التجارب السينمائية الحديثة للفيلم الروائي القصير، طرحت في معظمها مشكلات المرأة مع الرجل باعتبارها من أولويات الاهتمام، واتسمت هذه النوعية الفنية بقدر من المبالغة، لدرجة أنها شكلت تياراً نوعياً تم تفعيلة ليكون معبراً عن خصوصية العلاقة الثنائية، ووسيلة مؤثرة لتشكيل الوعي الجديد، وتبصير العنصر النسائي بحقوقه المنقوصة، بحسب الكثير من وجهات النظر المتبنية للقضية.
«كوزموس» هو عنوان فيلم قصير لكاتبة السيناريو والمخرجة الشابة آلاء سعد الدين، ويعد آخر التجارب المُنتجة حديثاً والدائرة في فلك المرأة على النحو ذاته، حيث تشي مُعطيات السيناريو بما يدل على الفكرة العامة للأحداث، ناهيك من التوظيف المقصود للصورة والأسلوب المسرحي التعبيري المستخدم في الإلماح لأزمة الثقة بين الطرفين الرئيسيين في الحياة.
ورغم الأجواء الرومانسية المحيطة بالبطل والبطلة، إلا أن هواجس الخوف والقلق مثلت البعد الأعمق في مفهوم العلاقة الأزلية بينهما، وعلى قدر دلالة العنوان المختار للفيلم والمُترجم لنوعية خاصة من الورود للإيحاء برقة المشاعر الفطرية المتبادلة بين الشاب والفتاة، جاء الخوف موازياً للحب المتصور بينهما، لاعتبارات دللت عليها الكاتبة والمخرجة بصور التحرش المتكررة طوال الأحداث، بشكل تخيلي مُبتكر يجافي الأساليب التقليدية المعهودة في مثل هذه الحالات، فقد لعبت آلاء كمخرجة بدرجات الألوان والإضاءة والظلال، لتُحقق عنصر التشويق والإثارة، وتثبت تيار الخوف عند المعدل المطلوب للوصول إلى أقصى الانفعالات المؤثرة في المُشاهد. لقد استغنت آلاء تماماً عن الحوار كموصل جيد للمعنى، واعتمدت بشكل كامل على ما يمكن أن تعوضه عناصر التكوين الأخرى للفيلم، كالأدوات المذكورة سلفاً مضافاً إليها العنصر الموسيقي المنشط للإحساس، والداعم بقوة لخلق المجال المناسب للتجاوب مع الحالة بمستوياتها المتعددة، الرومانسية والتراجيدية والسيكولوجية، بالمقياس الزمني للفيلم، الذي لم يزد عن عشرين دقيقة، تباينت خلالها المعاني والدلالات والمستويات، حيث نجحت المخرجة إلى حد كبير في ملء الفراغات الناتجة عن غياب الحوار، بما هو أثرى من الكلمة المنطوقة، ودواعي الثرثرة غير الضرورية، كالتي يقع فيها البعض من أصحاب التجارب السينمائية المماثلة.
استخدام المسرح كموقع افتراضي للأحداث، مثّل بالنسبة للصورة الدرامية المنقولة عبر الشاشة مُعضلة، للاختلاف الجوهري بين طبيعة المسرح وطبيعة السينما كوسيطين يغاير كل منهما الآخر في طريقة التعبير والتوظيف والإقناع
ولا شك في أن استخدام المسرح كموقع افتراضي للأحداث، مثّل بالنسبة للصورة الدرامية المنقولة عبر الشاشة مُعضلة، للاختلاف الجوهري بين طبيعة المسرح وطبيعة السينما كوسيطين يغاير كل منهما الآخر في طريقة التعبير والتوظيف والإقناع، ولهذا جعلت المخرجة والكاتبة آلاء سعد الدين من الأداء التمثيلي علاجاً لهذه المشكلة، كونها استغلت القدرات الحركية واللياقة البدنية للبطل والبطلة في تشكيل لوحات استعراضية، تُعطي المعنى وفي الوقت نفسه، تملأ الكادر السينمائي، فلا تظهر الفراغات إلا في حدود التوظيف الشكلي للصورة وما تحتويه من مكونات لها صلة بالموضوع.
ويأتي الإيقاع متوافقاً تماماً مع المطلوب والمستهدف من الحالة الخاصة، فقد اتسم سير الأحداث بشيء من البطء في بعض الحالات والسرعة في حالات أخرى، تبعاً للدرجات التصاعدية في الصورة والحركة وما تتم الإشارة إليه من شد وجذب بين البطلة والبطل كإمارات للخوف والفزع من جانب العنصر الأضعف، وإقبال وإدبار من جانب الآخر الأقوى، لمحاولات الهيمنة والسيطرة والامتلاك، وهي ثنائية الفعل ورد الفعل في عملية اختبار القوى التي وضعتها المخرجة أيضاً لتكون نواة للصراع ومقياساً للتكافؤ، قبل الانتقال للمرحلة النهائية والأخيرة التي تقاربت فيها الأمزجة وتلاقت فيها العواطف الطبيعية، لتتقلص المسافات الفاصلة بفعل التفاهم وتوافر الثقة ورؤية الأشياء المشتركة بين الطرفين وتلاشي هواجس الخوف والقلق. لقد انتهت الرؤية الضدية بتلامس الأيدي الخشنة مع الأنامل الرقيقة لتتحول الصورة من منتهى الحذر والتحفز إلى غاية الانسجام والود، عوداً إلى الطبيعة السوية التي خلق الله عليها الذكر والأنثى وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا.
٭ كاتب من مصر