القاهرة ـ «القدس العربي»: دائماً ما ننتظر أعمال الثنائي المدهش (مخمخ ومشمش) أحمد مراد ومروان حامد، حتى تتأكد فكرتنا عما يقدمانه من أعمال، تبدو مغايرة ومختلفة ورصينة وفنية، وتحمل رسالة إلى هذا الشعب الهزلي عاشق التفاهة. ويأتي فيلمهما الجديد «كيرة والجن» مماثلاً لموضة الحكاية التاريخية، التي أصبح يلتجأ إليها الكثير من الكُتّاب، ليس في مصر وحدها، لكن في ما يُسمى العالم العربي، أو العالم الآخر بمعنى أدق. وعن نضال بعض الشخوص المجهولة للأغلبية أيام ثورة 1919، يسرد الفيلم حكايته، من خلال شخصيتي (أحمد كيرة) و(عبد القادر الجن). وكان من الممكن أن يصبح الفيلم علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية، لكن أي حكاية سوف يتم تقديمها من خلال هذا الثنائي بوق كل نظام، ستتحول إلى دعاية، مهما تلونت وادّعت أنها تجسد فصلاً من نضال الشعب المصري. ولتصبح ثوررة 1919 وزعيمها، مجرد محاولات باهتة لن تتحقق إلا بانقلاب يوليو/تموز 1952، ومن خلال شويّة عساكر.
العمل الوطني من تمثيل.. كريم عبد العزيز، أحمد عز، هند صبري، سيد رجب، أحمد مالك، أحمد كمال، سلوى عثمان، روبي، عارفة عبد الرسول، أحمد عبد الله محمود، سلوى محمد علي، إياد نصار، رزان جمال، سام هازلدرين، وشوية ممثلين مضروبين بحب مصر جداً. تصوير أحمد المرسي، مونتاج أحمد حافظ، ديكور باسل حسام، صوت حسن أبو جبل، ملابس ناهد نصر الله، موسيقى هشام نزيه. سيناريو أحمد مراد عن روايته 1919، وإخراج مروان حامد.. إنتاج سينرجي للإنتاج الفني 2022.
أكشن النضال
(أحمد عبد الحي كيرة) تم إعدام والده في حادث دنشواي، فقرر الانتقام منذ رؤيته لهذا المشهد، طبيب ويُشاع أنه مهادن للإنكليز، فهو سيئ السمعة في محيطه المهني والأسري أيضاً، لكنه في الحقيقة يدبر الحوادث والاغتيالات للضباط الإنكليز، والمسؤولين المصريين المتعاونين معهم. ليس وحده، لكن من خلال مجموعة منتقاة من الفدائيين المصريين، الذين يمثلون مختلف فئات الشعب، بمن فيهم المرأة. أما (عبد القادر الجن) فهو يسكن أحد المناطق الشعبية، ويتعاون مع الإنكليز بالفعل، يبيع لهم المخدرات والخمور وما شابه، رغم غضب والده مما يفعل، هذا الرجل الذي كان أحد جنود الجيش المصري أيام (عُرابي) وعند مقتله اثناء ثورة 1919، وقد نزل إلى الشارع يرتدي زيه العسكري القديم، يبدأ (الجن) في التخطيط للانتقام من الإنكليز، خاصة الضابط الذي قتل والده، وفي الوقت نفسه يخطط (كيره) للثأر لمقتل الرجل المُسِن ــ والد عبد القادر ــ وبالمصادفة يتقابل كيرة والجن دونما اتفاق في حادث قتل الضابط الإنكليزي. وتبدأ سلسلة الاغتيالات والعمليات الانتقامية، حتى تتم الوشاية بهم من أحد أفراد المجموعة في النهاية، بعد حادث اغتيال السير لي ستاك في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1924.

التاريخي والدرامي
يتناول الفيلم أحداثاً تاريخية، وقد ذُكر في التيتر أنه ليس وثيقة تاريخية، ولصُناع الفيلم الحق في ذلك، فالعمل الفني ليس مطلوباً منه أن ينقل التاريخ وحوادثه وشخصياته، حتى لو استلهم حكايته من التاريخ. لكنّ هناك أحداثا تاريخية، ورواية بعنوان (1919) وفي الأخير هناك فيلم سينمائي. ولن ندخل في متاهات المقارنة ما بين حدث ورواية وفيلم سينمائي، فقط سيكون الحديث عن الفيلم، باعتباره وسيطا مختلفا وعملاً فنياً له سماته ومقوماته. فالشخصيتان الرئيسيتان (كيرة والجن) يوحدهما مقتل الأب، وسنتغاضى عن اجتماعهما الصدفوي، إلا أن هذه المجموعة التي ينضم إليها عبد القادر الجن في النهاية، تقوم بعملياتها الانتقامية كيفما اتفق، مع عدم وضوح الشخصيات وخلفياتها ـ شخصيات المجموعة ـ بخلاف رتوش بسيطة عن كيرة وعبد القادر ودولت فهمي، الفتاة القبطية من صعيد مصر. فالشخصيات الأخرى عبارة عن نماذج باهتة لا وزن لها، كتكميل أو تجميل ما يُسمى بـ (مجموعة فدائية). الأمر الآخر هو أسلوب تنفيذ هذه العمليات، فالمجموعة تنفذ عملياتها وكأنها في عرض مسرحي، يرتدون ملابسهم نفسها، ويتجولون ويهرولون في الشوارع بين الناس، بعد إلقاء القنابل واستخدام الأسلحة النارية، وهو أمر مُستغرب، وقد تحول إلى أفلام الأكشن الرخيصة، رغم جودة تنفيذ بعض من هذه المشاهد بصرياً.
الرسالة
نشر أحمد مراد روايته (1919) عام 2014. وتطرق من خلالها إلى فترة النضال الوطني المصري في بدايات القرن العشرين، حيث ثورة 19، وما صاحبها من تبعات وتوترات. ففي تلك الفترة انتشرت الجمعيات السرية التي كانت تقاوم الاحتلال الإنكليزي، على اختلاف عقائدها، لكنها اجتمعت على هدف وحيد هو الانتقام من هذا الاحتلال، لكن.. لماذا الآن؟
كالعادة يجب اختراع عدو وهمي، حتى تستقيم الأمور. وقد أوضح لي أحد الأصدقاء بعد مشاهدة الفيلم أن (هوجة الإرهاب) لم تعد تجدي، كما أن المسلسلات التي تكفّلت بالانتقام من (جماعة الإخوان) قد أصبحت كوميدية في النهاية. وقبلها نشرات الدراما التي مجدت أفراد الجيش والشرطة. فلابد من البحث عن عمل يدور في إطار وطني، والاقتراب من فترة أكتوبر/تشرين الأول وما قبلها من حرب استنزاف أو هزيمة ـ لا نريد تذكّر هزيمة للجيش ـ هذا الاقتراب سيُعيد تذكّر عدو أصبح الآن صديقاً، ونحن نريد من الشعب أن ينسى هذه العداوة، بل يجب أن ينسى. فما العمل؟
إذن علينا استحضار فترة تاريخية مأمونة، وأن يكون أبطالها بعيداً عن تخمة الضباط التي أتحفتنا بها الدراما المصرية على مدار السنوات السابقة، يعني.. «يبقوا ناس من الشعب» لكن.. هل ستُجدي كل هذه المحاولات النضالية؟ هل خرج الإنكليز نتيجة ألعاب هؤلاء المناضلين الأبرياء؟ بالطبع لا. ليأتي المشهد الأخير في الفيلم مؤكداً ذلك.. فبعد القضاء على (عبد الحي كيرة) في العاصمة التركية، ووصيته لصديقه عبد القادر الجن بأن يتولى تربية ابنه، يقف (الجن) الآن في شرفة منزل هذا الابن، الذي تزوج وأنجب، وأصبح عبد القادر بمثابة الأب والجد، يقف في شرفة المنزل ليشاهد احتفالات المصريين بالجلاء الإنكليزي، والشعب يرفع صور عبد الناصر، الذي لولاه لما تحقق الحلم الشعبي. وبالتالي فمهما فعلتم.. فلا أمل إلا من خلال العسكر.