كورونا لبنان: الحسابات السياسية أفسدت التدابير الوقائية ومخاوف من عزله

رلى موفق
حجم الخط
0

تتصارع “الكوابيس” على احتلال موقع الصدارة فوق رأس جبل الأزمات غير المسبوقة على امتداد المئوية الأولى من عمر لبنان (1920-2020). فالوطن الذي غالباً ما فاخر بماضيه رغم حروبه الباردة والساخنة في عقود ماضية، يترنّح الآن على صفيح مآزق تكاد أن تكون وجودية: انهيار مالي – اقتصادي يلامس الإفلاس، تعاظم مظاهر البطالة والفقر والعوز وتزايد الحديث عن مجاعة “مُحتملة”، اختلالات حادة في التوازن السياسي الداخلي و”عقوبات إقليمية” وعزلة عربية ودولية لم يشهدها من قبل.

وفي اللحظة التي كانت “التايتانيك” اللبنانية ترتطم بهذا الواقع الكارثي ويغرق ركابها في نقاشات حول إمكان دفع الديون السيادية أو عدمه (استحقاق سندات “اليوروبوند” في التاسع من آذار/مارس) والسيناريوهات الخطرة لكل احتمال، والصراع في شأن العلاقة مع صندوق النقد الدولي، والإحجام العربي والدولي عن تقديم “هدايا مجانية” للبلاد “المخطوفة” من محور الممانعة، جاء “الكورونا” الذي ضرب أصقاع العالم، فبدا لبنان، في الصحة والسياسة، مكشوفاً إلى حدود “الفضيحة” التي أسقطت مرّة أخرى “ورقة التوت” عن الدولة وأدائها.

فرغم الذُعر في عواصم العالم التي سارعت إلى التحوّط في وجه الفيروس الغازي والمميت عبر برامج طوارئية عاجلة، ووقف رحلات الطائرات من الدول الموبوءة وإليها وعزل المدن المشتبه باحتضانها لـ”الكورونا” وإعلان ما يُشبه الاستنفار على الكوكب المهدَّد بـ”وباء قاتل” فإن السلطات اللبنانية، السياسية والصحية، بدت مُربكة ومُرتبكة وقاصرة إلى الحد الذي جعل إجراءاتها الاحترازية في بادئ الأمر مجرّد “كلام بكلام” ما سهّل تسلّل ثلاث إصابات مُثبتة من إيران الموبوءة ورابعة لم تعلن عن ظروفها وسط مخاوف متعاظمة، من تداعيات مؤلمة لن تكون مفاجئة في ظل تحذيرات من الأسوأ، تتردّد على كل شفة ولسان.

وبدا أن لبنان، المُدرك لحجم الكوارث المأسوية التي تقضّ مضاجع المعمورة مع هذا “القاتل غير المرئي” تعاطى باستخفاف ملغوم عندما كانت الدول الأخرى تُعلن النفير. فقبل الإصابة الأولى التي جاءت على متن طائرة قادمة من إيران في العشرين من شباط/ فبراير، اقتصرت التدابير على مؤتمرات صحافية وتجهيز غرفة عزل واحدة في مستشفى رفيق الحريري الجامعي في بيروت، في رهان على أن الآتين من الصين سيمرون عبر دولة ثالثة، وتالياً لا داعي للقلق أو لأي إجراءات من النوع الذي سارعت إليه دول العالم.

الفجيعة التي عكسها السلوك الرسمي في لبنان تجلّت بعد انكشاف حجم الـ”كورونا” في إيران، التي اتُهمت بالتستر على انتشار الفيروس فيها لأسباب ارتبطت بالانتخابات البرلمانية. فلبنان، الذي غالباً ما يُقال إنه صار في “الحضن الإيراني” بسبب هيمنة “حزب الله” على قراره وسطوته على المؤسسات الحاكمة فيه، لم يتردَّد في المجاهرة عبر وزير الصحة حمد حسن (من حزب الله) أن أمر تعليق الرحلات مع إيران يعود لـ”قرار سياسي” الأمر الذي جعل من مكافحة “كورونا” والتحوّط لمنع تفشيه مسألة “ما فوق صحية”.

خطاب رسمي تجهيلي

قرار سياسي ترك البلاد في العراء أمام الفيروس العابر للقارات: غرف حجر معدودة، عزل منزلي تحكمه الميوعة، كمّامات في خبر كان وسط فضائح عن صفقات بيعها للخارج أو إقدام “جهات مجهولة” على جمعها من الصيدليات، خطاب رسمي تجهيلي عنوانه “لا داعي للهلع”، روايات متناقضة بين المسؤولين عن ملابسات اكتشاف الإصابة الأولى، فوزير الأشغال المولج بأمر المطار أنكر ووزير الصحة أكد… وهكذا دواليك.

هكذا كانت الحال مع تسجيل الإصابة الأولى إلا أن أكثر ما أقلق اللبنانيين وأصابهم بالذعر وربما بالهلع هو ثلاث مفارقات لم يكن في إمكانهم القفز من فوقها، وهي:

– تعاطي السلطة التي ترزح تحت وهج إرادة “حزب الله” مع ملف “كورونا”، واعتبارها أن إقفال المجال الجوي والبري والبحري في وجه الدول الموبوءة مسألة سياسية ترتبط بالرغبة في إبقاء الأبواب مفتوحة مع إيران، خصوصاً في ظل “بروباغندا” في بعض البيئات السياسية والحزبية في لبنان بأن أعداء طهران يسعون لاستغلال الفيروس لعزل إيران وإكمال الطوق عليها، وهو ما يحاول، أساساً، الإيحاء به المرشد الإيراني علي خامنئي.

هذا الموقف السياسي الذي حكم أداء السلطة في لبنان، قدَّم مصلحة إيران و”حزب الله” على مصلحة اللبنانيين، في واحدة من قضايا “الحياة أو الموت”، فجاءت الخطوات الرسمية متأخرة فرضها الأمر الواقع بدليل التردّد في قفل المنافذ المحتملة لـ”استيراد” الفيروس، فلم يتمّ حتى الآن اتخاذ قرار جريء بإجلاء الرعايا اللبنانيين من الدول الموبوءة، وتدرَّج الموقف من “نصائح” بالحيطة والحذر، ثم توصية بوقف الرحلات السياحية وحملات زيارة الأمكنة الدينية. كما أن التلاعب اللفظي يصيب قرارات وقف الرحلات من وإلى تلك الدول.

وإذا كانت إيطاليا تحوَّلت مصدراً لـ”كورونا أوروبا” فإن إيران شكلت أرضاً لتصدير “كورونا” إلى الدول المجاورة لها، ما جعل الكويت والبحرين والعراق والمملكة العربية السعودية ودولاً أخرى توقف الرحلات وتُقفل المعابر الحدودية معها، باستثناء لبنان الذي حافظ على الوتيرة العادية لحركة الطيران من إيران وإليها بمعدل ثلاث رحلات أسبوعية وعلى متن كل طائرة نحو 200 راكب، ما يؤشر إلى أن نحو 2000 شخص على الأقل وصلوا إلى لبنان من إيران التي اعتبرتها التقارير الدولية، الثانية بعد الصين في الوفيات بسبب الفيروس السيئ الذكر.

– لم تكن إجراءات الرقابة المشكوك بفاعليتها، في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، وحدها مصدر قلق، بل مسألة الحجر الذاتي للآتين من الدول الموبوءة، ولا سيما من إيران، وغالبيتهم من بيئة “حزب الله”. فمن بين هؤلاء الذين ينتقلون إلى مناطق “شبه مقفلة” مَن أنكر وجود مرض، واعتبر الأمر دعاية ضد إيران ومؤامرة عليها، مما جعل الحجر الذاتي في البيوت مدار شكوك، إضافة إلى عوامل أخرى تتصل بـ”الدواعي الأمنية” وهو ما حمل عنصر من “حزب الله” إلى الاعتداء على صحافية من جريدة “النهار” في مطار بيروت بانتزاع هاتفها ومسح الفيديوات عنه لمنعها من تغطية وصول رحلة لـ”عوائل الشهداء” من إيران.

ولم يكن مفاجئاً أن الإصابة الثانية بـ”كورونا” كانت من نصيب سيدة وصلت إلى بيروت من إيران، وكانت تجلس إلى جوار سيدة الإصابة الأولى، على متن الطائرة الإيرانية، لكن لم يتمّ الحجر عليها في المستشفى بل ذهبت إلى منزلها قبل أن تظهر عليها عوارض الإصابة وتُنقل بواسطة الصليب الأحمر اللبناني إلى مستشفى رفيق الحريري الجامعي للمعالجة.

– ثمة شعور في بيروت بأن البلاد تتجه إلى ما هو أسوأ بعدما رَفَعَ إيراني جاء إلى لبنان عدد الإصابات إلى ثلاث (حالته غير مستقرة) ويستمر وصول الرحلات من طهران ومشهد وسواهما، ليس فقط جواً بل براً. فدخول مئات الطلاب اللبنانيين من إيران إلى لبنان عبر الحدود مع سوريا شكّل مزيداً من الصدمة، نظراً إلى “الإجراءات السطحية” التي جرى اعتمادها مع الواصلين. وتزداد المخاوف من أن يكون الحجم الفعلي للإصابات أو المشتبه بإصاباتهم أكبر مما هو معلن، ولا سيما أن السلطات الرسمية غير قادرة على رقابة فعلية للمناطق والمستشفيات المغلقة والواقعة تحت نفوذ “حزب الله”. وإذا كان نقيب الأطباء شرف أبو شرف توقّع تسجيل إصابات جديدة في ظل “غابة” من الإشاعات التي تقضّ مضاجع اللبنانيين صبح مساء، فإن نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة سليمان هارون تحدث عن كارثة في حال انتشار فيروس “كورونا” نظراً إلى أن القطاع الاستشفائي اللبناني، الذي يئن تحت وطأة أزمة الدولار، غير جاهز.

 ليس هناك من شك، أن غياب الثقة بشفافية الحكومة والوزارات المعنية يضع لبنان بأكمله أمام تحدي “العزل”. وقْفُ البحرين لرحلاتها من وإلى بيروت مؤشر سلبي يعكس غياب الثقة بقدرة لبنان السياسي على التعامل مع هذه الأزمة ما دام جزء من المسألة يرتبط بإيران. كان استحقاق “كورونا” فرصة أمام حكومة حسان دياب لتُظهر أداءً مختلفاً ملؤه الجدية والشفافية وإعلاء مصلحة اللبنانيين وصحتهم على ما عداه من الحسابات، لكنها أخفقت في تجاوز هذا الامتحان الذي سيرتدّ عليها بقوّة، داخلياً وخارجياً، إذا حملت الأيام والأسابيع المقبلة أخباراً قاتمة حول تفشٍ أوسع للفيروس.

اقتياس

حكومة لبنان تسقط في اختبار كورونا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية