كورونا في يومها العاشر

حجم الخط
0

ارتعاشة الجسد توشي بخطب ما مختلف. أعرف أعراض الحساسية التي تصاحبني، ليست هذه، يا الله، هو الزائر الخفي المتسلل إذن. وكيل الأبدية الحصري الآن. الفيروس الذي هزم وهم الإنسان بالتفوق وامتلاك الأرض، وأدخله الكهف مرة أخرى. من عزل نفسه فهو آمن. الزمن الآتي سوف يقسم إلى ما قبل كورونا، وما بعد كورونا. تغير وجه الحياة تماما.
في الفجر تضعضع جسدي، كأن وحشا أسطوريا يعتصره، ثم لا تروقه العصرة الأولى فيعيد الكرة مرة أو مرتين. ما حيلتي؟ غريب أنا وهذي الديار ليست دياري. كمصريين؛ إذا لم تكن مقيما في مسقط رأسك فأنت غريب.
منذ فترة حالت ظروف كورونا وأشياء أخرى دون سفري للخارج، قررت أن تكون العزلة في مدينة أنسبائي، مدينة كانت في ما مضى هادئة، ببنايات منخفضة، وشوارع واسعة، وأبنية حكومية عتيقة، تنام مبكرا كبلدية ريفية مثالية. في بلاد أخرى يحرص مثل سكان هذه المدن على هذه الحالة من الهدوء، وينتفضون إذا حاولت السلطة خلخلة هذه السكينة، في مصر يتسابق الناس على نسف هذه الحالة من الجمال، ويخربون جمال مدينتهم بأيديهم، في عشوائية أكاد أجزم أنها غير موجودة في أي مكان آخر في العالم. فجأة أخرجت الأرض «تكاتكها» فملئت الشوارع بها، هُدمت المباني القديمة على عجل، وصعدت بنايات مرتفعة متنافرة. امتلأت المدينة بعشرات المحلات والمقاهي، بلا داع ولا مبرر، صارت مدينة بلا لون ولا طعم ولا رائحة، تنام كحيوان غبي في حضن النيل. أما أنا فصرت في منزلة بين المنزلتين، لا مسافراً فأسعد؛ ولا مقيما فأستريح. عابر يفعل كما يفعل العابرون، لا أعقد صداقات ولا أضرب بعلاقات وتدية متينة كابن للمكان.

٭ ٭ ٭

في السيارة تأمر زوجتى السائق أن يغلق الشباك الخلفي حتى لا يؤذيني الهواء، أضحك، فيروس ما هناك يمارس الآن معركة شرسة في داخلي، تتصدى له جيوش مناعتي. دعي الهواء يدخل؛ سنحتاجه عما قليل. يجلس ابني الصغير بيننا منتشيا بالخروج. تحكم أمه عليه الكوفية والكمامة. أسرح؛ هل ستتذكر هذه اللحظة يا مُحَمد إذا خرج أبيك للنهار وابتلعه الأبد؟ شيئا ما سيعلق في ذاكرته، بالتأكيد، ما زلت أتذكر أشياء فعلتها صغيرا مع أبي في السن نفسها. أنتبه لحركة الشوارع؛ الليلة هي ليلة رمضان الأولى، تضج الشوارع بالناس والفوانيس ومكبرات الصوت، للمصريين ولع بأنسنة المقدس، جين ضارب في القدم لم تستطع أي دعوى دينية ولا أخلاقية كفكفته.. تُحَول المراسم عندنا إلى احتفالات تشبه الاحتفالات الكرنفالية السنوية في دول شرق آسيا. تتوقف السيارة في الميدان، حيث العمارة الشاهقة التي شوهته بتنافر ألوانها وطرازها المعماري الملفق. صوت ياسين التهامي يتهادى من محل في الجوار «أكاد من فرط الجمال أذوب؛ هل يا حبيب لي في رضاك نصيب؟». يرقص صعيد مصر كله طربا على صوت ياسين. في ما قبل الزمن الكوروني تمنيت لو رقصت مع الجموع الحاشدة المتمايلة مع صوته، لكني لم أفعلها أبدا.
عيادة الطبيب في الدور السادس، لا أحب ركوب المصعد، سجنت وأنا في الجامعة مرتين إحداهما كانت انفراديا، وما زلت أفزع حتى اللحظة من أي مكان ضيق.

تشتد الحالة فيحملني أخي بسيارته غير عابئ بالعدوى إلى طبيبة متخصصة، تمسك بالأشعة وبروشتة الطبيب المعالج تنظر إليها باندهاش وتطوحها. لا أندهش، أعرف هذه الحركة جيدا، يفعلها كل أولاد الكار مع بعضهم بعضا.

طبيبي العجوز الذي أعالج عنده بشكل دوري، أغلق تليفونه من بداية الجائحة واختفى، وضع ابنه في العيادة مكانه، صارت نكته، الدكتور فلان وولده لطب الحساسية والأمراض الصدرية. الطبيب الجديد الذي ذهبت إليه كان شابا ودودا، صنف الحالة بكورونا وكتب أدوية، لا يعرفني شخصيا، ولا يعرف مبررا لقلقي الزائد، ولا توتري، تمنيت لو ينقلب حكيما تبتياً يستمع إليّ ولا يفعل شيئا سوى الابتسام الهادئ الناعم، كنت بحاجة للكلام، للبوح، للتنفيس عن هواجسي. أنا قلق لأني في المنتصف، في منتصف العمل والحياة والإقامة، ما أصعب أن تكون عالقا في المنتصف.
في البيت أحضرت ورقة وقلما دونت أسماء الزملاء الذين بنوا جسورا مع السلطة وصاروا مستشارين إعلاميين نافذين، إذا تدهورت الأحوال، سأتصل بهم. للحق لم يخذلني أحدهم يوما رغم اختلافنا. في اليوم التالي كانت الممرضة تسحب عينة الدم، وتهيئني لعمل الأشعة المقطعية. أنام ممددا، يرتفع الجهاز وأدخل في أنبوب وأخرج. عبر مكبر الصوت، يسألني فني الأشعة ما اسمك؟ في الميثولوجيات الفرعونية حينما ينادى الإنسان باسمه يبعث من جديد. تشي الأشعة بمرحلة ليست بسيطة.
أعود إلى البيت، إلى سريري.. رحم الله أمل دنقل حين قال.. «أوهموني بأن السرير سريري، إن قارب «رع» سوف يحملني عبر نهر الأفاعي، لأولد في الصبح ثانية.. إن سطع». أغيب، يتفتت الجسد وينصهر في حمي تخمد وتفور، تبتعد رائحة الحياة، تختصر الحياة في المحاليل المعلقة وحقن المضاد الحيوي والكورتيزون. وأجهزة تقيس النبض والأوكسجين والحرارة والضغط. لا شيء يساوي شيئا، الكل باطل، باطل الأباطيل، ما خلا الله الكل باطل.
ترفض زوجتي المغادرة وتصر على تمريضي مع ابن أخيها، أصرف الشاب الصغير بحجة العدوى فلا ينصرف. لن أتركك. يتبادل وضع المحاليل مع عمته، يتناهى إلى سمعي فجرا صوتهما الهامس القلق من الصالة، ما زالت الدنيا بخير. لك في رقبتي دين يا أحمد. يصرخ أبي في التليفون أحضروه إلى هنا إلى بلده «قريتي». يظل الآب أبا مهما كبرنا، أضحك، هذا يوم يفر الابن من أبيه يا أبي فيزداد عصبية وتأنيبا على عدم إقامتي معه في بيت العائلة، يحدثني عن أهل القرية الذين يحملون أنابيب الأوكسجين ويذهبون ممرضين بلا خوف أو جل للمرضى في بيوتهم. تطلب استغاثة فتأتيك عشر. الخير في القرى لا يزال. ينخفض ضغط أمي «الريجيم هو من فعل به هذا» لا تؤمن أمي بالرجل النحيف، الرجل لا يصير رجلا حتى يمتلئ جسده ويبرز كرشه.

٭ ٭ ٭

تشتد الحالة فيحملني أخي بسيارته غير عابئ بالعدوى إلى طبيبة متخصصة، تمسك بالأشعة وبروشتة الطبيب المعالج تنظر إليها باندهاش وتطوحها. لا أندهش، أعرف هذه الحركة جيدا، يفعلها كل أولاد الكار مع بعضهم بعضا. قسوة أبناء المهنة في نقد بعضهم أشد من الآخرين. لا داعي لذلك، كلكم مجتهدون في علاج فيروس مراوغ، لا دواء له. تنظر إليّ بجدية وتكتب كورسا مفرطا في المضادات الحيوية والكورتيزون. كورسا كنت لا أتخيل أن جسدا يتحمله، اكتشفت أن معلوماتي في الطب بائسة، أنا الذي كنت أوقظ طبيبي المعالج على حبة أخذتها من مضاد حيوي خوفا على كليتي. أدركت الآن كم تحملني هذا الرجل. أمامك عشرة أيام، عشرة كاملة، أربط قدميك بالسرير، لا تغادره، كُل بروتين وفواكه بكثرة، نم عشر ساعات، وكن هادئا. سأفعل كل ما قلته، لكن لا أعدك بالهدوء، ولا بالنوم، هذا أمر ليس بيدي. أصعد درج السلم منهكا ولاهثا، أدخل غرفتي، أغلقها عليّ منتظرا ميقاتي المعلوم.
٭ ٭ ٭

قم. انهض.. فلن تفنى. لقد نوديت باسمك. لقد بعثت.
كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية