تونس ـ «القدس العربي»: احتفت الصحافة الثقافية الفرنسية، خلال هذه العودة الأدبية، برواية «المَسْلخ البلدي» للنوبلي الجنوب إفريقي جون ماكسويل كويتزي، التي نقلها إلى الفرنسية جورج لوري، ونشرتها منذ أيام دار سوي في باريس (عنوانُها الأصلي: قصص أخلاقية Moral Tales). وهي رواية تتضمن سبعَ محكياتٍ مكتوبةً في أزمنة متفرقة، وذات موضوعات مختلفة، غير أنها محكياتٌ مُتَمَحورةٌ حول شخصية واحدة، هي إليزابيث كوستيللو، وهذا ما جعلها تُؤلِف مجتمعةً لوحةً كبرى لحياة هذه البطلة، التي لاحظت، وهي تقترب من نهاية عمرها، أنها تحولت إلى ساحة مواجهةٍ بين إحساسَيْن: إحساسها بأنها سجينة قسوةِ ذكرياتها على حد ما تقول: «كل ما أراه، وكل ما أقولُه، إنما هو محكومٌ بالماضي. ماذا بقي لي إذن؟ إنني تلك المرأة التي تبكي»، وإحساسها بأنه ما يزال لها ما تقول في هذه الدنيا، وبأن عليها أن تتجمل مثل أي شابة وتجلب إليها أنظارَ الرجال، حيث تخاطب ابنها قائلة: «أريدُ أن يُنْظر إليّ كما يُنظر إلى امرأة، هذا كل شيء، مجرد نظرة، لا شيء أكثر»، وهي مواجهة مثلت شرخًا نفسيا ووُجوديا حكم رؤيتَها للعالَم وعلاقتَها بمُحيطها الاجتماعي والعائلي.
ليست شخصية «إليزابيث كوستيللو» إلا بطلة رواية كويتزي الصادرة عام 2003 والفائزة بجائزة نوبل للآداب، لقد استدعاها من جديد لتكون شخصيةَ هذه المشاهد السردية، وليُثير عبرها أسئلة وجودية صارت تشغل باله في الفترة الأخيرة، لعل من أهمها هو السؤال: كيف يتقبل الإنسان كونَه بلغ حافة العمر، ولم يبق له من فعلٍ في الدنيا سوى أن يموت؟ ولكي يُضاعف كويتزي من حدة انصباب هذا السؤال على قارئه عمد إلى جعل بطلة روايته امرأةً مختلفةً بشكل ما، مثقفةً وذاتَ أفكار حازمة ومستقلة، وهي بذلك تتوفر على وعي بالعالَم من حولها خاص، وضبابي أحيانًا. كما حرّضها على حياة العزلة، بجعلها ترفض قضاءَ الأيام الأخيرة من حياتها مع ابنتها هيلين في نيس في فرنسا أو مع ابنها جون في بالتيمور في أمريكا لأنها «لا ترغب في الاستقرار في بطن الشيطان الأكبر» على حد قولها له، لتعيشَ في قرية نائية في أستراليا، وتتبنى للتخفيف من وحدتها، مجموعةً من القطط السائبة، تطعمها وتُحاكيها، وتستقدم أحدَ المعوقين ذهنيا من أبناء القرية لتعتني به بعد أن تخلت عنه هيئة الخدمات الاجتماعية.
الحقيقة الصادقة هي أنك لم تعودي تمتلكين القدرة على التفاوض، ليس بإمكانك إيقاف تقدم دقات الساعة، كما أنك لا تقدرين على قولِ (لا) للموت».
وعلى مدار القصص السبع، يتعرف القارئُ على مراحلَ حياة إليزابيث كوستيللو منذ شبابها، وزواجها، وحتى لحظة شيخوختها، بل يدخل عبر محتوى مراسلاتها مع ابنيها ومحادثاتها التليفونية معهما، وكذلك عبر بعض أحاديثها الذاتية، إلى تلك المنطقة التي اختارها كويتزي فضاءً لأسئلته الوجودية، إلى منطقة قسوة الشعور بالنهاية، وما فيها من خوفٍ من الوقت، ورفضٍ للحالِ، وعتابٍ للأهل، وندمٍ على الخيانات المقترفة، وحنينٍ إلى أيام السعادة الغائرة، وسعيٍ إلى إعادة فَهْم ما يبدو مفهومًا، وتساؤلٍ حول حقائقَ كنا آمنا بصدقيتها بدون ترو. غير أن ما يعذب إليزابيث كوستيللو ليست حقائق الناس فحسبُ، وإنما هو حقيقتها هي التي لم تقدر على الاقتناع بها، وهي أنها أصبحت عجوزا تتقدم صوب حتفها، ولم يبق أمامها وقتٌ كثيرٌ لتعيشه، وهذا ما حاول ابنها جون أن يقنعها به، لما رفضت هي العيشَ معه في بالتيمور، وذلك في قوله لها: «الحقيقةُ الصادقة هي أنكِ تحتضرين. الحقيقة الصادقة هي أنك بدون حماية، وأنك ستفقدينها مستقبلا أكثر فأكثر، وهكذا دواليك، إلى أن يأتي اليوم الذي لن تجدي فيه أي مساعدة متاحة. الحقيقة الصادقة هي أنك لم تعودي تمتلكين القدرة على التفاوض، ليس بإمكانك إيقاف تقدم دقات الساعة، كما أنك لا تقدرين على قولِ (لا) للموت».
ولا شك في أن بلوغ هذه المرحلة من العمر أمرٌ حافزٌ على الالتفات إلى الوراء، وإعادة قراءة أحداث الماضي، والتنعم بما فيها من نقاط ضوء سعيدة، والتطهر مما فيها من سوءات، ومحاكمة الذات وهي تعبر ذاك الماضي، غافلة عن الاستعداد للحظة النهاية الحتمية. ويبدو أن إليزابيث كوستيللو، فضّلت العزلة لكي تراجع سيرةَ أيامها، وتبسط رأيها فيها، حيث تخبرنا القصصُ بأنها عاشت الحُب مع زوجها، وغامرت معه مغامرة زواج رائعة، تصفها لنا بالقول: «هي مغامرة إنها جزء من ماض، جزء مما كنتُ عليه، من ذاك الذي جعل مني ما أنا عليه الآن، ولكنه ليس جزءًا مني. لقد صادف أنْ خُنْت زوجي، لكن كل شيء قد انتهى الآن. أنا الآن وفية». ويبقى ما يميز إليزابيث كوستيللو هو قدرتها على التبرير، إنها تُفلسف مواقف الآخرين وَفْقَ ما يُهدئ من روعها، ويُخفف من ثقل إحساسها بالشيخوخة وبالعجز وباقتراب الأجل. ذلك أنها لما أحست بأفول نجمها، وعرفت أن الزمن محا جمالها ولم يَعد يُثير انتباه الآخرين، راحت تُحدث ابنَها حول مسألة نضوب الطاقة من جسد الإنسان بقولها: «الطاقة. هل تريد أن تعرف نظريتي حول الطاقة؟ مع تقدمنا في العمر، يتدهور كل جزء من جسدنا أو يعاني من الأنتروبيا (ضمور الطاقة)، حتى أصغر خلية فيه. فالخلايا العجوز، حتى إن كانت ما تزال سليمة، يُصيبها الذبول. وينطبق هذا أيضا على خلايا الدماغ». غير أن منطقية هذا التبريرِ لم تمنع هذه البطلة من الإيحاء بهشاشة الإنسان فيها وفينا، وهي هشاشة تُحيل على الطفل الذي يظل يرافقنا حتى شيخوختنا، ويظل يحلم بما لا يسمح لنا العُمْر المتقدمُ بالحلم به، حيث أبدت رغبتها في التزين والخروج إلى الشارع كآخر تجربة تقوم بها قبل الموت، فتقول لابنها: «لن يكون ذلك دائما، كُنْ مطمئنا، سيكون ذلك لوقت قصير فقط. سأعود لِمَا كنتُ عليه في الوقت المحدد عند نهاية الموسم. لكنني أريد أن يُنظر إليّ مجددًا، لمرة واحدة فقط أو اثنتين في حياتي، أريد أن يُنْظر إليّ كما يُنظر إلى أي امرأة أخرى. هذا كل شيء. مجرد نظرة. لا شيء أكثر. لا أريد أن أرحل عن الدنيا بدون القيام بهذه التجربة».
كيف يمكن أن تستقيم الحياة ذاتها إذا كانت فيها فقط رؤوسٌ وذيولٌ بدون أي شيء في الوسط؟».
ولم يُفَوّتْ كويتزي في هذه الرواية فرصةَ مناقشة ثيمة أثيرة في رواياته السابقة، وهي ثيمة علاقتنا بالحيوان، حيث خصص محكيةَ «المسلخ الزجاجي»، وهو العنوان الذي اختاره الناشر للنسخة الفرنسية، وبدا لي اختيارًا غير وجيهٍ لأنه يُضيق من أفق تلقي هذه الرواية، ليُفسح في المجال لبطلته إليزابيث لكي تنتفض على سوء تعاطي الإنسان مع الحيوان، وتكشف عن كراهيته له، لأن لديها «درجة من القدرة على سبر الكيان الداخلي للحيوانات. ليس سبر أفكارهم ولا أحاسيسهم ولكن فَهْم مضمون كيانهم الداخلي». ولذلك، تقترح إليزابيث بناء مسلخٍ ذي جدران زجاجية وسط المدينة ليرى الجميع الوحشية التي تُعامل بها الحيوانات «خطرَ لي أنه إذا كان هناك مسلخ في وسط المدينة، حيث بإمكان كل إنسان رؤية ما يجري في الداخل وسماع أصوات الحيوانات والإحساس بها، فقد يساعدهم ذلك على تغيير ممارساتهم إزاءها».
ويبدو أن إحساس إليزابيث بالوحدة هو ما جعلها تجد في الحيوانات أنسًا لوحشتها، ومن ثَم راحت تُدافع عنها بكل شراسة، فالحيوانات، مثلها، شرسة، وتعيش الحاضر كما لو أنه لحظتها الأخيرة، وتود مثلها هي، ألا تشعر بذاك الانزلاق البطيء والمؤكد نحو النهاية.
لقد حمل كويتزي بطلته إليزابيث كوستيلو مسؤولية إعادة التفكير في مسألة الوجود على الأرض بجميع أسئلته، وأطلق لسانها وأحاسيسها لتخوض في كل شيء، ولتهدم كثيرًا من التصورات الحاكمة لسلوك الإنسان، تفعل ذلك نشدانًا منها لحقيقة أخرى، حقيقة ذاوية خلف إيماننا الزائف بالواقع وتقديسنا لأقانيمه، لقد جعلها تبني حياتها على التناقض، وعلى السؤال عن ذاك المعنى المخفي وراء حقائقنا، «فأين سيكون الفارق بين الفن والخيال إن لم يكن هناك معنى مزدوج؟ بل كيف يمكن أن تستقيم الحياة ذاتها إذا كانت فيها فقط رؤوسٌ وذيولٌ بدون أي شيء في الوسط؟».