خلال فترة اعتقال زياد عيتاني وتعذيبه في أقبية «أمن الدولة» ووسط حملة تهريج إعلامية لا سابق لسفاهتها وتفاهتها في قصص الجاسوسية، بدأت الشكوك تراود المتتبعين لمسار القضية، من أن المدعوة كوليت فيانفي، السويدية والضابط في الموساد الإسرائيلي، لا وجود لها، غير أن الجهاز الأمني أصرّ على روايته «الكوليتية»، معطيا اتهامه للممثل اللبناني بالعمالة لإسرائيل «صدقية بورنوغرافية»، حتى أن صورا للمدعوة كوليت نشرت في بعض وسائل الإعلام.
ذهبت إلى المسرحية كي أرى هذه المرأة، لكن زياد عيتاني صدمنا قبل أن ندخل إلى صالة «مترو المدينة»، وجاءت الصدمة من عنوان مسرحيته التي كتب نصها بالاشتراك مع خالد صبيح وإخراج هاشم عدنان: «وما طلت كوليت»، فقد أعلن اسم المسرحية بأن كوليت لن تظهر على الخشبة، وبأن احتمال أن نراها تبدد منذ البداية.
وعلى الرغم من أن كوليت لم تظهر، فإنني أستطيع أن أقول وبلا تردد بأنني رأيتها وفهمت سرّ هذه المرأة التي كادت تنجح في تحطيم مواطن لبناني ذنبه أنه لا ذنب له. وكان عليّ كي أعيد تركيب هذه الشخصية المتخيلة أن أستمع إلى حكايتها التي اختبأت خلف حفلة التعذيب الوحشية التي تعرض لها الممثل ورأينا أجزاء منها على خشبة المسرح.
بدأت المسرحية بمشهد اصطدام دراجة فوزي فوزي نجم، الذي يعمل على إيصال طلبات الزبائن من الفرن بسيارة «الست»، التي قررت أن تنتقم منه وتلفق له تهمة العمالة لإسرائيل.
شاب لا حول له يجد نفسه فجأة بين أيدي جلاوزة الأمن الذين لا يرحمون، يريدون منه اعترافا سريعا، لذا لجأوا إلى كل وسائل التعذيب التي يعرفونها، فكان الاعتراف وكانت كوليت.
أما من صنع هذه المرأة، فتلك هي الحكاية.
لم يؤلّف المحقق شخصية كوليت، فالتعذيب كان يتطلب اعترافا، وتهمة العمالة كانت تستدعي-كما في كل حكايات التجسس-وجود امرأة ما. وعندما سُئل المتهم عن المرأة كان لا بد له من الاعتراف. فكمية الترهيب والضرب والتعليق التي تعرض لها استدعت اعترافا ما، ولكن بعد هذا الاعتراف برزت المشكلة. سُئل المتهم عن اسم مشغلته فاحتار بماذا يجيب، وأمام تهديده بابنته وتخويفه بمزيد من فنون التعذيب، وهي فنون تفوّق فيها النظام العربي بشكل أثار إعجابا خفيا من الرئيس الأمريكي، قفز من ذاكرة عيتاني اسم كوزيت، وهي إحدى بطلات رواية «البؤساء» لفيكتور هوغو. قال كوزيت فسمعها المحقق كوليت، قال المحقق كوليت فقال المتهم كوليت. في تلك اللحظة بدأت ملامح كوليت تتشكل؛ شقراء بعينين زرقاوين وإلى آخره… وكان يجب أن يجد الجهاز الأمني اسما لعائلة كوليت، وهنا بدا الارتباك واضحا على المتهم، فاستجمع من ذاكرته ما يعرفه من كلمات أجنبية، وقال «ففريه» أي شهر فبراير. فصارت الكلمة في قلم المحقق فيانفي، وهكذا ولدت بطلة هذه المسرحية.
هنا أصبحت مهمة المتّهم أكثر صعوبة، إذ صار عليه أن يبرهن بأن خياله الذي كان أداته لوقف التعذيب هو مجرد خيال، أي صار عليه أن يثبت أنه اخترع كوليت، وأن الحكاية كلها ملفقة، وكي يصل إلى مبتغاه كان عليه أن يقضي أياما طويلة في الانفرادي وفي مواجهة أشكال مبتكرة من التعذيب.
وفي نهاية المسرحية، نزع الممثل قناع فوزي وقال الحقيقة.
هذه الحكاية ليست خيالية، وهي على رغم محمولها الكوميدي ليست كوميديا، فكوليت ولدت هكذا، ضرب وتعذيب من جهة، واعتراف صنعته مخيلة ممثل ساخر.
في الألم لم ينسَ عيتاني أنه ممثل ومؤلف، فارتجل كوليت وكأنه يؤدي دورا على المسرح، وهنا بدأت التراجيديا، وتلقف الإعلام القصة التي سرّبها الجهاز الأمني، وامتطى «مثقفو» آخر زمن الشاشات ليعلنوا أن «ما قبل كوليت ليس كما بعدها»، وصارت كوليت حقيقة تلهب الخيال.
كان اختراع المرأة السويدية بداية رحلة عذاب انتهت بالكشف عن التزوير الذي تعرَّض له عيتاني بسبب مُقرصِن وضابطة في الأمن قررت معاقبته لأنه أعاد نشر عبارة كتبتها على الـ «فيسبوك» عن السعودية، ما سبب إقالتها من وظيفتها.
أما في المسرحية، فإن هذه اللحظة تحولت إلى لحظة كوميدية مدهشة تجسدت في المشهد الموسيقي الذي صنعه الممثل أمام القاضي، وتوالت فصولا في السجن حتى نصل إلى الخاتمة التي يغنّي فيها عيتاني والفرقة المسرحية موقفا نقديا من النظام اللبناني.
المفارقة التي صنعت من هذه المسرحية، التي تنتمي إلى المسرح الشعبي الكوميدي، لحظة جميلة تجمع التمثيل والموسيقى هي اللحظة نفسها التي كانت في التجربة التي عاشها الممثل خلف القضبان، لحظة مأساته الكبرى.
تنتهي الحكاية من دون أن تظهر كوليت، لكن من يشاهد العرض سوف يرى كوليت ملفوفة بالكوميديا السوداء التي تُضحك وتُبكي، وسوف يكتشف حقيقتين:
الحقيقة الأولى هي أن كوليت موجودة وتعيش معنا، إنها كل النظام الطائفي المافيوي اللبناني. فيدرالية زعماء الطوائف صنعت فيدرالية أمنية، وأمن نظام الطوائف يجد نموذجه في الأجهزة المخابراتبة العربية التي انحصرت مهمتها في انتهاك المواطن وهتكه.
ما كان لكوليت أن تتحوّل إلى حقيقة لولا أنها مصنوعة من قطع الواقع اللبناني، التي تتفكك بأسرع مما تتركب.
والحقيقة الثانية هي أن كوليت اختراع كوميدي تفتقت به مخيلة مواطن اسمه زياد عيتاني تحت التعذيب. لكن التعذيب والدولة الفاسدة والإعلام حولت الكوميديا إلى مأساة.
نحن اخترعنا كوليت، أجبرونا على اختراعها، فتسلّط علينا النظام الكوليتي بكل فظاظته وسخفه وابتذاله.
لكن كان يكفي أن يكشف الممثل بصمة الاستبداد الكوليتي كي تبدأ الأكذوبة في التفكك. وهذا ما فعله زياد عيتاني ورفاقه.