كنتُ صبيّا مُرْضَعَا في أرض موازية

من شواهد الشعر ما يربك فهمك ويبلبل عليك قلبك ويأسرك. دعنا من تخريج النّحاة لتلك الشواهد، فهذا أمره هيّن لكن ما يشغلك وأنت في مملكة النحو القديمة أن تستمع بشاعريّتك لا بعقلك اللغوي إلى شاعر وضعه النحاة في ركن وقيدوه فيه، بعد أن استجلبوا بيته للشهادة على ظاهرة نحويّة، حنّطوه وتركوه يعرض على بلّور يشبه بلّور محلاّت العطور أو الثياب الراقية. يكون الشاعر في هذا العرض كدُمية الملابس جميلة، لكنها لا تتحرك وتكون العيون لا عليها، بل على ما حملته من ثياب.. أقول لنفسي كيف يمكن أن أحيّي دمية الشاعر وأحرّك مشاعره التي نسجت شعره، التي نزع عنها النّحاة روحها.
كثيرة هي الشواهد التي حرّكتني وأنا في محراب النّحو ومنها شاهد يقول: (يَا ليْتَنِي كُنْتُ صَبيًّا مُرْضَعَا ٭ تَحْمِلُنِي الذَّلْفَاءُ حَوْلاً أَكْتَعَا// إذْ بَكَيْتُ قَبَّلَتْنِي أَرْبَعَا٭ إذًا ظَلَلْتُ الدَّهْرَ أَبْكِي أجْمَعَا).
أوّل شيء ينبغي أن نلاحظه أنّ النّحاة لم يحتفظوا باسم الشاعر فقالوا قال الراجز هكذا بلا تحديد أو لعلّه بخست قيمته لرجزه والرجز غير الشعر، فهو في ما اشتهر حمار الشعراء وهذا ظلم للرجز وللحمار كليهما عظيم، المهمّ أنّهم لم يذكروا اسم الراجز لقد تركوا وجهه يسافر.. لكن ماذا سيضيف له اسمه إن كان نكرة غير معروف، ربّما أرسلنا الركبان تبحث عنه فجاءتنا ببعض أخباره ونسجت عليه أخبارا أخرى فثالثة ورابعة، حتى يصبح الرجل حديثا كاملا وأسطورة بعينها: هكذا صنعت الأخبار أرواحا عظيمة هي في التاريخ كومة من اللحم والعظام، وربّما مرّت في حياتها باهتة باردة يكاد لا يراها أحد أو بها يحفل.
الشاهد الشعريّ في كتب النّحاة عادة ما يكون مستجيبا لقواعدهم، وعادة ما يكون حجّة على خلاف بينهم، لكنّه قبل ذلك يصبح وهو الذي تكسوه اللغة بأصواتها واشتقاقها وإعرابها لا كلاما، بل كلاما على الكلام، أو شاهدا للغة على نفسها ويسمّى هذا في اللسانيّات المعاصرة الوظيفة الوَرَ لسانيّة، أيْ أنّ اللغة تصبح مادّة للقول وموضوعا له، هي حالة من انعكاس اللغة على نفسها، إذ تصبح مرآة لذاتها. يمضي الكلام ويمرّ فلا يرى نفسه، بل يراه الناس حتّى يستوقفه صَنَعة النّحو والبيان والنّقد فيقلبوا نظره إلى نفسه ويصير هو المحيل والمحال عليه.

أوّل شيء ينبغي أن نلاحظه أنّ النّحاة لم يحتفظوا باسم الشاعر فقالوا قال الراجز هكذا بلا تحديد أو لعلّه بخست قيمته لرجزه والرجز غير الشعر.

الشاهد أعلاه استعمله النّحاة في كثير من المواضع منها موضع خلافيّ بين البصريّين والكوفيّين من النّحاة. يقول نحاة البصرة إنّه لا يمكن توكيد النكرة، ويقول الكوفيّون إنّ ذلك ممكن ويستشهدون في هذا السياق بأنّ الراجز أكّد (حولا) وهو اسم نكرة محدود (له أوّل وآخر) أكّده بـ(أكتع) وهو يعني الحول كاملا. والشاهد الثّاني في التوكيد أيضا، أنّ في البيت ما يدلّ على إمكان الفصل بين المؤكّد والتوكيد بأجنبيّ وهو الذي في قوله (الدّهر أبكي أجمعا) إذ فصل بين (الدهر) وهو المؤكَّد و(أجمع) وهو التوكيد بالفعل (أبكي) والأصل أنّه لا فصل بين التوكيد والمؤكَّد.
يبدو الأمر بسيطا بأنْ تؤخذ حجة هذا الراجز على أنّ ما منعه البصريّون هو ممكن، ويبدو البصريّون بين أمرين إنْ أمعنوا في الرفض خالفوا الاستعمال، وإن قبلوا زال خلافهم، لكنّ الأمر ليس بهذه البساطة فالتفاصيل والأحكام النّحويّة تزيد من الاختلاف عمقا وحلاوة، لكنّ تبسيطنا للمسألة وعرضها على واجهة المحلات هو الذي جعلها خفيفة كسيجارة لا تعلّم الإدمان.
خلف ما يمكن أو لا يمكن وخلف مسائل التوكيد المعنوي روح متمرّدة لها رؤية فريدة للكون: روح تسعى إلى وصل من تحب فتفرّ من العالم الرّاهن إلى ما يسمّى بالعوالم الممكنة. الفرار من العوالم الراهنة إلى العوالم الممكنة ممكن ومألوف ومفيد، واللغة تتيحه بأساليب يسيرة من بينها التمنّي. سامح الله نحاتنا والبلاغيين من بني جلدتنا حين حكموا على التمنّي بأنّه دليل على أنّ ما نرغب فيه مستحيل. هذا تفسير محبط وتدخّل باسم العلم في كون لا يعنيهم، إذ ليس من مهمّة النّحوي أن يقول لك حين تتمنّى أنك تريد مستحيلا، دوره أن يصف الأبنية التي تمنّيت بها، بل ليس من دور البلاغي أن يقول لك إنّك إن تمنّيت أنشأتَ كونا مُستحيلا من دوره، أن يقول إنّ هذا إنشاء وهذه خصائصه وهذا مجال تداوله. ووهم أن تعتقد أنّ الحكم بالاستحالة جزء من الحكم على الأكوان المنشأة باللغة. ليس في اللغة مستحيل، بل ليس في الأكوان المنشأة بها مستحيل. ما ضرهم لو قالوا إنّ التمني عالم ممكن ودافعوا عنه بدلا من أن يقولوا إنّه مستحيل واستماتوا في الدّفاع عنه مُحالا.
التمني دليل على وجود عوالم ممكنة هي غير عوالمنا الراهنة.

ما ضرهم لو قالوا إنّ التمني عالم ممكن ودافعوا عنه بدلا من أن يقولوا إنّه مستحيل واستماتوا في الدّفاع عنه مُحالا.

لله درّ الفيلسوف الأمريكي صول آرون كريبكاي حين ربط الدلالة بالماورائيّات الممكنة، تلك التي لا نصارعها فتصرعنا. ما فعله كريبكاي هو أنّه أحْيانا وقد قتلونا هم بالإلحاح على المُحال. القضيّة (بمعنى القول الأدنى بل قل الجملة) الممكنة هي التي يمكن أن تحدث في عوالم ممكنة، فعلى سبيل المثال لو قلت (مدام بوفاري خانت زوجها) فإنّ هذا قول ممكن في رواية غوستاف فلوبير ولو قلت (جميل أحب بثينة طفلا) لكانت أيضا قضيّة ممكنة في عالم ممكن هو عالم شعر جميل، وهي ممكنة منهما لإمكان الخيانة الزوجية وتغلغل العشق في منابت الصبا.
وبهذا المعنى الأوّلي تكون قضايا أخرى مستحيلة في عوالم ممكنة كأن أقول (أنا أبيض البشرة وأسودها في آن) أو أن أكون عاشقا للذلفاء وصبيّا مرضَعًا من صدرها في آن. هذا غير ممكن برواية لكنه ممكن بأخرى. لقد اتسعت نظرية العوالم الممكنة إلى آفاق أكثر من تلك التي حدّدها لها كريبكاي. في نظرية الواقعية المشروطة لدافيد لويس، فإنّ العوالم الممكنة هي أيضا عوالم حقيقيّة كعوالمنا الراهنة، وفي هذا السياق تحدّث هيلاري بوتنام (هو رجل لا تغرّنكم العادة) عن الأرْضَيْن التوأم: عن أرضنا وأرض توأم لها فيها الماء لا يتألف من ذرتي هيدروجين وذرة أوكسيجين، كما هو عندنا، بل قد يتألف من أجسام أخرى، وبناء عليه فإنّ عالمنا الراهن ههنا ليس إلاّ فرضيّة من عوالم ممكنة. هذه العوالم الممكنة تبنى باللغة ومن بينها التمنّي: يتمنّى الراجز أن يكون صبيّا أبَدا لا حبّا في الصبا بل حبّا في حمل الذّلفاء (هي صغيرة الأنف مستوية الأرنبة) له في هذا الكون التوأم يكون الحمل حولا كاملا لا تسعة أشهر قد تنقص. وفيه يكون الحامل لا الأمّ بل العشيقة والمرضع لا الابن، بل العاشق والبكاء ليس له من حاجة إلا لطلب القبلة، وفي هذه الأرض التوأم يكون ثمن البكية أربع قبلات.. في هذا العالم سيظل هو يبكي وتظلّ هي تقبّله: عمر القبل أكبر من عمر البكاء، وهو البداية والقبل لا نهاية لها.. هنا في هذا العالم الممكن الموازي سيوجد نحاة آخرون.. لا يعنيهم كثيرا أنّ التوكيد سيكون نكرة فهم أنفسهم هناك سيكونون نكرة وربّما وضعوا نظريّة لتكافؤ الأعداد بين القبل والبكاء.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية