«كلاب تنبح خارج النافذة» رواية المصري صبحي موسى: سلطة التمثيل والرموز الأنثوية للوطن

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في روايته «كلاب تنبح خارج النافذة» يؤسس الروائي المصري صبحي موسى تمازجا لافتا بين الرؤية والآليات الفنية التي تسهم في تقديم وتشكيل هذه الرؤية، وكأن الفكرة والبناء جاءا متواشجين بشكل كبير في وقوعه على آليات سردية مناسبة للآراء الفكرية والمعرفية في حدود التيمة التي تشكلها الرواية وتشتغل عليها. فموضوع الرواية الأساسي هو الثورة وإن جاء متجاوبا مع موضوعات أخرى، فالرواية ترتد لمعاينة الأسباب المتأصلة لها في سنوات سابقة، وما يحتمه ذلك من وجود صور متباينة للرموز التي يتمّ تشكيلها للوطن في كل هيئاته ومنعطفاته الفاصلة.
وفي حدود ذلك الموضوع تؤسس الرواية لاختلاف وجهات النظر حولها، بين مؤيد ومعارض، بين مفتون بها إلى أقصى حدود الفتنة، ولاعن لها إلى الرفض التام. وقد أتاح البناء الروائي أن يفصح عن النزوعات المتباينة داخل الفرد الواحد، أو المشاعر المختلطة بين القبول والرفض تجاه الأشياء أو الأحداث التي يمرّ بها الإنسان. فالبطل في الرواية مريض بتعدد الهوية التفارقي، ويصبح له هويتان، أو شخصيتان، وتحدث في ظل ذلك ثغرات في ذاكرة كل شخصية منهما حين تعمل الأخرى. وتتكلم كل شخصية بمنطق وطريقة مختلفة مغايرة، ولكل شخصية رأي في إشكاليات سياسية واجتماعية وثقافية حاضرة، ولها أيضا خصائص وذكريات ورغبات، وفي إطار هذه الاختلافات تتصرف وتقارب الحياة بطريقة مختلفة.
والانتقال بين الشخصيتين يتمّ بطريقة مفاجئة تشوبها الضغوط العديدة، فالحضور دائما لحظي، وفيه استدعاء للشخصية التي تستطيع أن تتعامل مع الموقف الحادث، والتصرف إزاء ضغوطه. ففي الرواية بجزئيها (أنجريتا) و(فئران بدينة) ترتبط بشخص منقسم على ذاته، الأول الراوي والثاني ثابت، الفاعلية في الجزء الأول للراوي، والفاعلية في الجزء الثاني والأخير لثابت، ليجد القارئ نفسه أمام بنائين مختلفين في وجهة النظر والرؤية، حيث تتجلى في إطار تلك الثنائية مساحة شاسعة بين الأخلاقي وغير الأخلاقي، الخيالي والنثار الواقعي، الموافقة على الاشتباك والتعامل مع الفصائل الدينية لهدف نفعي بحت، وكرهها والثورة عليها.

بنية الرواية وسلطة التمثيل

لو لم ينتبه القارئ لأشياء بسيطة وإشارات خافتة تقدم بشكل عرضي في النص الروائي، لن يدرك أنه أمام شخصية واحدة في كل جزء تمارس سلطتها على تمثيل وتقديم الآخرين في أطر خاصة، فوراء ضمائر السرد الثلاثة الحاضرة (التكلم والغياب والخطاب) في كل جزء هناك صوت سردي وحيد قادر على التمثيل والتأطير لكل شخصيات الكون الروائي، صوت يكشف عن نفسه في بعض الضمائر أو الإشارات. فصورة كل شخصية محكومة برؤية هذا الصوت السردي، والمؤلف في النص الروائي هو المتحكم في الجزء الأول، ويأتي (ثابت) القسيم أو الهوية الأخرى فاعلة في الجزء الثاني من الرواية.
الشخصيات في تجليها الآني في النص الروائي مرتبطة بتاريخ ممتد، ومن ثم يفلح الغياب في شدّ الآني إلى الماضي، خاصة في ظلّ وجود شخصيات تشكل رموزا لأنماط ذات انتماءات أيديولوجية وأساليب معيشية وحياة. رزق الله السبّاك يشكل بديانته المسيحية وسفره المتواصل إلى البلدان العربية من ليبيا إلى الكويت إلى الإمارات نموذجا دالا على مرحلة تتجلى وفق هذا النهج. ويأتي الشيخ ضاحي نموذجا دالا على فاعلية الوجود الإخواني في أنجريتا، يكشف عن القوة وبطشها بشكل مباشر، سواء أكانت قوة في إطارها المباشر أو قوة مادية، وينضم إليه في الإطار ذاته مجموعة شخصيات أو تمثيلات موازية مثل الشيخ ياسر، وشقيق هشام (هيثم).
أما في الإطار المقابل فهناك تمثيلات لنماذج تمّ اختيارها بعناية، مثل عنتر السريح صبي المعلم ورد تاجر المخدرات وبجوارهما ياسين الشيمي الذي خرج للمعاش من شركة الأهرام للمشروبات الغازية، واكتسب قوة غير مبررة، وكأنهما ـ أي النسق الديني الإخواني والآخر الكاشف عن أشكال الفساد – يشكلان الوجه الدائم للمكان (أنجريتا) التي تأخذ مدى أوسع في التأويل. وتمثل جيهان في وجودها واستمرارها علما على المرحلة الجديدة كاشفا عن تاريخ خاص مملوء بدلالات رمزية، من خلال قدرتها على التنقل من مكان إلى مكان ومن سياق إلى سياق، خاصة حين نعاين ارتباطها بصلة قرابة كانت خفية قبل اكتشافها مع عبد المجيد أو لامبو أوسامبو وكلها أسماء لشخص واحد استطاع أن يقتل ضاحي الزعيم الإخواني ويحرقه.
في ظل حضور ضمير المخاطب – وهي جزئيات ليست كثيرة – نجد أن هناك حضورا لمتكلم ولمستمع في آن، وهذا يتحقق في وجود شخصيتين: هما (المؤلف) وثابت القسيم المقابل أو صاحب الهوية التي تستدعي وجودا أو حضورا أو فعلا مغايرا لتكوين شخصية المؤلف. والسرد بالمخاطب في الجزئين هو صوت الإكمال لخيانات الذاكرة في لحظتي الحضور والغياب، أو التنبيه إلى الجزئيات الواقعية التي لم يتوقف عندها المؤلف أو الراوي، وكأن ما يقدمه (ثابت) من خلال ضمير المخاطب أقرب إلى فعل الاستدراك بإضافة جزئيات أو نثارات واقعية لم ينتبه إليها المؤلف بفعل استراتيجية الحضور والغياب بينهما.
أما كيفية حضور الشخصية أو قسيمها فإن ذلك يخضع للموقف وسمات كل شخصية، فحين يتأزم الموقف بين ثابت وشخصية سامبو، تقول الرواية على لسان المؤلف: (أقبض على يديه قائلا سمعت أنك سألت عني اليوم). في هذا الجزء يتجلى الغياب والحضور في آن، وهناك جزئيات في النص الروائي تكشف عن هذا التلازم، وحلول أحدهما محل الآخر مثل الجسد والظلّ، تقول الرواية: (ولم يكن أمامي سوى أن أغيّر الكالون، لكن ثابت الذي لا يعرف خصوصية لأحد كان يفتح الباب بطرقه الخاصة).
في النص الروائي بجزئيه يجد القارئ نفسه أمام شخصية منقسمة على ذاتها، واحدة مشدودة إلى المثال والسكون والثبات، وعدم القدرة على الفعل، والأخرى عملية مشدودة إلى واقع، ونفعية مرتبطة بالمصلحة. ومن ثم نستطيع تبرير ذلك الترابط بين ثابت والأخوان، وهو ترابط ظهر واضحا في النص، وكشف عن مساحات من التعاون بين ثابت وضاحي و(الشيخ ياسر اللذين تواصل معهما من خلال حضوره المهيمن في بعض الأوقات، فنراه متعاونا معهما في أعمال عديدة، تنتهي بالقبض عليه وانتهاء فترة حكمهم، وخروجه من السجن بعد ذلك.

الثورة والرموز الأنثوية للوطن

قد تُقرأ الرواية في ظل هذا الانقسام النفسي، ويتمّ اعتبارها رواية نفسية لشخص يعاني تعددا أو قلقا في الهوية الذاتية، ولكن هناك خطابا في النص الروائي لم يتمّ التوجه إليه مباشرة، وإنما في إطار من المراقبة بشكل جانبي، هو الخطاب المتعلق بالثورة وأثرها، سواء في عام 2011، أو في 2013، وإن كان التركيز الأساسي على العام الخاص بحكم الإخوان. وقد يجدي الوقوف عند العنوان «كلاب تنبح خارج النافذة»، وطبيعة حضوره في النص الروائي، حيث يشير إلى حالات التهارش والنزاع على الأنثى.
وقد يجدي في السياق ذاته الوقوف عند إشارات لافتة وردت في النص الروائي بتوجيه متعمد، مثل السؤال الذي يتكرر كثيرا في النص الروائي ما الذي فعلته بنا الثورة؟ بالإضافة إلى النتيجة والمرض النفسي والجنون، تقول الرواية على لسان شخصية المؤلف: (إننا جميعا صرنا مرضى، وما يحدث حولنا يصيب بالجنون). ولا يستطيع القارئ في الوقت ذاته أن يمرر التوجيه السردي الخاص بهشام وهيثم، في حديثه عن إرثهما للشقة عن أبيهما من ثلاثين عاما، فوجودهما على هذه الحالة من النقصان العقلي والقصور الذهني وثيق الصلة بهذه المدة الزمنية التي لا تخلو من إشارة واضحة إلى مساحة زمنية محددة، أفرزت في النهاية هذين الشخصين، أحدهما أصبح تابعا لنمط أيديولوجي محدد يغيّب فرديته وذاته، والآخر في هوسه بالمرأة وأحلامه وتعلقه بنجمات التمثيل.
أما التعرية اللافتة للنظر والانتباه فهي التي تمثل الشكل الأكثر حضورا وفاعلية للنص الروائي، فيما يخص الانتماء الإخواني أو السلفي، فقد ظهرا في الرواية في حالة ارتباط شديد، فالرواية في تعريتها للشخصيات المنتمية إلى هذين الاتجاهين تعرّي منطق القوة، في البطش بالبشر، وتعري استخدام الأموال والقوة المادية في تبديد وتقويض كل حالات الرفض والاعتراض ضد كل توجهاتهم وأفكارهم. وقد ظهر ذلك جليا في تصوير ضاحي، وفي تصوير ابنه ناصر في هيمنتهما على أنجريتا بقوة المال، وقوة التابعين والمناصرين لهما. وظهر ذلك- أيضا- في تصوير الشيخ ياسر وتابعه هيثم من خلال الإشارة إلى منطق التيه بالقوة في غلق خمارة سامبو أو لامبو، ويبدو أن شيئا من لامبو في قصيدة الأبنودي قد مسّ تشكيل الشخصية في اعتراضها على السلطة الباطشة، بالإضافة إلى منع إقامة حفل زفاف شخصية المؤلف وجيهان بنت شقيق سامبو حين اكتشف ذلك، وأصر على عقد قرانها عليه، فالنص يعرّي فكرة الهيمنة والسيطرة والتخطيط لدى هؤلاء.
وهناء التي كانت أيقونة أو تصورا مثاليا للعالم المديني في المدرسة الثانوية قبل أن تصل، وحتى بعد وصولها بفترة إلى أنجريتا، تحجبت وارتدت النقاب بعد زواجها من ناصر بن ضاحي الإخواني، يكشف عن ذلك قول الرواية على لسان ثابت واصفا مساحات التحوّل بعد أن التقاها فور خروجه من السجن: (وظللت متحيّرا بين صورتها الآن، وصورتها بالأمس البعيد، متسائلا كيف لفتاة بهذه البراءة أن تحتمل كل هذه التحولات). أما الرمز الأنثوي الأخير فهو رمز وثيق بالقوة الداعمة للاستمرار والتخلص والتعاظم على كل الظروف المعاكسة، هو رمز للميلاد التكراري بعد كل هزيمة، ماثل في شخصية جيهان التي يمتد وجودها زمنيا بالفترات السابقة، فقد عاينت سقوط السابقين، والتحولات التي لحقت بأنجريتا، وعادت في شقتها التي تطل على الميدان في انتظار المؤلف الذي يمثل مساحة الحلم والخيال والإيمان بالغد، يتجلى ذلك في قول الرواية في فقرتها الأخيرة من الجزء الثاني على لسان ثابت: (تجلس تتذكر هشام وعمته المصابة باللوكيميا، ووالدتك المصابة بالذئبة الحمراء، وبلادنا التي لا تفارقها أمراض الكلى والسرطان، موقنة أنها بلاد خلقت من أجل الموت… جيهان الآن تتذكر وتبكي، وتنظر من شرفتها إلى الميدان بحثا عنك، وما زالت كلما أتي الليل تترك بابها مفتوحا وتنتظر دخولك منه)، فهذا الاقتباس يؤيد مشروعية التلقي السابق، في تحريك هذه الشخصيات الأنثوية من وظيفة سردية إلى وظيفة ذات حدود أكبر، لترتبط بالرمز في عطائه اللافت غير المحدود.
صبحي موسى: «كلاب تنبح خارج النافذة»
دار صفصافة القاهرة، 2024
328 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية