كلام في حجاب المرأة

خطيب بدلة
حجم الخط
2

كلما لامس الكوزُ الجرة يفتح السوريون سيرةَ الحجاب. فتحوها مؤخراً حينما رُشّح للأوسكار فيلمان سوريان أحدُهما للمخرجة أماني بلور، المحجبة، وثانيهما للمخرجة وعد الخطيب، السافرة. المضحك أن هذه الحوارات، أو لنقل هذه المماحكات تناولت مسألةَ الحجاب على نحو واسع، وأدت إلى اصطفاف البعض وراء الخطيب، والبعض الآخر وراء بلور، ولم تتناول الفيلمين، لا فنياً، ولا فكرياً.
ربما كان الفضل في إثارة قضية الحجاب خلال الأشهر الأخيرة، وعلى هذا النحو الحاد والمحموم، يعود إلى الباحث السوري فراس السواح، الذي طرحها بطريقة استفزازية صادمة، إذ كتب أنه سيضطر لأن يحذف من صفحته على الفيسبوك أي طلب صداقة يأتيه من سيدة محجبة، باعتبار الحجاب ـ برأيه – قرينَ التخلف عن العصر، فقامت قيامة الرجال والنساء على صفحات التواصل الاجتماعي، ونزلوا بسنسفيل كل من يؤيد السواح. صراحة أو تلميحاً، أو يسكت عنه، أو حتى ينأى بنفسه عن التحالف ضده، واضطر فراس لأن يحذف البوست، ولم يعتذر بالطبع، لأنه لم يغير رأيه في اقتران الحجاب بالتخلف، بل إنه تطرق إليه مجدداً، وباستفاضة، خلال اللقاءين المتتاليين اللذين أجراهما معه الصحافي إبراهيم عيسى، ضمن برنامج «مختلف عليه» على قناة الحرة، حيث تحدث فراس عن الموضوع، بدون استفزاز، وإنما من خلال مناقشة النصوص الدينية وتفسيراتها بشكل علمي.
ليس المقصود من هذا الكتابة العودة إلى مربع خالد العبود الأول، ولا يمكن كذلك القول على طريقة قدري جميل، بأن هذه القضية «صارت ورانا»، فهي لن تصير وراءنا في يوم من الأيام، بل إنها تغدو قضية راهنة، لأن عدداً كبيراً من الأسر العربية المسلمة، جرى تهجيرها إلى أوروبا، وتضطر للتعامل اليومي مع النساء الأوروبيات السافرات، إضافة إلى أن المجتمعات الأوروبية تنظر إلى الحجاب بشيء من الضيق.. المقصود هو زعمُ كاتب هذه الأسطر بأن الحجاب ظاهرة اجتماعية في المقام الأول، علاقتها بالدين ضعيفة، وتحتمل الكثير من الأخذ والرد.
أضع، أنا كاتب هذه الأسطر، هذا الزعمَ على طاولة الحوار، لكوني أمضيت أكثر من ستين سنة من عمري في بيئة مسلمة، محافظة، محجبة، ومتأكد من أنني ملم بكل تجليات هذه القضية المتوارثة. الشاب السوري في الكثير من المحافظات السورية، ومنها إدلب بالطبع، لا يشترط على أمه وأخواته، حينما يذهبن في رحلة البحث عن عروس له أن تكون محجبة، فهذا الأمر متفق عليه ضمناً بين جميع الأطراف، وحينما تلتقي نساء أسرته بنساء أسرة العروس، أو رجال أسرته برجال أسرتها، لا يتطرقون لموضوع الحجاب، فهم أساساً اختاروا هذه الفتاة بالذات لكونها محجبة. ما تعرفه نساؤنا هو ما يقوله كبير عائلتهن بين الحين والآخر: نحن، بيت فلان، ما عندنا نسوان بيطلعوا بالقرعة! (يعني سافرات).
يمكنني أن أغامر بالقول إن نسبة النساء المحجبات، في مدينة إدلب مثلاً، يتجاوز 98%، وأما في الأرياف، فنسبة المحجبات مئة في المئة. وهناك مثالان ربما يساعداننا في فهم الواقع أكثر.
الأول: في مدينة إدلب عائلات اعتنقت الشيوعية خلال السنوات الخمسين الفائتة. (وهذا أمر عجيب، لأن الشيوعية عقيدة غير مرغوبة ضمن المجتمعات المحافظة، ويمكن أن يُعجب بها شخص هنا وشخص هناك، والمدهش أن تعتنقها عائلات كاملة) والشيوعيون، نظرياً، غير دينيين، ومع ذلك فالنساء السافرات من هذه العائلات الشيوعية قليلات جداً.
الثاني: ثمة رجال مدمنون على تناول الكحول، ولا يؤدون أياً من الفروض المكتوبة على المسلم، وهؤلاء متشددون في فرض الحجاب على نسائهم وبناتهم وأخواتهم.
المسألة، إذن، ليست دينية، والبنات يرتدين الحجاب، بل يُفرض عليهن ارتداؤه قبل أن يطَّلعن على تعاليم الدين بشكل جيد، بل قبل أن يقرأن الآيات القرآنية التي تتحدث عن أحكام الحجاب في الإسلام، وأكاد أجزم بأن ملايين النساء المتحجبات لم يتابعن، ولن يتابعن المناقشات التي خاضها الأساتذة محمد شحرور وأحمد عبدو ماهر وفراس سواح ويوسف زيدان وسيد القمني، وتوصل معظمهم إلى أن النص القرآني أمرَ النساء بأن يضربن بخمرهن على جيوبهن، أي يخبئن المناطق القريبة من منطقة الثديين، وأكد هؤلاء الباحثون على أنه لا توجد آية قرآنية واحدة تأمر بتغطية الرأس صراحة.. وسردوا، كذلك، قصة الحجاب في مجتمع مكة ويثرب، وهي أن العرف السائد في تلك الأيام كان يُلزم الإماء بأن يخرجن سافرات، بينما الحرائر يضعن غطاء الرأس لئلا يُعرفنَ فيؤذين.. وقد روي عن الخليفة الثاني عمر، أنه شاهد أمَةً متحجبة فأمرها برفع الحجاب لئلا يلتبس الأمر على الناس الذين يرونها فيظنون أنها حرة.
خلاصة القول: مسألة الحجاب عندنا اجتماعية، ولكنها تكتسب قوتها ومناعتها وحصانتها من الدين. الاجتماعي يتمترس وراء الديني.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية