كيف أشعل كورونا حروبا عدة… وأسهم في صنع السلام عبر منصات الأفلام الأمريكية؟

حسام عاصي
حجم الخط
0

لوس أنجلس ـ «القدس العربي» : منذ إغلاق دور العرض في آذار /مارس الماضي بسبب جائحة كورونا، اتجهت الجماهير العالمية إلى منصات البث الإلكترونية كنتفليكس وآبل وأمازون، لمشاهدة الأفلام، مما دفع ببعض الاستوديوهات إلى الاستثمار في منصاتها وتزويدها بأفلامها الجديدة، بينما قام البعض الآخر ببيع أفلامه الجديدة للمنصات الكبرى. لكن شركة وورنر بروز لم تفعل ذلك، بل أطلقت فيلم كريستوفر نولان، تينت، في دور العرض نهاية الصيف آملة في أن يحقق لها أرباحاً. لكنه لم يجن إلا ما يقارب 325 مليون دولار، مما يعني خسارة فادحة إذ أن أكثر من نصف ذلك المبلغ يذهب لدور العرض، فضلا عن تكلفة إنتاجه التي بلغت 200 مليون دولار، بالإضافة إلى تكاليف الترويج والتسويق.

وورنر بروز ضد الأعراف السائدة

كما أن منصة وورنر بروز الالكترونية اتش بي أو ماكس، التي أطلقت في شهر أيار/مايو الماضي، لم تجذب المشتركين نظراً لشح الأفلام الجديدة. ففي شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي وصل عدد مشتركيها إلى ما يقارب الثمانية ملايين، بينما تخطتها منصات نتفلكس وديزني بلاس وأمازون، التي وصل عدد مشتركيها إلى ما يقارب 190 و90 و150 مليون مشترك على التوالي. فبقي أمام وورنر بروز خيار واحد هو اتخاذ تدبير يحطم الأعراف السائدة من أجل تفادي خسارات فادحة. وفي الثاني من شهر ديسمبر/ كانون الأول الجاري، صدمت صناعة الأفلام بإعلانها عن طرح 17 من أفلامها الضخمة الجديدة على اتش بي أو ماكس، تزامنا مع إطلاقها في دور العرض الأمريكية، أولها أضخم افلامها وأكثرها ترقبا وهو «المرأة الخارقة 1984» الذي أطلقته في دور العرض العالمية، قبل أن تطرحه على اتش بي أو ماكس وتطلقه في دور العرض الأمريكية يوم غد الجمعة. ويذكر أن وورنر بروز بدأت حملة الترويج لإصداره في دور العرض قبل أكثر من عام وأجلته خمس مرات بسبب جائحة كورونا.

بين الغضب والقلق والتحفظ

وكما كان متوقعا، أثار الإعلان قلق أصحاب دور العرض وغضبهم لاسيما وأنهم يتقاضون 50% من دخل تلك الأفلام الضخمة في شباك التذاكر. ومن أجل ضمان ذلك الدخل، يفرضون على الاستوديوهات عدم طرح أفلامهم على منصات أخرى لمدة ثلاثة أشهر، وهو ما يعرف بنافذة الإطلاق. ومن ثم فإن إلغاء تلك النافذة سيحرم دور العرض من دخل تحتاجه بشدة للخروج من الأزمة المادية الصعبة النابعة من إغلاقها بسبب وباء الكورونا.

فضلا عن دور العرض، ندد الكثير من صناع أفلام وررنر بروز بقرارها واعتبروه خيانة لهم وتهبيطاً لفن السينما، وهدد بعضهم برفع دعوة ضدها، ذلك أن إطلاق الافلام على منصة اتش بي أو ماكس سيحرمهم من الحصول على نسب من أرباح شباك التذاكر التي تصل أحيانا إلى عشرات ملايين الدولارات. فعلى سبيل المثال، كان متوقعا أن يتخطى دخل المرأة الخارقة 1984، المليار دولار في شباك تذاكر دور العرض، مما يعنى عشرات ملايين الدولارات لمخرجته باتي جنكينز وبطلته غال غادوت. لهذا قامت وورنر بروز بدفع عشرة ملايين دولار كتعويض لكلتيهما.

باتي جنكيز: الأهم وصول الفيلم للمشاهدين

وفي حديث مع جنكينز عبر خدمة «زووم» الأسبوع الماضي، عبرت لـ«القدس العربي» عن رضاها من إطلاق فيلمها إلكترونياً مع بعض التحفظ. وتقول المخرجة: «إننا خسرنا شيئاً بينما نكسب شيئاً آخر،». وتضيف: «ما أفتقده حقا هو أنه ليس ثمة شيء يمكن للعالم بأسره الوصول إليه بسهولة. ما زلنا نجتهد لإيجاد طريقة ما لإيصاله إلى بلدان مختلفة. لكن ما اكتسبه هو وصوله إلى الناس سواء كانوا سيشاهدونه في البيت أو في صالات العرض في وقت ثمين للغاية حيث نختبر جميعاً أمراً ما معا. نحن جميعا نجتاز هذا الوباء سوية. فبالنسبة لي إنه أمر مؤثر للغاية أن أعطي الناس شيئاً في الوقت الذي نعاني فيه جميعاً من خسارة مشتركة. وهذا ما جعلنا نقرر القيام بذلك. إنه أكثر تميزاً مما كان يمكن أن يكون لو كان مجرد فيلم ضخم آخر شاهدت ظاهرته من قبل.»
تحولت جنكينز التي كانت معروفة بفيلم الوحش، الحائز على أوسكار أفضل ممثلة لشارليز ثيرون عام ألفين وثلاثة إلى رمز نسائي بعد تسلمها مهام إخراج المرأة الخارقة الأول عام ألفين وستة عشر، لتصبح أول امرأة تخرج فيلم كوميكس، وقد حصد أكثر من ثمانمائة مليون دولار في شباك التذاكر، ليصبح الأكثر دخلاً في تاريخ الأفلام التي أخرجتها نساء. كما تحول إلى معلم حضاري نظراً لأنه يسلط الضوء على بطولات نسائية وقضايا أنثوية.

المرأة الخارقة

في الجزء الأول، تسخر المرأة الخارقة قدراتها القتالية لسحق أشرار يخططون لتدمير البشرية إبان الحرب العالمية الأولى. لكن حولتها عبر فلم تدور وقائعه في ثمانينات القرن العشرين من بطلة حرب إلى بطله سلام إذ تتجلى قدراتها الخارقة في إنسانيتها وأنوثتها وتعاطفها وتسامحها مع أعدائها بدلاً من قتلهم والتخلص منهم.
«لقد تجاوزنا عصر الخير مقابل الشر والاعتقاد بأنك الرجل الصالح وذلك هو الرجل الشرير،» هكذا تقول جنكينز مضيفة: «ليس ما يتعين علينا القيام به لإنقاذ هذا العالم الآن. يجب أن نبدأ بصنع نماذج لأبطال الشجاعة والحقيقة والقدرة على تطبيق الصح على أنفسهم.»
مشوار تطوير مشروع فيلم المرأة الخارقة بدأ عام ألف وتسعمائة وستة وتسعين، عندما اختيرت ساندرا بولاك لأداء دورها. وعبر السنين تغيرت طواقم التطوير ومعهم بطلته. ففي ألفين وواحد منح الدور للوسي لوليس التي استبدلت بأنجلينا جولي عام ألفين وخمسة، ثم الأسترالية ميغين غيل عام الفين وثمانية. ومع بروز الحركات النسائية عام ألفين وخمسة عشر، قررت وورنرز منح مهمة إخراج الفيلم لامرأة واختارت جنكينز، بينما اختيرت الممثلة غال غادوت لتجسيد بطلته المرأة الخارقة، ديانا.

ماكسويل لورد ودونالد ترامب

غادوت كانت معروفة بدور جيزيل ياشار في سلسلة أفلام الحركة السرعة والغضب. لكن اختيارها لأداء دور شخصية أيقونية مثل ووندر وومان أثار غضب العرب والمسلمين على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة بعد نشرها صورة تضامنية مع الجيش الاسرائيلي على مواقع التواصل خلال حرب غزة عام ألفين وأربعة عشر.
لكن غادوت تفادت الإدلاء بتصريحات سياسية، بعد تجسيد المرأة الخارقة مركزة على حقوق المرأة، حتى العام الماضي، عندما نددت بتصريحات رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو العنصرية تجاه العرب، وناشدت بحوار السلام والمساواة والتسامح بين العرب واليهود. كما أعلنت مؤخرا عن إنتاج فيلم مقتبس عن كتاب حياة الحدود، والذي حظرته الحكومة الاسرائيلية في المدارس لأنه يحكي قصة حب بين فلسطيني وإسرائيلية. فهل تغيرت نظرة غادوت تجاه إسرائيل والعالم بعد تجسيدها المرأة الخارقة؟ ترد الممثلة عن هذا السؤال فتقول: «ما وجدته حقيقة أن لدي الآن مدى واسعا للوصول إلى الناس وهذا ليس أمراً استخف به، بل أشعر بقدر كبير من المسؤولية تجاهه. وبالتالي أحاول التأكد أن الرسائل التي أرسلها هي أصلية بالنسبة إلي وجيده وإيجابية.»
في فيلمها الجديد، تواجه ديانا تاجر نفط، يدعى ماكسويل لورد، يسرق، من المتحف الذي تعمل فيه، حجراً كريماً يمنح الناس أمنياتهم، فينال كل ما يريده، ويسيطر على البشرية وينشر الفوضى والخراب في كل أرجاء العالم. وبدلاً من أن تقتله، تحاول ديانا أن تنقذه من جشعه الذي قاده إلى درب الشر.
بعض المعلقين قارنوا لود بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكن في الواقع من الممكن مقارنته بكل الحكومات الاستبدادية والشركات الضخمة ومواقع الانترنت التي تستغل جشع ورغبات وأمنيات الناس للسيطرة عليهم وإغرائهم في الاستثمار في اشياء ليسوا بحاجة لها. وبالتالي فإن أخطر شر تواجهه البشرية هو غرائزها، التي لا دواء أو لقاح مضاد له.
المثير في الأمر هو أن جميع البشر يسلكون مسلك لورد، لأن كل واحد منهم عبد لجشعه وشهواته وامنياته. فغزيرة الإنسان هي عدوه الاكبر وهي فيروس لا لقاح له.
«هذه الظاهرة كلها تتغذى على أناس مثل ماكس لورد،» تقول جنكينز. «هو يظن أنه بشخصه الحالي ليس جيدا كفاية ليكون الشخص الذي يحتاج أن يكونه في هذا العالم وبالتالي عليه أن يغير نفسه وكل شيء بشأنه، عليه أن يغير شعره ومظهره ليصبح جديراً بالحب وأن يكون الشخص الذي يريد أن يكونه. الأمر الذي يقوده إلى طريق الشر. هذا هو ما يغرينا به أسلوب المعيشة. أنت لست جيدا كفاية. لكنك ستكون كذلك إذا ركبت طائرة خاصة أو امتلكت حقيبة أغنى ثمناً، أو كنت شخصية مشهورة، هذا كله مجرد وهم يضعنا على طريق قبيح ويجعلنا مدمرين.»
ووندر وومان ألف وتسعمائة واربعة وثمانون يبدو أكثر طموحا وأضخم حجما وأعمق مضمونا من سابقه، لكن هذه المرة لن نعرف بدقة مدى نجاحه التجاري الذي يحدده دخل شباك تذاكر دور العرض. التوقعات كانت تصب تجاه تخطي دخله المليار دولار، لهذا يعتبر طرحه الكترونياً مجازفة تجارية وتضحية بالفيلم من قبل وورنرز من أجل دعم شبكتها الإلكترونية إيتش بي أو ماكس لمنافسة الشبكات الاخرى.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية