بعد أن فرضت التكنولوجيا سطوتها وبلغت وسائل الاتصال مبلغها من التسلط على حياة الإنسان واقتحامها وتتبع كل حركاته وسكناته في اليقظة والنوم، كان ضرورياً أن يكون للسينما دور آخر في فضح الممارسات التكنولوجية والوقوف على حقيقة التلصص الذي يُمارس من البشر ضد البشر في محاولة لتوظيف الفيلم القصير للفت النظر والتنبيه إلى مكامن الخطورة في الاستخدام الخبيث لإمكانيات وقدرات الكاميرا الخفية التي باتت جزءا من المقتنيات الأساسية في مجتمع تعم فيه الفوضى وتفتقد فيه الغالبية لأهلية التعامل الرشيد مع وسائل التواصل والاتصال.
الفيلم الذي كتبه هشام سامي وأخرجه مصطفى عز لا يعدو كونه جرس إنذار يحذر من مغبة الاستسلام لغواية الانسجام مع لحظات الانفراد بالموبايل واستعذاب التقاط الصور والثقة المُتناهية بالكاميرا الخئونة عند المعايشة مع الطرف المُتصل والمتربص بالضحية على الجانب الآخر في سكون الليل المُحرض على السهر والغواية والفتنة.
«كلهم في أوضة نومها» فيلم يُصدر عنواناً مُثيراً لكنه لا يُفصح إلا عن القليل مما يحدث من ألوان التورط بالصوت والصورة عبر اتصالات افتراضية مُعادلة للحقيقة، يقدمها كل من الكاتب والمخرج كنماذج لجرائم تقع يومياً بلا حساب أو عقاب، حيث الجاني فيها مجهول بالتواطؤ أو بالخوف من الفضيحة، بينما المجني عليهم يظلون هم السلعة المُقدمة لجمهور الليالي الحمراء في مشاهدات تحقق مُعدلات غير مسبوقة على حساب السيرة والسمعة، ناهيك عن عمليات الابتزاز التي تتم تحت التهديد والوعيد بعد أن يكون اللص قد اختلس الوقت الأوفر من التواصل وحصل بفعل التلصص والمراقبة والغواية على ما يُمكنه من التأثير على الفريسة وإنجاز مهمته بأقل الضغوط وهو موقن أن الواقع تحت تأثيره وفي قبضة يده لا يملك إلا الإذعان لكل أوامره.
الغريب أن الفيلم الجريء في طرحه وموضوعه لا يستخدم إلا لغة التورية والإيحاء فقط، وفي بعض المشاهد يجنح إلى تفعيل الأسلوب الساخر فنرى بعض الذين تربطهم علاقة افتراضية بالبطلة قد تسللوا إلى غرفة نومها وإلى مخدعها ومنهم من يختبئ في دولاب الملابس ينتظر دوره في عرض مطالبه كثمن للتغطية على الأسرار والتجاوزات، وهو بُعد كاريكاتيري يتسم بالكوميديا السوداء كلون مناسب للمأساة الإنسانية التي تواجه المتورطين في لعبة التصوير السري والقسري.
وربما ما يُميز الفيلم القصير أيضاً تكثيف اللغة السينمائية إلى الحد المُتناهي زمنياً، فالكاتب هشام سامي والمخرج مصطفى عز والأبطال أسامة عبد الله وحامد الشراب ونشوى علي، قد اتفقوا على أن تأتي الصدمة للمُشاهد من واقع الإحساس بها وبدون أن يواجهها بشكل مباشر، فهو يتوقع مع كل معنى يصله عبر الشاشة أن هناك صورة دالة على المعنى ذاته ستأتي إليه مُجسدة وصريحة خلال لحظات، في حين يُمرر المخرج الحالة بغير أدنى محاوله للإثارة الفعلية، اللهم غير إشارات بسيطة يتم تضمينها داخل السياق لتفي بالغرض كخوف البطلة من المجهول الذي ينتظرها ودهشتها من وصول المُتسللين إلى غرفة نومها بسهولة وبلا مقدمات، إضافة إلى وقع المفاجأة عليها وهي التي كانت تعتقد أن حسابها الإلكتروني آمن وغير مخترق وأنها بمنأى عن خطورة المُخترقين المحترفين في فك الشفرات والعابثين بمصير القُصر من الفتيات. لم يقدم الفيلم الاستثنائي القصير ضمن مُعطياته رسالة تعليمية مباشرة للإرشاد، لكنه يضع تفاصيل الحالة الفنية المُخيفة أمام المشاهد ليتولى بنفسه استنتاج ما يُمكن استنتاجه منها بلا وصاية من الكاتب أو المخرج أو الممثلين أو جهة التمويل. بيد أن الأمر كله يظل متروكاً للتداعي الدرامي وتأثير الحدث الجوهري الدال والمُتضمن داخل الإطار الإبداعي في أقصر الجُمل الحوارية والصور المُعبرة عن ماهية المشكلة والموضوع وأزمة الشخصيات، وهو ما يُمكن وصفه بالتعبير التلقائي الذي يفتقد لبعض الخبرات الضرورية في الكتابة والإخراج والتمثيل برغم وجود الموهبة لدى جميع العناصر المُشاركة في صناعة الفيلم القصير جداً والذي لا يتجاوز زمنه العشر دقائق المليئة بالتوتر والقلق، والغنية بالمُثيرات الداعمة للفكرة كالموسيقى التصويرية ودرجات الإضاءة بمستوياتها الموحية، بالإضافة إلى قدرة الممثلين على التقمص والأداء وتمكنهم من توصيل الإحساس الخاص بقسوة التجربة وانعدام التوازن النفسي عند مواجهة العدو الذي يختبئ خلف الساتر التقني.