كورونا أفق للتفكير: مفعولات واستشكالات

أمّا المرض فإنّه يُمكِّننا من التفكير في جسدنا الذاتي كأفراد، ومن ثمّ التفكير في علاقتنا كأفراد بالطبيعة، أمّا الوباء فإنه يُتيح لنا إمكانية التفكير في جسدنا الاجتماعي كمجتمعات ومن ثمّ التفكير في علاقتنا كمجتمع بالطبيعة. في الحالتين معاً، نحن مدعوون اليوم كبشر إلى إعادة النظر في علاقتنا بالطبيعة.
صحيح أنّ فيروس كورونا، موضوع حيوي وراهني للبيولوجيين بعامّة وعُلماء الفيروسات بخاصّة. الذِين لا يزالون يتعرّفون عليه، ويفحصونه مخبرياً مِن أجل صياغة محلول أو لقاح أو دواء له، وبالتالي تخليص البشرية مِن وباء فتّاك وجائحة عالمية عابرة للقارات والأوطان. هكذا دأب التقليد: الأسبقية للدراسات العِلمية البيولوجية. فحِفظ الحياة أوّل الأولويّات وآخرها. هذه المسألة قد يعرفها الأنثروبولوجي والسُّوسيولوجي، قبل البيولوجي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأوبئة ومفعولاتها الاجتماعية والثقافية. لكن اختزال الفيروس المعني في ما هو بيولوجي محض، قد يكون ضرباً من ضروب الاختزال القاتل. إنّه في نهاية المطاف مرض فتّاك. وما يجعله أخطر هو كونه فيروسا جديدا (لعائلة فيروسية حديثة نسبياً) لم يحظ بالدراسة العِلمية الكافية بعد، أيْ ما يزال منفلتاً إلى حدّ ما من قبضة العِلم والعُلماء. مع الأخذ بعين الاعتبار أنه مرض معدٍ يخترق الحدود ويعبر الأوطان. يجعل من الجسد البشري مسكناً له، وناقلاً له في الآن نفسه. وما قد ينجم عن ذلك مِن تحوّلات في الشرط البشري برمَّته على مختلف المستويات والسياقات والوضعيات.
أمّا كونه مرضاً بشرياً فهذه حجّة كافية في حدّ ذاتها، لكي يكون الوباء موضوعاً لمجالات معرفية وحقولاً علمية وتخصُّصات فكرية متعدّدة ومتنوعة، مِن بينها الفلسفة، على اعتبار أنّ المرض تجربة أنطولوجية خالصة، فاصلة بين الموت والحياة، الوجود والعدم. إنّه معاناة قبل أيّ شيء آخر، يُتيح لنا إمكانية التفكير في جسدنا وهشاشة حياتنا البشرية والتفكُّر في الحدود الفاصلة بين الحياة والموت. وأمّا كونه مرض معدٍ أو بالأحرى وباء معمّم فهذه حجّة ثانية، باعتباره تجربة اجتماعية حدودية لعلاقتنا كأفراد وفاعلين وذوات في المجتمع والسلطة من جهة، وعلاقتنا بالطبيعة من جهة ثانية. وبالتالي إمكانية الحديث عنه كموضوع للعلوم الاجتماعية والإنسانية بشكل عام، وكموضوع للسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والتاريخ بشكل خاص.
مِن هنا بالضبط تستمدّ هذه المجالات والتخصُّصات المعرفية مشروعيتها الإبستيمولوجية في التعامل مع كوروناً فكرياً وعِلمياً، وبالتالي التفكُّر في الانعكاسات والمفعولات الاجتماعية والثقافية والتاريخية والأنطولوجية لهذا المرض؛ تحويل كورونا من كيان- فيروس- بيولوجي إلى موضوع للتفكير اللَّا- بيولوجي، أيْ من خارج البيولوجيا، ومن داخل الفلسفة والعلوم الاجتماعية، أو لنقل على هامشها والحالة هذه.
بهذا المعنى تكون كورونا أفقاً للتفكير، أوليست كورونا فيروساً مرضياً؟ بلى إنّها كذلك، وهل للمرض والوباء أنْ يتحوَّل إلى أفق؟ أجل.. كيف ذلك؟ مِن خلال التفكير ولا شيء غير التفكير. على أنْ يكون التفكير هنا بطريقة خاصة جداً، ومتنوعة جداً. هذا ما يجعل تفكيرنا في كورونا أفقاً. إنّه أفق مِن حيث ما يُتيح لنا مِن إمكانية لتوسيع مجالات تفكيرنا في ذواتنا كبشر من ناحية، وفي العالم من ناحية ثانية. مِن هنا تستمدّ عبارة «أفق للتفكير» معناها. إنّ الأمر لا يتعلّق بعرض أجوبة أو أفكار جاهزة، بل العكس هو الصحيح. فما يهمّنا بالدرجة الأولى هو طرح الأسئلة ولا شيء غير الأسئلة. وحدها الأسئلة، تمكّننا مِن فتح إمكانيات وآفاق جديدة للتأويل. سنكتفي في هذا المقام بصياغة وتوليد بِضعة أسئلة واستشكال بعض المفعولات الاجتماعية والثقافية المُحتملة.

زمن كورونا»: هناك تضخَّم كبير في الآونة الأخيرة في استعمال عبارة «زمن كورونا»، وهي عبارة من العبارات التي جاء بها كورونا، ليس في الصحافة والإعلام وحسب، بل حتى لدى فئة ليست قليلة من الساسة والمثقفين والعُلماء، بدون تحمل عناء أيّ تحديد دقيق لمعناها.

«الخَوف الكوروني المُعَّم»: إنّه خوف وبائي معمَّم، لأنّه اخترق مُجمل المجتمعات، سواء تعلَّق الأمر بمجتمعات المركز، أم بمجتمعات الهامش. هل هو خوف مِن كورونا في حدّ ذاته أم هو خوف مِن مفعوله خاصّة عندما يتحدّد مفعوله في الموت الوبائي، مادام أنّه لا يزال يقطف الكثير من الرؤوس إلى حدود اللّحظة؟ هل هو خوف مبرَّر اجتماعياً وثقافياً؟ ما موقع الدين مِن هذا الخوف والتخوُّف، هل الاعتقاد الديني والممارسة الدينية عاجزان عن مقاومة هذا النوع من الخوف لدى الإنسان المؤمن والمتديِّن، حتى في أكثر المجتمعات تديناً، أو بالأحرى في أكثر المجتمعات التي يقع فيها الدين في مركز المجتمع كنظرة للعالم، للحياة والموت؟ ما موقع العِلم من هذا الخوف، حتى في المجتمعات الحديثة و المعاصرة في ظلّ منظومة الحداثة، التي يقع فيها العِلم في مركز المجتمع؟

«زمن كورونا»: هناك تضخَّم كبير في الآونة الأخيرة في استعمال عبارة «زمن كورونا»، وهي عبارة من العبارات التي جاء بها كورونا، ليس في الصحافة والإعلام وحسب، بل حتى لدى فئة ليست قليلة من الساسة والمثقفين والعُلماء، بدون تحمل عناء أيّ تحديد دقيق لمعناها. ربما من المعاني التي يُمكن أنْ تُسعفنا في استفهام هذه العبارة، هو معنى الزمن الوبائي. كيف يتحوّل الوباء إلى زمن؟ لسنا نتحدّث هنا عن الزمان بمعناه الضيِّق، أيْ الوقت (زمن عقارب الساعة)، الزمن الخطي أو الدائري، أو الزمن الكرونولوجي، وإنّما نتحدّث عنه بمعناه الواسع، بوصفه زمناً تاريخياً من ناحية، وبوصفه زمناً اجتماعياً وثقافياً من ناحية ثانية. لا ريب في كوننا نعيش سياقا وبائيا- كورونيا- عالميا، لكن هل يعني ذلك أنّ الزّمان بالمعنى الواسع، الآنف الذكر، أصبح زمناً مَرضِياً؟ يحقّ لنا أنْ نتساءل أيضاً: هل تحوَّل كورونا فيروس إلى زمن تاريخي؟ هل يمكن اعتبار كورونا لحظة تأريخية مجتمعية؟ هل نعيش لحظة تاريخية تحوّليّة ومفصلية، يُمكنها أنْ تفصل بين لحظة تاريخية مجتمعية قبلية وأخرى بعدية، أم أنّنا أمام لحظة تاريخية عابرة؟
«أفول عالَم اجتماعي وانبعاث آخر»: هل نحن بصدد أفول العَالم الاجتماعي الحالي باختلاف المجتمعات والتشكيلات المجتمعية الاقتصادية، وانبعاث عالَم اجتماعي جديد؟ هل نحن بصدد تحلُّل وتقويض المجتمعات والدول الراهنة التي أخفقت (لكي لا نقول عجزت) إلى حدّ كبير (إلى حدود الآن) في الانفلات من قبضة وباء كورونا، ومن ثمّ إعاة صياغة مجتمعات ودول جديدة، على أسس جديدة في علاقة المجتمع والثقافة بالطبيعة، تكون قادرة على مواجهة كلّ المخاطر المحدقة بإنسان هذه المجتمعات والدول؟ وما قد ينتج عن ذلك مِن تحوُّلات اجتماعية وثقافية وغيرها.
«كورونا بين المحلي والكوني، بين الوحدة والتعدّد»: هل نحن بصدد تحولات عميقة وجذرية في منظومتي العولمة والكوكبة؟ قد تؤدي إلى تحلُّلِها وتفكُّكها، أو إعادة صياغتها على أسس جديدة تأخذ بعين الاعتبار المسألة المحلية بالدرجة الأولى. وما قد ينجم عن ذلك من تغيُّرات في علاقات الهُويَّة والغيريَّة، الوحدة والتعدّد، بمعناها الأنثروبولوجي المعاصر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية