التي يصل فيها فيلم لبناني للقائمة القصيرة – وللعام الثاني على التوالي.
الغناء في مسرح قرطاج الأثري
في تونس أيام قرطاج المسرحية ما زالت تتألق وتجذب إليها المزيد من المشاركين من العالم العربي ومن افريقيا والعالم. في الدورة العشرين شارك 39 بلداً، وبلغت مجمل العروض 150. هذه الدورة التي احتفت بالمسرحين العربي والأفريقي، احتفت أولاً بالمسرح الفلسطيني، وخصته بعرض الافتتاح مع مسرحية “مْرَوَح ع فلسطين”. وتلتها قراءات شعرية. وحضر المهرجان من رواد المسرح في فلسطين عرين العمري، وأحمد أبو سلعون وآخرون.
الممثل السـوري حسني مرعي أثار جدلاً أخلاقياً في هذه الدورة بخروجه على الركح عاريا تماماً لدى مشاركته في عرض “يا كبير”. سلوكه هذا أثار حالة من الفزع في القاعة، ودفع عدداً كبيراً من المتفرجين لمغادرة المسرح البلدي. وفيما انهالت على مرعي الانتقادات، برر سلوكه هذا بأنه “تعرية وفضح للنظام السوري الذي يمارس القمع على شعبه”. تبرير لم يقنع مديرة المهرجان التي نددت بتلك الممارسة واعتبرتها “مخلّة بالعقد الأخلاقي” كما وأنها “لم ترد في شريط الفيديو الذي اعتمدته لجنة المهرجان”. فيما نددت نخب ثقافية بموقف إدارة المهرجان ورأت فيه تقييدا للحرية.
أيام قرطاج السينمائية التي استقبلت في دورتها الـ26 بحدود 450 فيلما بين طويل وقصير ووثائقي، منحت جائزتها الكبرى للفيلم المغربي الطويل “جوق العميين” للمخرج محمد مفتكر. هو فيلم يروي بعضاً من “سنوات الرصاص” التي كانت خلالها تتم تصفية المعارضين اليساريين. فيما حصل الممثل الجزائري عدنان جيمي على جائزة أفضل ممثل عن دوره في فيلم “مدام كوراج” للمخرج مرزاق علواش. وفازت الممثلة ميمونة نداي بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم “قلب الإعصار” للمخرج سيكو تراوي من بوركينا فاسو.
أما مهرجان مسرح قرطاج الأثري الذي انطلق في العام 1964 فلا يزال حتى الآن قبلة المهرجانات الفنية وشهادة يعتز بها كل مطرب ومطربة تتم دعوتهم للغناء على ركحه. وفي دورته الماضية قرر المهرجان حجز الافتتاح والختام للأصوات التونسية. وجديده عودة أمينة فاخت إلى ركحه بعد غياب عشر سنوات. ومن النجوم العرب الذين استضافهم المهرجان كاظم الساهر، وماجدة الرومي وملحم زين.
نهوض مهرجان مراكش الدولي للسينما
الدورة الـ17 من مهرجان مراكش الدولي للسينما انعقدت بدءاً من الأول من كانون الأول/ديسمبر الماضي بعد انقطاع في العام 2017 وذلك بهدف تمكين المهرجان من النهوض. وقد وصفت دورة العام 2017 بالقوية وذات الشعبية الكبيرة، حيث حضر فعاليات المهرجان أكثر من 100 ألف متفرج على مدى تسعة أيام. ترأس لجنة التحكيم المخرج الأمريكي جيمس غراي، حيث تبارى 14 فيلما. وكانت النجمة الذهبية من نصيب فيلم “دجوي” للمخرجة سودابيه مرتضائي من النمسا. وذهبت جائزة لجنة التحكيم لفيلم “عاملة تنظيف داخلي” للمخرجة ليلا أفيليس من المكسيك. وجائزة أفضل اخراج لفيلم “الحمولة” للمخرج أونين غلافونيت من صربيا. وبعد مناقشات مستفيضة منحت جائزة أفضل دور رجّالي ونسائي لكل من نضال سعدي وإيفا تروبش، مكافأة لهما على أدائهما في كل من “عينيا” تونس” و “كل شيء على ما يرام” على التوالي. كما توجت الدورة 17 من المهرجان ثلاثة من الأسماء الكبيرة في السينما العالمية. إذ حصل كل من روبيرت دي نيرو، وأنييس فاردا، والجيلالي فرحاتي على النجمة الذهبية للمهرجان تكريما لهم على مسيرتهم الفنية الرائعة. وقد أنار الثلاثة، بمواهبهم وسخائهم، البساط الأحمر وقصر المؤتمرات في مراكش.
وخصصت الدورة 17 من المهرجان مكانة هامة للسينما المغربية والمهنيين المغاربة الذين فاق عددهم 200 مدعو. ومن بين الـ80 فيلما التي تضمنتها البرمجة شارك 12 شريطاً مغربياً. فضلا عن الفيلم المشارك في المسابقة الرسمية “طفح الكيل” للمخرج محسن بصري. وتم عرض سبعة أفلام وطنية أخرى في إطار الفقرة الجديدة “بانوراما السينما المغربية” التي جذبت جمهورا عريضا، بمن فيهم عدد من المهنيين الدوليين الذي اكتشفوا بعضا من الإنتاجات المغربية الحديثة. كما تم عرض أربعة أفلام مغربية أخرى في ساحة جامع الفنا وفي إطار التكريم الذي خصص للمخرج المغربي الجيلالي فرحاتي.
مهرجان الجزائر للسينما افتتح بفيلم فلسطيني
مهرجان الجزائر الدولي للسينما افتتح عروضه هذا العام بفيلم “واجب” للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، الذي لاقى ترحيبا كبيرا. وشارك في المسابقة الرسمية لهذه الدورة 17 فيلماً، تسعة منها روائية طويلة، وثمانية وثائقية. وعرضت أفلام طويلة وقصيرة من خارج المسابقة. وركزت أفلام المهرجان بشكل عام على موضوعي العنصرية والهجرة غير الشرعية.
خليجياً كان لافتاً إلغاء الدورة الـ17 لمهرجان دبي السينمائي، والسبب المعلن هو إعادة التنظيم. وكذلك كان تراجع في حجم الاهتمام الإعلامي والإعلاني عن حفلات في العربية السعودية. فبعد مقتل الصحافي السعودي جمال الخاشقجي في إحدى قنصليات بلده في تركيا باتت تلك القضية الشغل الشاغل للإعلام والحكّام وأهل السياسة على مستوى العالم.