أحد الشرور المريضة في كل ما يتعلق بالمسألة الإيرانية، صعوبة التمييز بين الأقوال الموضوعية والسياسة الداخلية. والمسؤول الأساس عن ذلك هو بنيامين نتنياهو، كبير المقصرين الإيراني، الذي خلق حملة مغرضة ضد كل خصم سياسي وتدخله غير المسبوق والضار في السياسة الأمريكية.
لكن معارضيه ليسوا أنقياء أيضاً. إن إيهود باراك الذي هاجم نتنياهو أمس على أضراره الكثيرة في الموضوع الإيراني، كان هو نفسه وزيراً للدفاع لدى نتنياهو حين سافر هذا إلى الكونغرس في 2012 ووضع إسرائيل على خط انكسار حساس على نحو خاص في السياسة الأمريكية. كما دفع باراك بكل وسيلة ممكنة نحو رفع الهجوم الإسرائيلي في إيران إلى جدول الأعمال (أما إذا كان قصد ذلك نعم أم لا، فوحده يعرف)، في حملة كانت نتيجتها الواضحة ابتعاد إدارة أوباما عن إسرائيل لدرجة أنه عندما أدار الأخير المفاوضات التي أدت إلى الاتفاق النووي في 2015، كانت إسرائيل خارج دائرة النفوذ.
في الأشهر الأخيرة، يكرر الناطقون بلسان الحكومة الحالية عبارة أن “نتنياهو ترك لها جزراً خربة في كل ما يتعلق بالقدرات العسكرية حيال إيران”. ولن أدخل إلى مدى الدقة في هذا القول. ولكن لمن نسي، فإن وزير الدفاع هو الرجل المؤتمن على بناء القدرات العسكرية. وزراء الدفاع من 2016 وحتى اليوم كانوا، باستثناء نتنياهو نفسه: افيغدور ليبرمان، نفتالي بينيت وبني غانتس، أي قادة الحكومة الحالية. لم يمنعهم أحد من الانشغال بذلك لو أرادوا.
وبين هذا وذاك، توفر لنا الحكومة تصريحات عديمة المعنى، و”قرارات” معظمها ذر للرماد في العيون. لا شك عندي بأن رئيس الموساد ما كان ليتصور إطلاق “تعهد” غريب بحد ذاته بألا يسمح لإيران بامتلاك قنبلة في يوم ما، دون طلب صريح من رئيس الوزراء. فتخصيص 5 مليارات شيكل لإعداد خيار عسكري هو أيضاً ذر للرماد في العيون. فهذا تكرار لقرارات قديمة، بعضها غير ذي صلة بالموضوع الإيراني (شراء مروحيات، صواريخ اعتراض للقبة الحديدية) وكلها تقريباً اتخذت منذ زمن بعيد، في إطار خطط التسلح طويلة المدى للجيش الإسرائيلي، ودون إقرار مفهوم استخدام حقيقي بوسعه أن يجعل قائمة المشتريات هذه شيئاً ما يخلق قوة ذات صلة. إن جهاز الأمن يسهم بدوره في الإحاطات عن “مفهوم جديد” في الكفاح ضد الإيرانيين يغير طريق الإدارة ظاهراً.
أتفق تماماً مع باراك في أمر واحد، وهو أن القنبلة النووية الإيرانية ليست نهاية الحلم الصهيوني، ولكنها ستغير وجه المجال، ومن شأنها التسبب بسباق تسلح نووي ومنح إحساس بالحصانة لأعدائنا في الدائرة القريبة وتضع قدرة هدامة في أيدي نظام متزمت. على إسرائيل أن تفعل ما بوسعها كي تمنعها. ولكن تأطير البحث في مسألة كم طائرة شحن بالوقود وقذيفة خارقة للخنادق نملك إنما هو جزء من خطاب ضيق الأفق، لا يخدم إلا من يسعى للإبقاء على الوهم، لأن لكل مشكلة حلاً عسكرياً، أو لإقناع الجمهور بأن شيئاً ما هناك.
إن من أوقف البرنامج النووي العسكري لإيران هي الولايات المتحدة، عندما اجتاحت العراق في 2003. ففي السنوات ما بعد ذلك، أدار أرئيل شارون وإيهود أولمرت سياسة دمجت الإحباط السري بالمساعي السياسية، ونجحت في إعاقة تخصيب اليورانيوم في إيران. أما نتنياهو فهو الذي بدأ بالحديث عن إيران بتعابير الحسم، وبكلمات بوغي يعلون: ينبغي حمل النظام الإيراني إلى اضطرار الاختيار بين القنبلة النووية وبقائه.
إيران دولة واسعة الكبر، مع فكر ومفهوم تاريخي لقوة إقليمية عتيقة عظمى، وحدود تمتد من باكستان (دولة سنية مع قدرة نووية) وحتى تركيا (قوة إقليمية مع نظام إسلامي سني).
إن نظامها رغم كونه وحشياً وقمعياً، ذو جذور شعبية عميقة؛ فهو يتحرك مؤمناً بأن العالم معاد للحكم الشيعي الوحيد في العالم. أبعاد رؤيتها أوسع بكثير من الانشغال بإسرائيل، وإن كان لا ينبغي الخطأ في أنه يرى فيها غرسة غريبة وكريهة. مع دولة كهذه ونظام كهذا، ينبغي الوصول إلى توازن، وعدم الحديث عالياً عن الحسم.
الضغط الخارجي، الذي بلغ ذروته في خروج إدارة ترامب من الاتفاق النووي وفرض نظام عقوبات أضر بالاقتصاد الإيراني (خطوة نبعت بوضوح من نفوذ إسرائيل ومؤيديها) لم يهزم الإيرانيين، وما كان يمكنه أن يهزمهم. نحن أيضاً ما كنا سنتراجع عن مشروع كهذا بسبب مس بجودة الحياة.
إن الأعمال الإسرائيلية المستندة إلى القوة من خلال اتباع نهج المعركة ما بين المعارك ضد التمترس الإيراني في سوريا، لم تجد شيئاً. ومثلما في جبهات أخرى، بينما نتباهى بقدرته على إلقاء القذائف، فإن العدو تمترس سياسياً، وأخذت إسرائيل في الابتعاد عن الغرفة التي تتخذ فيها القرارات. أما اليوم فنحن في موقف غير ذي صلة بما يجري في المفاوضات، ولا تخفي الإدارة الأمريكية أن إسرائيل هي في نظرها شبه مصدر إزعاج، وقدرتنا على التأثير على المعركة السياسية صفرية.
إذن، ما العمل؟ نوقف التبجح والتهديدات التي لا يأخذها أحد على محمل الجد، ونبلور جبهة إقليمية واسعة، مع دول قلقة من إمكانية إيران نووية، بقدر لا يقل عنا؛ ونواصل المعركة السرية، وإلى جانبها نساعد العالم على التفكير بتوسيع النقاش وخلق تحديات وفرص لإيران في جبهات أخرى في إطار صورة مصالحها الواسعة؛ والعمل بهدوء على خيارات القوة التي هي مخرج أخير. نفهم أن الهدف ليس دفع الإيرانيين إلى نقطة القرار، بل مساعدتهم في ألا يصلوا إليها. صحيح أن هذا لا يوفر عناوين صحافية صاخبة، ولكنه المطلوب لإحباط الخطر.
بقلم: عوفر شيلح
يديعوت 6/12/2021