لندن ـ «القدس العربي»: على عكس كل التوقعات، بأن تشلسي سيواصل المضي قدما في طريق اللاعودة، خاصة بعد طرد المدرب الأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو، الذي أحدث ما يُمكن وصفها بـ«الصحوة المتأخرة»، بجمع العلامة الكاملة في آخر خمس مباريات في الدوري الإنكليزي الممتاز الموسم الماضي، محافظا قدر المستطاع على ماء وجه أسود غرب عاصمة الضباب بعد إنفاق ما يزيد على مليار جنيه إسترليني على مدار عام، وذلك بإنهاء الموسم في المرتبة السادسة في جدول ترتيب أندية البريميرليغ والحصول على تأشيرة اللعب في بطولة المؤتمر الأوروبي، يبدو حتى وقت كتابة هذه الكلمات، وكأن النادي الملقب بـ«فخر لندن» مع مدربه الإيطالي إنزو ماريسكا في طريقه الى استعادة الشخصية المهيبة، التي رسمها لنفسه على مدار عقدين من الزمن تحت إدارة الملياردير الروسي والمالك التاريخي رومان آبراموفيتش، ومعه المُلقبة بـ«أقوى سيدة في عالم كرة القدم»، وفي رواية أخرى «ملكة طاولة المفاوضات»، المديرة الرياضية السابقة مارينا غرانوفسكايا. وتظهر مؤشرات التحسن وإمكانية عودة البلوز إلى مكانه الطبيعي بين كبار القوم المرشحين للفوز بالدوري الأكثر شهرة وتنافسية على وجه الأرض، أو في أضعف الإيمان، كمنافس محتمل على المراكز المؤهلة لدوري أبطال أوروبا الموسم المقبل، أولا في التغير الملموس في عقلية اللاعبين وشخصية الفريق بأكمله، الذي بات أكثر حدة وذكاء في التعامل مع المباريات لتجنب الخروج بنتائج سلبية، كما كان يحدث في مثل هذه الفترة في آخر موسمين، ثانيا في تلاشي الكثير من المخاوف والشكوك المحيطة بسياسة النادي مع تود بويلي وشركاه، بفضل الانتصارات والعروض المقنعة، التي لم يتوقعها ربما أكثر المتفائلين في نجاح المدرب الجديد، بجلوس الفريق في المركز الرابع في جدول الترتيب العام برصيد 14 نقطة بفارق 4 نقاط فقط عن المتصدر ليفربول وثلاث نقاط فقط عن حامل اللقب مانشستر سيتي ووصيفه في آخر موسمين آرسنال، وهذا في حد ذاته، ساهم في توقف حملات الهجوم على مجلس الإدارة، وأيضا الصورة السلبية عن الفريق، التي تسببت بشكل أو بآخر في تحوله إلى مادة ساخرة في وسائل الإعلام وعالم «السوشيال ميديا» في الفترة الماضية، والسؤال الذي يفرض نفسه وسنحاول الإجابة عليه معا هو: كيف أعاد ماريسكا ترتيب أوراق تشلسي بهذه السرعة؟ وهل يكون العراّب الذي جاء في الوقت المناسب لإنقاذ النادي من الهلاك الإداري؟
البناء الصحيح
كما أشرنا أعلاه، كان الاعتقاد السائد لدى أغلب النقاد والمتابعين، أن المدرب إنزو ماريسكا، سيسير على خطى أسلافه في «ستامفورد بريدج» غراهام بوتر وماوريسيو بوتشيتينو، بتوريط الفريق في سلسلة من النتائج الكارثية، أو على أقل تقدير، سيستغرق بعض الوقت حتى تظهر بصمته على المنظومة الجماعية والأداء الفردي للاعبين، وذلك بطبيعة الحال، بسبب المشاكل التي كانت تعصف بالكيان، أو بالأحرى التخبط الإداري غير المسبوق، الذي وصل الى حد اختراع سياسة أو طريقة جديدة لإدارة المشاريع المستقبلية لكرة القدم، بتحويل النادي إلى ما يشبه «مشاريع غسيل الأموال»، بالتوقيع مع عشرات اللاعبين مقابل أكثر من مليار بالعملة البريطانية في الفترة بين صيف 2022 وبداية 2024، الأمر الذي جعل مهمة بوتر ومن بعده بوتشيتينو، تكاد تكون شبه مستحيلة، نظرا لصعوبة احتواء هذا الكم المخيف من الأسماء والصفقات الجديدة في فريق واحد، في وقت كان الفريق اللندني يملك فيه أطول وأكبر وأغلى قائمة لاعبين في الدوريات الأوروبية الكبرى، والأكثر صعوبة كان الاستقرار على تشكيل أساسي وآخر احتياطي معروف، كما نعرف جميعا التشكيل الأساسي للمان سيتي وآرسنال وليفربول آخر موسمين أو ثلاثة، بخلاف إشكالية التعرف على كل اللاعبين المتاحين، التي تسببت من قبل في حرج شديد للمدرب السابق بوتشيتينو، حين سُئل في أواخر أغسطس/ آب العام الماضي عن مصير المدافع مالانغ سار والحارس جايمي كامينغ، ليصدم الجميع قائلا «من؟!، يا إلهي لا أعرف ماذا أقول لك، لا أعرف لقد فاجأتني، الأمر أشبه بأنك لكمتني في وجهي وأنا مذهول، كنا نتحدث عن مباراة لوتن»، لكن الأصلع الإيطالي، الذي تتلمذ على يد صاحب أشهر صلعة في عالم التدريب بيب غوارديولا هناك في مانشستر سيتي، عرف منذ اللحظة الأولى، كيف ينأى بنفسه وبالفريق عن هذه المشاكل والكوارث الفنية، بدأها برفع شعار «الصراحة والوضوح» مع اللاعبين، وبالأخص الذين قرر الاستغناء عنهم، في مقدمتهم المخضرم رحيم ستيرلنغ وباقي الرفقاء، الذين تلقوا صدمة البداية من المدرب، بأنهم لن يكونوا أبدا ضمن حساباته في المرحلة المقبلة، وفي نفس الوقت، في ما كان جزءا من خطة تقليص قائمة الـ42 نجما إلى 28 لاعبا فقط، بما في ذلك الدماء الجديدة التي تعاقد معها النادي في الميركاتو الصيفي الأخير. وبالرغم من بعض علامات الاستفهام حول بعض التعاقدات التي أبرمها البلوز هذا الموسم، مثل ضم جواو فيليكس مقابل أكثر من 50 مليون يورو، إلا أن أغلب الصفقات التي جاءت بضوء أخضر وتوصية من المدرب، ساهمت في رفع مستوى المنافسة بين اللاعبين في كل المراكز -بعد تصفية الفائضين عن الحاجة، مثل الحارس فيليب يورغنسن، الذي يعول عليه المدرب في البطولة الأوروبية وكأس رابطة الأندية الإنكليزية (كاراباو)، والمدافع توسين أدارابيويو، ولاعبه السابق في ليستر سيتي كيرنان ديوسبري هول، وأيضا القادم من مانشستر يونايتد على سبيل الإعارة جادون سانشو، الذي أثبت مرة أخرى أن الإشكالية تكمن في مدربه في «أولد ترافورد» إيريك تين هاغ، مع ظهور مؤشرات نجاحه السريع للمرة الثانية، بعد انفجار موهبته مع ناديه السابق بوروسيا دورتموند في النصف الثاني من الموسم الماضي على سبيل الإعارة، إلى جانب الصفقة الأغلى بالنسبة للنادي هذا الصيف بيدرو نيتو، الذي يصنف كواحد من أفضل الأجنحة في الدوري الإنكليزي الممتاز في السنوات القليلة الماضية، الأمر الذي جعل الأمور تسير كما كان يخطط لها ماريسكا في بداية مغامرته مع الفريق، أبرزها قبل النتائج الجيدة، ما نشاهده من انسجام وتفاهم بين اللاعبين، مقارنة بالنسخة المفككة والهشة التي كان عليها الفريق منذ رحيل طيب الذكر توماس توخيل.
المد الغوارديولي
مثل باقي تلاميذ مُحدّث اللعبة في العصر الحديث بيب غوارديولا، نجح المدرب البالغ من العمر 44 عاما، في نقل ما تعلمه من فلسفة وأفكار من أستاذه الكتالوني إلى ليستر سيتي في عامه الوحيد الاستثنائي في «كينغ باور»، وهذا باعتراف الصحافي المحسوب على الثعالب في مقابلة سابقة مع شبكة «سكاي سبورتس»، قائلا: «ماريسكا متأصل جدا بأسلوب غوارديولا الناري»، كمدرب يجمع بين الأناقة والمتعة البصرية وبين الانتصارات والنتائج المطلوبة، وهذا ما ساعده على قيادة ليستر إلى العودة إلى دوري الكبار، وبالتبعية جعله يُثير إعجاب المسؤولين وأصحاب القرار في تشلسي لمنحه الدفة الفنية للفريق خلفا للبوش، على أمل أن يحاكي تجربة ميكيل آرتيتا مع مدفعجية آرسنال، ومعها يكون قد نجح في إعادة الفريق إلى وضعه الطبيعي بين الكبار في إنكلترا وأوروبا، ومن خلال ما شاهدناه في أول 7 مباريات في الدوري الإنكليزي بالإضافة إلى سهرات الخميس الأوروبية، يمكن القول بضمير مستريح، إنه في حال حافظ الفريق على هذا الاتجاه الصعودي في المرحلة القادمة، في الغالب سينتهي الموسم بمفاجأة سارة بالنسبة لعشاق النادي. صحيح أن المباراة الافتتاحية أمام المان سيتي لم تكن مشجعة، لكن كانت هناك مؤشرات وعلامات واضحة للأسباب التي جعلته يتولى القيادة الفنية للفريق، أبرزها العرض التكتيكي الأكثر إقناعا أمام الجار العاصمي وستهام يونايتد، ذاك الدربي الذي شهد سيطرة مطلقة للأسود على حساب المطارق، مرتكزة على صلابة دفاعية وهدوء في تدوير الكرة من الخلف إلى الأمام، بتلك الطريقة التي سجل منها نيكولاس جاكسون الهدف الثاني، بانتهاء عملية نقل الكرة بتمريرة من مويسيس كايسيدو في ظهر الدفاع، على إثرها انفرد جاكسون بالحارس وغالطه بتسديدة بوجه القدم الخارجي سكنت الشباك، قبل أن يأتي الدور على نجم الشباك الأول منذ وصوله من مانشستر سيتي في صيف 2023، كول بالمر، ليطلق رصاصة الرحمة الثالثة في قلب الملعب «الأولمبي»، في مباراة نادرة للنسيان بالنسبة للمدرب الإسباني يولين لوبيتيغي وفريقه، والعكس 180 درجة بالنسبة لإنزو ماريسكا ومشروعه، كأول اختبار شبه حقيقي يخرج منه الفريق بالعديد من المكاسب والنقاط الإيجابية، منها على سبيل المثال لا الحصر، الاطمئنان على الصلابة الدفاعية اللازمة في وجود الثنائي ليفي كولويل وويسلي فوفانا، بعد عودة الأخير الإصابة، إلى جانب حفاظ الأول على عروضه وأرقامه الفاخرة على المستوى الفردي، كواحد من أفضل المدافعين الشباب الذين تقل أعمارهم عن 21 عاما في الدوريات الأوروبية، من حيث التمرير العمودي والاعتراضات والحوارات الفضائية مع المهاجمين، وهذه واحدة من الأشياء التي كان يفتقدها الفريق في آخر موسمين، ومن الضروري أن يحافظ المدرب على وجود ثنائي ثابت ومنتظم في قلب الدفاع، كما هو الحال بالنسبة للأندية الطامحة في المنافسة والحصول على البطولات الكبرى، ومثل البلوز في السنوات الخوالي، لتجنب كارثة الموسم الماضي، الذي انتهى باستقبال الشباك لما مجموعه 63 هدفا في 38 مباراة في الدوري الإنكليزي الممتاز، ونفس الأمر ينطبق على أصحاب المهام الخاصة في الثلث الأخير من الملعب، والدليل على ذلك، الاختلاف الجذري في النسخة التي يبدو عليها الدولي السنغالي، مقارنة بالصورة المأساوية التي كان عليها الموسم الماضي، كنسخة طبق الأصل من المنحوس الأعظم بالقميص الأزرق فرناندو توريس في بداية تجربته غير الموفقة في «ستامفورد بريدج»، تارة لمعاناة صاحب القميص رقم 15 مع لعنة الإصابات، وتارة أخرى للفرص السهلة التي كان يتفنن في إهدارها أمام حراس مرمى المنافسين، قبل أن يرد الإحسان بالإحسان لمدربه الإيطالي، الذي تمسك بوجوده في القائمة، بدلا من اللجوء إلى الحل السريع والأكثر سهولة، بالتوقيع مع ابن قارته النيجيري فيكتور أوسيمين قبل هروبه من جحيم نابولي، تاركا بصمته في سبعة أهداف، بواقع 4 أهداف من توقيعه بالإضافة إلى 3 تمريرات حاسمة من مشاركته في ثماني مباريات، وبطبيعة الحال، إذا استمر على نفس المعدل الإيجابي، سيكون علامة فارقة بالنسبة للفريق في نهاية الموسم، جنبا إلى جنب مع الظاهرة كول بالمر.
سعادة وترابط
واحدة من أكثر الأمور المثيرة للإعجاب في عمل ماريسكا حتى الآن، هو نجاحه في إبقاء مجموعة من المواهب الهجومية في حالة من السعادة والهدوء والتركيز، على الرغم من حصولهم على دقائق لعب لا تتناسب مع طموحاتهم وتوقعاتهم، والحديث عن كريستوفر نكونكو، الذي استعاد الكثير من لياقته البدنية، ويعتبر واحدا من أقوى الأسلحة الفتاكة في الهجوم الأزرق، مع ذلك لا يظهر أي نوع من أنواع الاعتراض أو التذمر لجلوس على مقاعد البدلاء لزميله المتوهج أكثر من أي وقت مضى جاكسون، وبدلا من دخوله في نوبة اكتئاب وحزن على فقدان مكانه في التشكيل الأساسي، نلاحظ قتاله المشروع لاستغلال كل فرصة تتاح لديه، كما فعلها في ليلة افتراس بارو بخماسية نظيفة، بتسجيل ثلاثة أهداف (هاتريك) في نزهة الدور الثالث لكأس كاراباو، وسبقها سجل مرتين في شباك سيرفيت السويسري في التصفيات المؤهلة لدوري المؤتمر الأوروبي، بالإضافة إلى هدفه في مرمى بورنموث في الدوري الإنكليزي، مثلما يفعل ماريسكا في مختلف المراكز، بتوزيع ولا أروع لدقائق اللعب والأدوار بين اللاعبين، بما يخلق أعلى مستوى ممكن من المنافسة بينهم، وهذا يبدو واضحا في المداورة العادلة بين الثلاثي نوني مادويكي وجادون سانشو وبيدرو نيتو وميخايلو مودريك. وكل ما سبق في كفة وحالة الترابط والروح الجماعية السائدة في غرفة خلع الملابس في كفة، بتلك الطريقة التي أثارت إعجاب المشجعين بعد الفوز على بارو في كأس الرابطة، حيث تداول نشطاء «السوشيال ميديا» مقطع فيديو للاعبين المستبعدين من المباراة وهم يقدمون التهنئة لأصدقائهم على أرض الملعب، تجسيدا للفكرة التي ترتكز على مبدأ «الجميع يسحبون في نفس الاتجاه»، بغض النظر عن مدى مشاركتهم، والتي لخصها لاعب الفريق نيتو في رده على سؤال حول هذه العقلية الجماعية، قائلا: «نعم إنها عقلية الجماعة. إذا أردنا تحقيق شيء ما وتريد الوصول إلى مستوى الفرق الموجودة في القمة، فيجب أن نتصرف بنفس الطريقة جميعًا معا وكلنا بنفس الهدف، والعمل الجاد معا، وكما قال المدرب، مع كمية الجودة التي لدينا هنا، لا أحد يستطيع النوم، ولن يلعب الجميع كل مباراة، لذلك يتعين علينا العمل الجاد والاستمرار في القيام بذلك كل أسبوع، في كل جلسة تدريبية، وفي كل مباراة، هذه هي العقلية التي آمل بأن تقودنا إلى القمة»، مؤكدا صحة ما أشرنا أعلاه، بشأن صراحته ووضوحه مع الجميع بدون استثناء، بما في ذلك اتفاقه مع كل لاعب على الدور أو المهمة المكلفة بها على مدار الموسم، إذ هناك مجموعة أصبحت شبه ثابتة معه في معارك السبت والأحد الكروي في الدوري الإنكليزي الممتاز، وأخرى تنتظر مساء الخميس أو منتصف الأسبوع على أحر من الجمر، للحصول على فرصة اللعب في التشكيل الأساسي في البطولة الأوروبية أو كأس كاراباو، ولهذا السبب، نشاهد صاحب السعادة كول بالمر حصريا في معارك البريميرليغ، إذ وقع هو الآخر على ستة أهداف بالإضافة إلى 5 تمريرات حاسمة من مشاركته في 7 مباريات، مؤكدا أن مغامرته المذهلة في موسمه الأول مع البلوز، بتسجيل 27 هدفا وتقديم 15 تمريرة حاسمة، لم تكن ضربة حظ أو محض صدفة، بل دليل على أنه خطيئة تاريخية لبيب غوارديولا، الذي سمح بخروجه من ملعب «الاتحاد» بهذه السهولة، حتى لو بمقابل مادي كبير مقارنة بعمره وقت الموافقة على بيعه، وسؤال المليون دولار: كيف لهذا البالمر أن يظهر علامات تباطؤ تحت قيادة الرجل الذي يعرف إمكاناته وقدراته أكثر من أي مدرب آخر، بحكم الإشراف على تدريبه مع فريق السيتي تحت 21 عاما، وهذا واحد من الأسباب التي جعلت صاحب هدف الإنكليز في نهائي يورو 2024، يبدأ موسمه الجديد من حيث انتهى الموسم الماضي، كبطل بجينات نجوم وأساطير تشلسي في سنوات المجد، وكأن هناك اتفاق بينه وبين مدربه السابق في شباب المان سيتي، بأن يصب تركيزه لإعطاء الفريق أفضل ما لديه على مدار 38 مباراة في الدوري الإنكليزي الممتاز، شأنه شأن باقي الأسماء التي يعتمد عليها في معارك عطلة نهاية الأسبوع، وإذا سارت الأمور كما يخطط لها حتى شهر أبريل/ نيسان الحاسم، سيتمكن من إصابة أهداف بالجملة بنفس الرصاصة أو الفكرة.
يبقى الهدف الأكثر أهمية بالنسبة للمدرب الإيطالي، هو الحفاظ على المخزون البدني للاعبين لنهاية الموسم، وهذا لن يتحقق إلا بأسلوب المداورة الذي يتبعه مع اللاعبين، بتقسيمهم إلى مجموعتين، الأولى مختصة بمباريات الدوري الإنكليزي الممتاز، والثانية مكلفة بالمناسبات الخاصة في منتصف وآخر الأسبوع، ولا ننسى أن هذه الطريقة، تعطي ميزة إضافية لماريسكا عن باقي نظرائه على المستوى المحلي، حيث تساعده على بناء أو تكوين تشكيلين على نفس المستوى والجودة، على عكس أغلب المنافسين المباشرين، الذين يضطرون للاعتماد على قوتهم الضاربة كل ثلاثة أيام، إما في صدام لا يحتمل القسمة على اثنين في البريميرليغ، أو واحد من الاختبارات المعقدة في دوري أبطال أوروبا، بنظامه الجديد الذي رفع عدد مباريات الأندية إلى ثماني مباريات بدلا من ست في النظام القديم، مع إمكانية خوض مباراتين بطريقة الذهاب والعودة لضمان مرافقة الثمانية المتأهلين بشكل مباشر إلى الإقصائيات، وبالتبعية مع الوقت، سيكون لدى ماريسكا تشكيلة أخرى جاهزة لأي ظرف طارئ، أو تحسبا لتعرض أي لاعب أساسي للإصابة أو لتراجع مستواه ومعدلاته البدنية مع تلاحم المباريات على مدار الموسم، في ما يمكن اعتباره «نجاحا» للمدرب في تحويل نقمة الوفرة العددية المفرطة في القائمة إلى نعمة لا تُقدر بثمن، يتجلى في تلك المنافسة الطاحنة بين اللاعبين في مختلف المراكز، التي لا تصب سوى في مصلحة الفريق، لكن يبقى الرهان أو التحدي الحقيقي، أن يكشر الفريق عن أنيابه بنفس الطريقة المثيرة للإعجاب أمام الجبابرة والكبار، حتى بعد إلحاق الهزيمة الأولى لبرايتون بنتيجة 4-2 في الجولة قبل الأخيرة للبريميرليغ، وبالمثل التعادل المفاجئ أمام نوتنغهام فورست، الذي تسبب في توقف سلسلة الانتصارات قبل ذهاب اللاعبين الدوليين لتلبية نداء الوطن في عطلة أكتوبر/ تشرين الأول الدولية الحالية، وستكون البداية الحقيقية مع عودة النشاط المحلي في عطلة نهاية الأسبوع، حيث سيطير ماريسكا وعصابته إلى معقل «الآنفيلد» لمقارعة متصدر البريميرليغ ليفربول ومدربه الهولندي المثير للإعجاب هو الآخر آرنه سلوت، وسيتبعها سلسلة من المواجهات التي تندرج تحت مسمى «عنيفة» في الأسابيع الخمسة أو الستة المقبلة، من نوعية استضافة نيوكاسل يونايتد في الجولة التاسعة، ثم زيارة قلعة «أولد ترافورد» لمواجهة مانشستر يونايتد الغريق في الجولة التالية، وبعدها سيكون على موعد مع معركة كروية قابلة لكل الاحتمالات أمام الجار العدو آرسنال في قمة مواجهات الأسبوع الحادي عشر، على أن يختم هذه السلسلة بمواجهة ناديه السابق ليستر سيتي ثم الحصان الأسود في الموسم الماضي أستون فيلا، فهل يا ترى سينجح ماريسكا في هذه الاختبارات ليثبت أنه يقفز بتشلسي خطوات عملاقة نحو المسار الصحيح؟ أم سيتفاجأ بأن هناك طريقا طويلا جدا لقطعه والتخلص نهائيا مما تبقى من فوضى وتخبط إداري آخر موسمين؟ هذا ما سيجيب عنه في مثل هذه الأيام الشهر المقبل.