كيف أراني من بعيد؟

أنا لست لا قريبا ولا بعيدا إلاّ بالنسبة إلى دائرة إبصار تركّز عليّ فأبدو لها قريبا حين أكون في حيّزها ملابسا لها، وأكون بعيدا حين تنأى المسافة بيني وبين تلك الدائرة التي تقبع فيها عين تراني. اللغة هي أيضا تقع تحت دائرة إبصار منها يرى الكونَ من قريب أو بعيد متكلمٌ هو مبصر بالكلام، غير أنّ حدقته كلامه، وجفنه صمته الذي يقطع في كلّ مرة الكلامَ.
قد يبدو لي أشخاص الأشياء أو البشر من بعيد وهما، فلا أتبيّن حقيقة هويته إلاّ حين يقرب مني. البعد ينزل على إدراكي شيئا كالغشاوة أو الضباب لا يجعلني أرى الأشكال رؤية صافية ولا صادقة. في هذه الحالة تعطيك اللغة حزمة من الأفعال والأسماء، تصف بها هذه الوضعيّة التي تلتبس فيها الرؤية فتكاد لا ترى وأنت ترى ولا تعرف وأنت تعرف. بعض ما يسمّيه النحاة «أفعال القلوب» مثل (ظنّ) و(خال) و(حسب) هي الأفعال المناسبة لوصف رؤية ملبسة وكشف وهم لا يتبدّد لحظة الرؤية.
أوّل أحوال الإدراك من بعيد ما أسمّيه الإخالة، وهو أن يلتبس الأمر عليك فلا تتبيّنه. فأنت تقول لزياد وقد رأيته قادما فاشتبه أمره عليك ظننته صالحا (خلتك صالحا، فإذا أنت زياد). الإخالة في هذا المثال هي أمر من صنع الرؤية الواهمة، عبّر عنه الفعل المناسب للاشتباه، ثمّ جاء ما يجليه وهو الحرف (إذا) الفجائيّة. الشخص القادم من بعيد هو صالح الموهوم والشخص القادم من قريب هو زياد، والمسافة الفاصلة بينهما تبدأ ظنّا وإخالة وتنتهي يقينا، لكنّ المفاجأة حادثة قبل اليقين. أصبحت متفاجئا من أنّك لم تكن أنت حين تخيلتك وحين أدركت من أنت تفاجأت. الإخالة تصنع في وقت سريع الوهم ثمّ الألفة المفاجئة. فـ(خلتك) بصيغتها الماضية تصنع نسيجا من الزمان الذي فاتَ، هو زمن انقضى وزال معه الوهم لكنّه زمان خيم على معرفتي الصحيحة بك الواهمة: إنك زيد. من بعيد نرى وهما لكنّ وعينا يصالحنا على ظنّ بأنّه قد يكون ماهية ما. من دائرة الإبصار اللغويّة التي أرى منها يكون الموهوم (صالح في مثالنا) جزءا ألطف في درجة الوهم من درجة أخرى، أنّ ما تراه خيال، وليس شخصا يمكن أن يكون صالحا أو لا يكون. رؤيتك لشخص توهّمت أنّه صالح هو في الحقيقة درجة من الاقتراب من الحقيقة والابتعاد عن الوهم. لأنّ (صالحا) المرئيّ الموهوم هو موهوم بالنسبة إلى الشخص الحقيقي (زياد) لكنّه أكثر وضوحا من رؤيتك شكلا يمشي فلا تعرفه أحيوان هو أم إنسان، تعبّر عنها في جملة من نوع (أرى شيئا يتحرك نحونا). فعبارة «شيء» هي من جهة العموم والتجريد أكثر خُطاطية من صالح، وصالح من جهة دقّة التعيين أقلّ خطاطيّة من «شيء» غير أنّه نوع ممّا يمكن أن يكون مرّة صالحا ومرة زيدا وهو الإنسان الذكر.
لكنّ في المسألة إشكالا مفارقا وهو أنّ «شيء» اسم ليس فيه من الناحية الإدراكية وهم فعبارة «شيء» هي تعيين حقيقي لكيان مجرّد على النقيض من عبارة (صالح) التي يتضح من دائرة قريبة للإبصار، أنّها تعيين خاطئ لاسم زيد القادم إليك. من بعيد وحين تكون في دائرة الرؤية التي ترى الأشكال بعيدة تراها مجرّدة فتنسبها إلى شيء مجرد أنت لن تكون واهما وقتها، فأنت ترى بالفعل كيانا يصدق على تسميته بالشيء.
هناك فرق بين أن تكون في دائرة إبصار وترى زيادا على أنّه شيء، وأن تكون في دائرة إبصار وترى زيادا صالحا: الحالة الأولى هي درجة الجهل بالمرئيّ من جهة جنسه ونوعه، فأنت ترى شيئا يتحرك من بعيد قد يكون متحركا بنفسه أو متحركا بغيره، ولست قادرا على أن تتكهّن ما يكون ذلك الشيء.

هناك فرق بين أن تكون في دائرة إبصار وترى زيادا على أنّه شيء، وأن تكون في دائرة إبصار وترى زيادا صالحا: الحالة الأولى هي درجة الجهل بالمرئيّ من جهة جنسه ونوعه، فأنت ترى شيئا يتحرك من بعيد قد يكون متحركا بنفسه أو متحركا بغيره، ولست قادرا على أن تتكهّن ما يكون ذلك الشيء.

والحالة الثانية هي درجة الخلط بين ذاتين حين تتسع دائرة الرؤية ويقرب المرئيّ أكثر، لكنّ المدركَ يظلّ في حالة يتنافس فيها شخصان على التحديد قد يكون بينهما شبه في الطول وفي المشية، أو في أي شيء ما هو الذي يخلق اللبس ويجعلك متردّدا ومرجّحا. تصبح درجة الإخالة أكبر، لأنّ التعرف على الهويّات نصف القريبة من دائرتك سيكون في تنافس بين معيّنات كثيرة أيكون الشخص زيدا أم صالحا، أم عليّا. تنشيط الوجوه سيستحضر أكثر من وجه، ثمّ يقتصر على وجهين ثمّ ترجّح أحدهما. الذاكرة البصريّة ستختار أيّ الوجوه أقرب إلى ما خزّنته فيها؛ وعندئذ ستكون قد توهمت شخصا لن يصدق أو يكذب إلا بقرب المسافة الفاصلة بين ما رأيته وهو بعيد وما رأيته وهو قريب. في قولك (فإذا أنت زياد): تبرز الفجائية خطابا كخطاب الشخص عن نفسه، لكأنها تقول لقد أخطأت بعد الترجيح؛ تكمن الفجائية في اكتشاف الفارق بين القرار الذي اتخذته بينك وبين نفسك وما وجدته بعد اقتراب الشخص البعيد.
في قصيدة درويش «أرى شبحي قادما من بعيد» شيء قريب ممّا نحن فيه، إذ يكون الرائي في دائرة إبصار «معقولة» يطلّ على ما يمكن أن يُرى من المرئيات ( أطلّ على أصدقائي وهم يحملون/ بريد المساء: نبيذا وخبزا.. أطلّ على نورس.. على كلْبِ جاري المهاجر) فما يذكر هنا هو مرئيّات واضحة لا لبس فيها ولا إخالة وهي رؤية من دائرة المشهد فيها صاف شفّاف صفاء العين المبصرة كبلوّر نافذة نظفته لكي ترى من خلاله المشهد أوضح. لكنّ الرؤية تنقلب في نصّ درويش بفعل إخالة ليست وهما، بل هي خيال كالحقيقة: (أطلّ على صورتي وهي تهرب من نفسها/ إلى السلّم الحجريّ ، وتحمل منديل أمّي): إنّ الإطلالة على النفس تريد أن تتفصّى من إطاريـّتها التي تحاصرها. من دائرة الإبصار تنفلت ذات المبصر من إطار الدائرة ومن إطار بشريّتها وتنزل ككلّ نازل من الشرفة على السلالم الحجريّة.. حتّى تهرب ذات المبصر من دائرة الإبصار الغيرية حتى تكون هي موضوع الإبصار عليها أن تتخذ مسارا عكسيّا. في العادة نجلس في دائرة إبصار ويأتي غيرنا من بعيد من بعيد ثمّ يقترب من الدائرة.. لكن ما حدث مع الذات هو العكس: من قربك تهرب نفسك إلى مكان بعيد.. لكنّه هروب ليس من المكان، بل من الزمان ومن كلّ إطاريّة ظرفيّة في هذا السياق التجريبي يتساءل الشاعر: (ماذا سيحدث لو عدت/ طفلا؟ وعدت إليكِ وعدتِ إليّ). إنّ الفرار من دائرة الإبصار عبر الإخالة المحقّقة هو فرار من عالم إلى عالم ممكن كان: زمن كان الرائي طفلا يفرّ إلى أمّه قبل أن يفرّ بها الزمان ويأسره هو في شرفة الذكريات. ما يفصله عن دائرته القديمة التي كان منها يرى هو أنّه انفصل بالزمن وصنع من ذاكرته شرفته التي يطلّ منها عليها.. كذا نفعل جميعا حين نريد أن نهرب منّا إلى أمسنا، حيث أمهاتنا اللواتي صرن ذاكرة.. يمكن أن نهوّم بالذاكرة في نوم خفيف ونتحرر من دائرة الإبصار لنعود أطفالا نتعلق بأهداب من مضى، ثمّ نعود لكنّنا سنعود من جديد كقادم من بعيد يقول درويش: (أطلّ على شبحي/ قادما من بعيد..) من بعيد تعود غريبا لا تتبيّن نفسك شبحا وهما تدخل تحت جناح الوهم والإخالة: من يكون القادم من بعيد؟ للشبح نعوت ومعان كثيرة فمن الممكن أن يكون خيالا، ومن الممكن أن يكون طيفا، أو روحا شريرة، لكنها روحٌ آتية من عمق الموت من دوّار لا رجوع منه.. عندئذ ننتقل أيّها المبصر من دائرة إبصار تنفتح على الإخالة والوهم إلى أخرى أشدّ خطرا هي دائرة الإخافة.. أقسى الأشياء أن تكون أنت في الدائرة رائيا ومرئيّا شخصا في التاريخ وشبحا في الخيال نفض عنه غبار القبر: هو يريدك وأنت لا تريده.. فقد تعتقد أنّه مات من زمان وأنت حيّ ترزق.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية