«كما قال الشاعر»… حكاية الوطن في سيرة درويش وإبداع حجاج

لا يزال المثقف العربي يعيش صدمة الموت الدراماتيكي للكاتب والمخرج الفلسطيني نصري حجاج. وربما يُستدعى إبداعه الاستثنائي بتأثير الحزن والفقد والفراق، ذلك أنه رصد لحظات الألم ووجع الغربة والفراق في أهم أفلامه «ظل الغياب».
ولم يفته أن يُعبر في السياق ذاته عن محنة غياب القصيدة الفلسطينية المُقاتلة بعد رحيل الشاعر محمود درويش عبر فيلمه المهم «كما قال الشاعر» وهو محض رثاء ليس لدرويش وحسب، وإنما لمُعطيات حياتية كثيرة ارتبطت بوهج القصائد وعناد القضية وصلابة الشاعر وحنينه الجارف للبقاع الواقعة تحت الأسر. فما من غصن زيتون ولا حبة تراب ولا عود ريحان ولا زهرة بنفسج ولا بندقية ولا ضحكة طفل ولا حكاية تراثية، إلا ونظم لها محمود درويش الشعر، واستدعاها لتكون بيتاً في قصيدة. ومن جنس إبداعه وثيمات قصائده وعنفوان صوته وشجو إحساسه، صنع حجاج فيلمه لصاحبه ورفيق دربه، مُعنوناً بصفته وموهبته ومنطوقة «كما قال الشاعر» كأنه الاستدلال على الشاعر بشعره وعناوين قصائده وملامح نضاله وأفكاره وعذاباته وهويته المدونة على أغلفة دواوينه، بعيداً عن جواز سفره وأوراقه الرسمية.
يفتتح المخرج الراحل مشهد البداية بموسيقى الحزن المُعبأ في القلوب، وصوت الغناء الأوبرالي، مع اتساع زاوية التصوير وعمق الصورة الشاملة بمفرداتها. الشجر الواقف بثبات، والآخر المتدلية أغصانه على شكل انحناءات ترسم لوحة الوقار والاحترام للقامة الشعرية، التي لم يغيبها الموت، بل زادها حضوراً وتأثيراً وألقاً. إشارات إبداعية تليق ببطل الحكاية وصانعها أيضاً، فالاثنان على درب واحد بينهما قضية الوطن المُثقل بالهموم والمسؤولية. فعلى أرضه كما يقول الشاعر ما يستحق الحياة ولا مجال في عمر الأوطان وسيرها لموت يفصلها عن الوجود .
وفق فلسفة البقاء ومقاومة الفناء تنطلق تعبيرات القصائد في شعر درويش، وصور حجاج السينمائية المأخوذة عن كلامه وعقيدته وثوريته. فما بين المشاهد تُطل الذكريات من بعيد، فتمر على مُخيمات اللجوء ومعسكرات القتال والحدائق الغناء وبهو الساحات وواجهات البيوت، والعلم المُخضب بالدماء ورائحة الخُبز والقهوة، وترانيم الصلاة وتكبيرات الآذان والأعياد والفرح المُختلس للأطفال. سردية درامية تسجيلية مُتناغمة تفرد أجنحة الحُلم الفلسطيني كأنها مسيرة طائر يجوب السماء طولاً وعرضاً، ويعلو ويدنو على إيقاع النشيد وبيت القصيد، مردداً «على هذه الأرض ما يستحق الحياة». شطر يتكرر على شفاه التلاميذ في المدرسة الابتدائية وتُطلقه حناجرهم القوية في ما يشبه الصرخة. وهو تضمين رمزي لاستمرار المقاومة وتداول المفهوم الوطني من جيل إلى جيل، ومن بقعة إلى بقعة. فكل البقاع مُشبعة بالدماء وتحت الأرض مئات الشهداء، فلا غرابة أن يكون المشهد الفلسطيني حماسياً بامتياز وشجياً بالضرورة.
وتتواتر حكاية محمود درويش الشاعر والإنسان بفصولها التراجيدية وانتفاضاتها وسكناتها.. بإيقاعها وجرسها.. بقيودها وحريتها ويصدح صوته بالقصيدة مُعلناً تمرده وعصيانه وانتماءه الأوحد للوطن والشعر. وهي آيات التجلي في فيلم نصري حجاج، الذي توحد مع درويش فأسقط ما بحياته على نفسه وقناعاته وإيمانه المُطلق أيضاً بوطنه وقضيته وإبداعه.
وحدة الهم، مفهوم ومعنى مُستخلص من تفاصيل الرواية السينمائية الإنسانية الخاصة بالشاعر الكبير، فرغم أن الفيلم يختص بدرويش وسيرته، إلا أن واقع الرؤية والرواية لا يقف عند حدود التعبير الأحادي لحياة مُبدع وشاعر، حتى إن كان الشاعر محوراً للأحداث، حيث القضية أكبر من المُبدع الفرد مهما كانت حيثيته وأهميته، وهذا ما أكد عليه المخرج في عرضه لصور البطل وذكرياته وآثاره وظلال حضوره في البيت والمُستشفى والحقول، وعلى جدران المدارس، وفي لافتات الشوارع وانتهاءً بالمثوى الأخير، حيث شاهد القبر الدال عليه. مروراً بمسيرة الوداع الجماهيري الشعبي وطوفان البشر المُحيط بالنعش، كناية عن الحب والارتباط الوجداني الوثيق بالشخص وإبداعه ومسيرته وسيرته وهي عظمة التضمين البلاغي للمعنى في المشهد التسجيلي الحي.
ولمزيد من التصعيد الشعوري بوطأة الفقد والرحيل وقسوة الفراق، اعتنى نصري حجاج في الفيلم بالمؤثرات الموسيقية والغنائية، وتدرج الصور والظلال بمستويات دقيقة أعطت إحساساً عاماً بالحزن، ووضعت المشاهد داخل الحالة الإنسانية، دون أن يكون في ذلك إثقال عليه. وقد نجح هذا الأسلوب في إشباع الصورة الكلية بكل مفردات الثراء الفني والموضوعي، لاسيما أن المونتاج كان على المستوى المطلوب تماماً من حيث التكثيف والتأثير والإيقاع.

كاتب ‏مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية