كيف أعاد تشافي وهج برشلونة وبريقه الى سابق عهده؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي» : أخيراً وبعد سنوات من الانتظار، عادت البسمة إلى الوجوه هناك في كتالونيا، مع ظهور أولى بصمات الرجل المُخلص تشافي هيرنانديز، بتحسن في نتائج برشلونة يكاد يلامس مهرجانات جيل بيب غوارديولا الذهبي، والأهم الطفرة الواضحة في أداء الفريق سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، مقارنة بالصورة البائسة التي كان عليها في حقبة ما بعد العراب الباسكي أرنيستو فالفيردي، أو بالأحرى سنوات التدهور والاستسلام للأسطورة القديمة، التي تحذر من التوابع والعواقب الوخيمة لضريبة الوصول إلى قمة الهرم.

القمة والهاوية

لا شك أبدا في أن برشلونة كان محظوظا بما فيه الكفاية، بتواجد مجموعة من الأساطير والعظماء، الذين نادرا ما يتجمعون في زمن واحد، فما بالك عندما نخبر الأجيال القادمة أن أسماء بحجم أندريس إنييستا وليونيل ميسي وتشافي هيرنانديز ونيمار جونيور ولويس سواريز وداني ألفيش وغيرهم بنفس الجودة والموهبة كانوا معا في فريق واحد، بل أن الهيكل الأساسي ترعرع على مفاهيم وقيم أكاديمية «لا ماسيا»، حيث الأناقة وجعل كرة القدم تبدو لعبة سهلة وبسيطة، في ما يُعرف بأسلوب «التيكي تاكا»، الذي أسسه الأب الروحي يوهان كرويف، واتبعه جُل تلامذته الذين تعاقبوا على تدريب البلو غرانا في آخر عقدين، على رأسهم مُحدّث وفيلسوف العصر بيب غوارديولا، الذي منحه القدر فرصة استكشاف عبقريته مع الجيل الاستثنائي في الفترة بين عامي 2008 و2012، وبدرجة أقل أيقونة التسعينات لويس إنريكي، الشاهد الأخير على نسخة برشلونة المخيف، وصاحب إنجاز ثلاثية 2015، في ما كانت لحظة الوصول إلى القمة، ليس فقط بالنسبة لهؤلاء النجوم واللاعبين التاريخيين، بل أيضا للكيان الكتالوني بأكمله. وبحكم عجلة الزمن التي تمضي كالبرق من دون أن نشعر، تفكك الفريق الأسطوري برحيل واحد تلو الآخر منذ تلك اللحظة، إلى أن ثَقل الحِمل على البرغوث وأصبح مطالبا بتقمص دور البطولة الهوليوودية في كل مباراة، بيد أنه مع الوقت خارت قوى ليو، ربما لتقدمه في السن كما قال جملته الشهيرة «الجسد لا يرحم مع مرور العمر»، وربما لاختلاف نوعية وعقلية الجدد ورفاقه القدامى.
لكن المؤكد والموثق في دفاتر كاتب التاريخ، أن لحظة الانهيار بدأت في «آنفيلد»، حين انحنى الفريق أمام ليفربول في المباراة المعروفة في الإعلام الجديد بـ«الرابع سجله أوريغي»، تلك الجملة الشهيرة للمعلق التونسي عصام الشوالي، وهو يتعجب على تقلبات الزمن، بسقوط مارد الليغا أمام الريدز بالأربعة في إياب نصف نهائي دوري الأبطال، وفي غياب رجال يورغن كلوب المخلصين أبرزهم محمد صلاح وروبرتو فيرمينو، ما تسبب في إشكالية ومعضلة للعلامة التجارية لبرشلونة. وفي رواية أخرى يقولون إن رباعية ليفربول، أحدثت شرخا في شخصية النادي وأضرت بسمعته عالمياً، وما زاد الطين بلة وضاعف وتيرة الانهيار والتدهور، ما حدث بعد عودة الفريق من جدة في بداية العام 2020، حيث قامت الإدارة بإقالة المدرب فالفيردي وتعيين كيكي سيتيين، من دون الرجوع للكبار في غرفة خلع الملابس، لتُقرع طبول المعارك الداخلية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، توابع فضيحة السقوط بالثمانية أمام بايرن ميونيخ، كمعركة «أكون أو لا كون» بين ميسي وبارتوميو، التي انتهت بتنحي الأخير عن منصبه، تحت ضغط ليو وتسلحه بالموج العالي بعد تقدمه بطلب رسمي لمغادرة «كامب نو» قبل عام من نهاية عقده، ناهيك عن الاختيار غير الموفق، بإسناد مهمة الإنقاذ لرونالد كومان، في خطوة جاءت بنتائج عكسية، أو على أقل تقدير كانت أشبه بالمثل المصري الريفي القديم «أحمد زي إحمد»، كإشارة بهدف الإسقاط والسخرية من التكرار، وعشاق برشلونة يعرفون أكثر من أكثر الشامتين، أن صاحب القدم التي جلبت أول كأس ذات أذنين في التاريخ، لم يأت بجديد أو شيء مختلف عن ميستر فالفيردي وحتى المتواضع سيتيين، بظهور الفريق بنفس النسخة الباهتة والشخصية الخجولة، بالأحرى كان على بعد مسافات ضوئية من أحلام وطموحات المشجع البسيط، برؤية ناديه يقدم المحتوى الذي كان يُضرب به المثل في الماضي غير البعيد، ليضطر الرئيس جوان لابورتا للتخلص منه، بعد الوصول إلى قاع الحضيض سواء على مستوى النتائج أو الأداء في بداية فترة ما بعد رحيل ميسي.

العصا السحرية

لم يجد الرئيس جوان لابورتا، أفضل من مايسترو جيل العظماء تشافي، ليعول عليه في مشروع إعادة وهج وبريق برشلونة، وذلك في الوقت الذي كان يعتقد فيه أكثر المتفائلين، أن القادم في كل الأحوال سيكون أسوأ، بزعم أن الخلل يكمن في جودة العناصر، ونقاط الضعف الكثيرة التي لم يعالجها المحامي الثوري في سوق الانتقالات الصيفية الأخيرة، بإبرام صفقات أقل ما يُقال عنها متواضعة، حتى الاسم اللامع سيرخيو أغويرو، صدم العالم بسقوطه على الأرض، تأثرا بالأزمة القلبية المفاجئة، التي أجبرته بعد ذلك على اتخاذ قرار الاعتزال، وما عزز هذا الاعتقاد، البداية غير الموفقة للمدرب الجديد، بعد فشله في استغلال الفرصة الأخيرة، باقتناص بطاقة اللعب في مراحل خروج المغلوب لدوري الأبطال، لسقوطه في فخ التعادل أمام بنفيكا بدون أهداف في الجولة قبل الأخيرة لمرحلة المجموعات، وتبعها بالهزيمة المعتادة على يد الدابة السوداء بايرن ميونيخ، بنفس نتيجة افتتاحية «كامب نو» في وجود كومان 3-0، لكن ما حدث بعد عودة اللاعبين من عطلة الشتاء القصيرة، كان مفاجئا لعشاق كرة القدم الجميلة، بعودة الكثير من شخصية برشلونة «تيكي تاكا». صحيح أن النتائج مرت بتقلبات، مثل مباراة الكلاسيكو الأخيرة أمام ريال مدريد، التي خسرها البارسا بنتيجة 3-2 في الأوقات الإضافية، وكذا الخسارة بنفس النتيجة أمام بلباو في دور الـ16 لكأس ملك إسبانيا، لكن في حقيقة الأمر، من شاهد هذه المباريات، لاحظ بصمة الرجل القصير من خارج الخطوط، منها التطرف الهجومي، الذي تجلى في الكم الهائل من الفرص أمام مرمى المنافسين، مقارنة بالصورة القبيحة المطبوعة في الأذهان عن هجوم البلو غرانا منذ تفكك ثلاثي الأحلام «MSN» ميسي وسواريز ونيمار، وأيضا التحسن الملموس في تمركز اللاعبين وانضباطهم، بصورة مختلفة تماما عن نسخة برشلونة العشوائي، خصوصا على مستوى الدفاع والوسط، وهذا بفضل تأثير خبرة وروح داني ألفيش، ومن مباراة لأخرى يتكشف سبب استعانة تشافي بصديقه القديم، كمدرب في التدريبات وداخل المستطيل الأخضر، بمعنى آخر أشبه بحلقة الوصل بين المدرب واللاعبين، للإسراع في وتيرة تعلم وتمرس الشباب والركائز الأساسية في المشروع على أفكار وأسلوب المدرب. ولنفهم دور ألفيش، دعونا نتأمل في الطفرة الغريبة في مستوى سيرجينو ديست، بظهوره بنسخة تحاكي الصورة المبهرة التي كان عليها مع أياكس، وجزء كبير من هذا يرجع لتعليمات ونصائح الأسطورة الأكثر تتويجا بالألقاب في التاريخ. وبفضل عصا تشافي السحرية، عاد جوردي ألبا أكثر من 5 سنوات إلى الوراء، بمستوى وروح ورغبة تلامس صورته في ذروة عطائه في منتصف العقد الماضي، ونفس الأمر بالنسبة لقائد الدفاع جيرار بيكيه، هو الآخر يبدع في تطويع خبرته وما تعلمه من دهاء وخبث كروي لمصلحة تشافي والمنظومة الجماعية، حتى الحارس الألماني أندريه تير شتيغن، أزال الغبار الذي أثر على مستواه في الموسمين الماضيين، وجعله يفقد مكانه ضمن حراس الصفوة في العالم، والآن يستعيد مستواه من مباراة لأخرى، بينما المفاجآت السارة، كانت في الشباب المرشح لبناء المشروع عليه، بداية بصخرة الدفاع رونالد أراخو، مرورا بإنييستا الجديد بيدري ومعاونه في دائرة الوسط، والمرشح ليكون خليفة تشافي المقبل غافي، كلاهما يظهر بمستوى وشخصية لاعبين في منتصف عقد العشرينات، وليس بعمر 19 عاما و17 للآخر، ورابعهم القادم من مانشستر سيتي فيران توريس، بجانب ما سبق، المكاسب الأخيرة من تألق القادمين في آخر ساعات الميركاتو الشتوي، والحديث عن ابن النادي آدم تراوري والغابوني بيير إيميريك أوباميانغ، ولعلنا لاحظا الإضافة الكبيرة التي قدمها صاحب العضلات المفتولة، بالاعتماد على نفسه في المواقف المعقدة، باستغلال قدرته على الانطلاق بالكرة، كنوع من اللاعبين كان يفتقده الفريق، خاصة في فترات غياب عثمان ديمبيلي وما أكثرها منذ قدومه من بوروسيا دورتموند لتعويض نيمار جونيور في صيف 2017، وكذا طريد آرسنال، بدا وكأنه القطعة المفقودة التي كان يبحث عنها تشافي، ولو على المدى القصير، للتخلص من داء ضياع الفرص السهلة، وهذا يفسر سلسلة النتائج المدوية التي حققها الفريق في الأسابيع القليلة الماضية، أو ما تُعرف بين الجمهور في العالم الافتراضي «رباعيات الخيام»، والتي بدأت بإذلال حامل اللقب برباعية مقابل اثنين، ثم باصطياد خفافيش فالنسيا في عقر دارهم «ميستايا» برباعية أكثر بياضا من العاج، وتبعها بكسب نابولي في إياب خروج المغلوب في اليوربا ليغ، ومؤخرا ثأر من بلباو في رباعية أخرى افتتحها صفقة الطوارئ السوبر أوباميانغ.

التحديات المستقبلية

الآن وبعد ظهور شرارة ثورة التغيير في برشلونة، يتبقى لتشافي تجاوز التحديات القادمة سواء في ما تبقى من الموسم أو في مرحلة استكمال البناء، وبالنظر إلى التحديات والأهداف القريبة، سنجد أن أبرزها استكمال صحوة العروض الهوليوودية والإبقاء على سلسلة الانتصارات، منها سيجني مكاسب معنوية لا حصر لها، بتمرس واعتياد اللاعبين على ثقافة الفوز التي كانت غائبة، ومنها سيبقي على آماله في ملاحقة العدو الأزلي ريال مدريد على صدارة الليغا، وذلك بعد الانقضاض على المركز الرابع، مع مباراة مؤجلة. الفوز بها سيقلص الفارق مع المتصدر لـ12 نقطة، قبل 11 جولة من نهاية الموسم، ومنها كلاسيكو في «سانتياغو بيرنابيو». وتزامنا مع ذلك، يحتاج الى مواصلة المضي قدما في اليوروبا ليغ، باعتبارها الأمل وطوق النجاة الملموس لإنهاء الموسم ببطولة من شأنها أن تعطي اللاعبين دفعة معنوية لرفع غلة البطولات الموسم المقبل، تماما كما فعل منافس الأمس زين الدين زيدان، بعد وصوله إلى الريال في ظروف مشابهة، بعد رحيل المدرب الإسباني رافا بنيتيز، وبمجرد أن تجاوز المحنة بعد توليه المهمة في منتصف الموسم، بقيادة الفريق للظفر بدوري الأبطال، بجانب الضغط بمنتهى القوة والشراسة على البارسا في الصراع على لقب الليغا حتى الأمتار الأخيرة، تحول إلى عراب البطولات، وذاك الرجل الذي أعاد الريال إلى زمن ميغيل مونيوز، وسبقه الأب الروحي لتشافي في عالم التدريب بيب غوارديولا، بإنجازاته المهولة التي تحققت بفضل دفعة البداية الموافقة.
وفي أسوأ الظروف، يحتاج المايسترو لوضع يده على أبرز نقاط الضعف أو المشاكل المحتملة مع إطلاق صافرة نهاية الموسم، وتكمن في العثور على بدائل بنفس خبرة وجودة ألفيش وألبا، مع اقتراب الأول من كسر حاجز الـ40 عاما، والآخر يمضي قدما نحو منتصف الثلاثينات، ونفس الأمر بالنسبة لبيكيه، وصعوبة الاعتماد عليه مرتين كل أسبوع، مع تقدمه في العمر وارتفاع معدل إصاباته، والحل الوحيد يكمن في التوقيع مع قلب دفاع من الطراز العالمي، وبالأحرى مدافع قادر على إعطاء إضافة فيرجيل فان دايك مع ليفربول، وأنطونيو روديغر مع تشلسي توماس توخيل، والآن روبن دياش في دفاع مانشستر سيتي، وفي أضعف الإيمان مدافع بمرونة وذكاء ديفيد آلابا مع ريال مدريد. أما غير ذلك، فمن الواضح أنه لا توجد مؤشرات للخوف أو القلق على مستقبل وسط البارسا، في ظل القفزات الكبيرة في مستوى القائد المستقبلي بيدري، وما يفعله بعد عودته من إصابته الطويلة، والتي جاءت تزامنا مع عودة شريك الرحلة غابي، ما ساهم بشكل مباشر في استفاقة فرينكي دي يونغ وسيرجيو بوسكيتس، ولو أن الأخير ما زال بحاجة لبذل جهد أكبر، ليستعيد ملامح نسخته الرائعة التي كان عليها قبل تدهور مستواه في السنوات الأخيرة، أو يضطر طواعية لإفساح المجال لسوبر ستار من نوعية «بوكس تو بوكس»، ليعطي الطاقة والحيوية التي يحتاجها الشباب، أو المجموعة المختارة التي يؤسس عليها تشافي مشروع العقد، وبدرجة أقل، قد يحتاج التوقيع مع حارس مرمى بجودة أعلى من البدلاء الحاليين، ليضرب عصفورين بحجر واحد، الأول رفع حدة وشراسة المنافسة على مركز الحارس الأول في النادي، بعد سنوات من الخمول في مستوى المنافسة، وتحديدا منذ بيع كلاوديو برافو لمانشستر سيتي، والثاني، استعادة نسخة تير شتيغن الذي كان ينافس نوير بشكل حقيقي على عرين المنتخب الألماني، ويُقال إن أسد أطلس المغربي ياسين بونو، يتصدر قائمة المرشحين لتنفيذ هذا المخطط. أما إذا أراد لابورتا الارتقاء بمستوى وحجم التوقعات في السنوات القادمة، ستكون الخطوة القادمة التوقيع مع النرويجي إيرلنغ براوت هالاند، ليعيد برشلونة إلى الواجهة، ككيان قادر على شراء أعظم اللاعبين، بخلاف المكاسب الفنية والجودة التي سيستفيد منها تشافي لإرهاب المنافسين، لكن هذا لا يعني أن شراكة أوباميانغ وفيران توريس لموسم آخر ستكون سيئة، والسؤال الآن: هل ستستمر انتفاضة تشافي مع برشلونة ويختم الموسم بالطريقة التي يريدها لنفسه ومشروعه؟ دعونا ننتظر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية