كيف تبدلت أوضاع زيدان وكلوب في أسبوع المفاجآت؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي” : تصدر مدرب ليفربول يورغن كلوب ونظيره في ريال مدريد زين الدين زيدان، عناوين الصحف والمواقع الرياضية العالمية، بعد مفاجآت الأسبوع الماضي المدوية، التي بدأت يوم السبت بسقوط البطل المنتظر للبريميرليغ بالثلاثة على يد واتفورد في موقعة “فيكاريج رود”، وفي اليوم التالي في العاصمة الإسبانية، نجح الملكي في إنهاء سلسلة انتكاساته الأخيرة بجانب سوء طالعه مع الغريم التقليدي برشلونة، بتحقيق أول فوز بالكلاسيكو منذ ثلاثة مواسم على ملعب “سانتياغو بيرنابيو” بثنائية فينيسيوس وماريانو دياز، كأبرز حدثين في الدوريات الأوروبية الكبرى قبل بدء مراحل الحسم الحقيقية في الموسم.

مؤشرات سابقة

قبل توجه ليفربول إلى العاصمة القطرية الدوحة منتصف ديسمبر/كانون الأول للمشاركة في كأس العالم للأندية، وتحديدا بعد الفوز على واتفورد بهدفين نظيفين في الجولة الـ17 للدوري المحلي، وثقت العدسات حوار ساديو ماني الجانبي مع قائد الجيش الأصفر تروي ديني في الممر المؤدي لغرفة خلع الملابس، ليوصي الأخير بالاعتناء بمن وصفه “شقيقه الصغير” إسماعيل سار، لكن في حقيقة الأمر، كان ينبغي على أسد التيرانغا أن ينصح زميليه فيرجيل فان دايك وديان لوفرين، بالاعتناء أكثر بمواطنه ووضعه تحت الرقابة الصرامة، كما يفعل أفضل مدافع في العالم وأي زميل آخر يشاركه في قلب الدفاع، ليتحول هذا السار لكابوس بالنسبة للريدز ومشجعيه، بعد تبخر حلم الدرع الذهبي وانتهاء سلسلة اللا هزيمة وغيرها من الأشياء على يديه، بوصوله لشباك الحارس أليسون مرتين، بالإضافة إلى هدية على طبق من ذهب لتروي ديني، كأفضل رد وتنفيذ عملي لوصية ماني. صحيح الهزيمة جاءت قاسية نوعا ما، لكن من شاهد الفريق منذ عودته من عطلة فبراير/شباط الشتوية، لاحظ على الأقل انخفاض المنحنى، بداية من الفوز الصعب على نوريتش سيتي بهدف ساديو ماني في آخر 12 دقيقة، ثم السقوط في “واندا متروبوليتانو” بهدف ساؤل نيغيز في ذهاب دور الـ16 لدوري الأبطال وتجاوز وستهام بنتيجة 3-2 بشق الأنفس، وهذا أعطى مؤشرات واضحة لاقتراب أول هزيمة في الدوري، إلى أن وقعت وبنتيجة بعثت كل أنواع السرور والشماتة للمنافسين وجماهيرهم، وفي مقدمتهم آرسنال باحتفاظهم بمعجزة دوري اللا هزيمة، وأيضا أطول سلسلة لا هزيمة في 49 مباراة متتالية على مستوى البريميرليغ بعد توقف ليفربول عند المباراة الـ44. والسؤال الآن: كيف حدث هذا الانهيار والتفكك في 90 دقيقة فقط؟

أولا عزيزي القارئ أنت تعلم قبل كبار المحللين أن فريق “أنفيلد” ذاع صيته على مدار تاريخه بالالتزام وروح العمل الجماعي وليس لامتلاكه أفضل الأسماء على المستوى الفردي، حتى كلمة السر في حقبة كلوب ونجاحاته تكمن في منظومته الجماعية وأسلوبه الخاص في تحفيز اللاعبين للتضحية بأنفسهم من أجل النادي وجماهيره، لهذا كان يفوز بشتى الطرق، تارة بلمحة إبداعية من صلاح أو ساديو ماني أو فيرمينو، وتارة أخرى بكرة ثابتة أو ركنية لبرج المراقبة الهولندي فيرجيل فان دايك عندما تتعطل الأسلحة الهجومية، ناهيك عن حلول الظهيرين ترينت ألكسندر أرنولد وأندي روبرتسون وبنفس الدرجة تقريبا المد القادم من جيمس ميلنر وجوردان هيندرسون من العمق، لكن في آخر مباراتين أمام واتفورد ثم انتكاسة تشلسي في الدور الخامس لكأس الاتحاد الإنكليزي لم نشاهد ذلك، بل شاهدنا فريقا يتعامل مع المباراتين وكأنه المنتصر منذ ضربة البداية، خصوصا أمام واتفورد، بتعامل كل اللاعبين بدون استثناء بسلبية مبالغ فيها طوال الشوط الأول، ووضح ذلك من خلال معاناة الفريق في الخروج بالكرة من منتصف ملعبه، ذاك الفريق الذي كان يحتاج الى أقل عدد تمريرات في وسط الملعب ومن ثم يضرب منافسيه بلعبة واحدة في ظهر المدافعين إما لواحد من ثلاثي الهجوم أو لأحد الظهيرين، كان يناضل ويكافح لوضع الكرة من قدم لقدم بشكل صحيح وطولي 3 مرات بعد منتصف ملعبه، والأسوأ غياب الشهية والقتال، تلك الميزة التي مكنت كتيبة يورغن كلوب من حسم عدد لا بأس به من المباريات في الدقيقة 90، ونفس الأمر ينطبق على المدرب، هو الآخر بدا منهزما خارج الخطوط وفاقدا لجاذبيته المعتادة وطاقته الحماسية خارج الخطوط، وكأنه أنجز مهمته الرئيسية هذا الموسم، بحسم لقب البريميرليغ، ولم يعد مطالبا بأي شيء آخر.

تخبط جماعي

واحدة من أكثر المشاكل التي أعجزت كلوب في مباراتي الأسبوع الماضي، الهبوط المفاجئ في الأداء الدفاعي للفريق بأكمله، حيث كانت هناك حالة من الفوضى في قلب الدفاع لعدم وجود حائط صد أمامي من منتصف الملعب، بسبب الأداء الضعيف للبرازيلي فابينيو ومعاونيه أليكس تشامبرلين وجورجينيو فينالدوم، وضغطهم الخجول المتأخر، وهو ما استغله المدرب نايجل بيرسون باستخدام سرعة عبدالله دوكوري ومواطنه إسماعيل سار في المنطقة الفارغة بين الدفاع الأحمر والوسط الغائب الحاضر، لينجح المدرب الإنكليزي في ما عجز عنه أباطرة بلاد الضباب مع ليفربول منذ هزيمته أمام مانشستر سيتي في يناير/كانون الثاني 2019، وما ساعده على ذلك، الحالة الكارثية التي كان عليها المدافع الكرواتي ديان لوفرين، الذي خذل مدربه في ظهوره الأول في التشكيلة الأساسية منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي، بتحمله الجزء الأكبر من الهدفين الثاني والثالث، وبدرجة أقل فان دايك، بقلة تركيزه في غلق زاوية التمرير من دوكوري لسار في لقطة الهدف الأول، بالإضافة إلى ذلك تكتيكات المدرب بتطبيق فلسفة دييغو سيميوني في معركته مع الريدز في “واندا متروبوليتانو”، بإعطاء المنافس 60 مترا للتحرك في الملعب، وبمجرد عبور الكرة للمنطقة المسموح بها، يأتي الحصار من خمسة لاعبين لافتكاك الكرة وقطع الاتصال بين فيرمينو وصلاح وماني، ما حرم جيش كلوب الذي رسم لنفسه صورة الفريق الذي لا يقهر أكثر من 50% من قوته وحلوله في الثلث الأخير من الملعب، ومن حُسن حظ بيرسون أن تحضيره واجتهاده قبل المباراة قابلته حالة من الاسترخاء واللامبالاة النادرة من قبل متصدر البريميرليغ، ولو أنه بالمجمل، يمكن القول إن مشروع يورغن كلوب تراجع خطوات كثيرة إلى الخلف في الأسابيع القليلة الماضية، أو بمعنى أدق منذ العودة من العطلة الشتوية، وكأن اللاعبين اكتفوا بلقب الدوري الذي سيحسم بشكل رسمي في غضون ثلاثة أو أربعة أسابيع على أقصى تقدير، لم لا ومنذ بداية الموسم كان واضحا للجميع أن كلوب يصب كل تركيزه على البريميرليغ ويعطيه مبارياته أهمية وتحضيرات تفوق حتى مبارياته في دوري أبطال أوروبا، الذي كان سيغادره في مرحلة المجموعات لولا انتصاره على ريد بول سالزبورغ في الجولة الختامية، وهذا الأمر قد يكون أصاب اللاعبين بحالة من التشبع أو الثقة الزائدة على الحد بعد ملامسة اللقب الغائب منذ عام 1990، وربما تكون مؤشرات السقوط في فخ التعب والإجهاد بعد إفراط المدرب في الاعتماد على لاعبيه المفضلين منذ بداية الموسم، ونعرف جميعا أن إستراتيجية كلوب ترتكز على إيجاد الكثافة والضغط الهائل من الأمام، وهذه أمور تحتاج طاقة فولاذية من اللاعبين في كل مباراة، فما بالك بعد استنزافهم منذ أغسطس/آب الماضي وحتى وقتنا الراهن؟ هذا ولم نتحدث عن افتقار الريدز لدكة بدلاء قوية، كما انكشف الوسط بعد إصابة ميلنر وهيندرسون ونفس الأمر بالنسبة لثلاثي الهجوم، في ظل التفاوت الهائل بين مستوى الأساسيين والبدلاء. الشاهد أن أحمر الميرسيسايد لم يكن في أفضل حالاته في الأسابيع الثلاثة الماضية، وما حدث في مباراتي واتفورد وتشلسي لا يعني بالضرورة أن القادم سيكون أسوأ، ربما تأتي بنتائج إيجابية كما قال ساديو ماني: “اللحظات الصعبة تصنع العظماء”، وهذا سيتوقف بدرجة كبيرة على شخصية المدرب ومدى قدرته على احتواء هذه الأزمة التي لم يمر بها من قبل، ليعالج الخلل الذي أصاب منظومته الجماعية وقتل الرغبة داخل لاعبيه قبل أن يستيقظ على كابوس جديد مساء الأربعاء أمام التشولو، فهل سيجد الدعم من صلاح وباقي اللاعبين للخروج من المحنة؟ أم سيواجه مصير ريتشارد قلب الأسد ونقول له في العدد القادم “كل حلفائك خذلوك يا يورغن”؟ هذا ما سنعرفه من ردة فعل اللاعبين لمساعدة مدربهم على حفظ ماء وجهه أمام الجماهير بعد ضياع حلم الدرع الذهبي والخروج من أعرق كأس في العالم.

عودة مستر “إكس”

في الوقت الذي لم يجد فيه كلوب من يضحي من أجله يومي السبت والثلاثاء، وجد زين الدين زيدان ما يكفي من فدائية وشجاعة من لاعبيه لإنقاذه من الخروج من ورطة سلسلة الانتكاسات الأخيرة، التي وصلت لحد الاكتفاء بنقطة واحدة في آخر مباراتين على مستوى الليغا بتعادل مع سيلتا فيغو بنتيجة 2-2 والسقوط أمام ليفانتي بهدف نظيف، وما ضاعف الحرج على زيزو ما حدث أمام مانشستر سيتي، بالتجرع من مرارة الهزيمة بنتيجة 2-1 في ذهاب دور الـ16 لدوري أبطال أوروبا، هذا في الوقت الذي كانت بدأت تسير فيه أمور كيكي سيتيين على ما يرام بتحقيق 3 انتصارات متتالية بجانب تعادل بطعم الفوز أمام نابولي بهدف للكل على ملعب “سان باولو” في نفس المرحلة للكأس ذات الأذنين، وهذا جعل جُل التوقعات والترشيحات تصب في مصلحة الفريق الكتالوني، لكن كما علمتنا الساحرة المستديرة، كان الأمر مغايرا على أرض الواقع، بعودة النسخة المفضلة للريال تحت قيادة زيدان، بحيث تشاهد اللاعبين وكأنهم يمتعون الآلاف في سهرة ودية وليست مباراة كلاسيكو يشاهدها أكثر من مليار إنسان في مختلف قارات العالم، وذلك بفضل ثقته في رجاله المخلصين بإعادة مارسيلو وتوني كروس للتشكيلة الأساسية، من دون أن يتفلسف في اختياراته كما فعل أمام السيتي باستبعاد مهندس الوسط الألماني وعدم منحه أي دقيقة، ولندرك مدى تركيز اللاعبين ورغبتهم في مساعدة مدربهم، سنجد أن مارسيلو على سبيل المثال غامر بقطع الكرة من ميسي باستخدام الانزلاق 3 مرات بنسبة نجاح 100%، بينما طوال تاريخ مشاركاته أمام البرغوث لم ينجح في محاولة انزلاق. أما كروس، فيكفي ما فعله في لقطة الهدف الأول، بإعطاء صناع اللعب والأجنحة درسا في دقة واختيار وقت التمرير مع توجيه زميله بإشارة لا يراها إلا شخص خارج الملعب، مع ذلك ذهبت في المكان السحري، ليدخل فينيسيوس جونيور التاريخ من أوسع أبوابه، كأصغر هداف في تاريخ الكلاسيكو، محطما رقم ليو بعمر أقل من 20 عاما.

وكان واضحا أن المدرب الفرنسي استفاد كثيرا من أخطاء مباراة السيتي، بإراحة لوكا مودريتش على المقاعد والبدء بكاسيميرو وعلى يمينه فيديريكو فالفيردي لتخفيف العبء عن كاربخال بعد انكشافه أمام السكاي بلوز، وكل من إيسكو وكروس يتناوبان مركز صانع الألعاب أو اللاعب الثالث بجانب كريم بنزيما وفينيسوس أو لاعب الوسط الثالث في أسلوبه المفضل 4-3-3، بينما لعب المدرب الضيف برسم 4-4-2، معتمدا على ليو وأنطوان غريزمان في الخط الأمامي ومن خلفهما الرباعي فيدال ودي يونغ وأرتور وبوسكيتس، صحيح الأفضلية كانت للبارسا في معظم فترات الشوط الأول، لكن كما قال راموس بعد المباراة كان ذلك جزءا من خطة المدرب، أشبه بهدوء ما قبل العاصفة التي اندلعت في الشوط الثاني، لكن لولا براعة تيبو كورتوا بتصديه لما يقل عن 3 أهداف محققة، منها شبه انفراد مع ميسي وكرة وجها لوجه مع البديل مارتن بريثويت، لأخذ الكلاسيكو منحى آخر، لهذا وقع الاختيار عليه ليكون رجل المباراة، لتأثيره الكبير في النتيجة وأحداث الموقعة برمتها، وهذا بطبيعة الحال لا يقلل من قراءة زيزو الموفقة للمباراة، على الأقل يُحسب له نجاحه في تحويل الصراع مع ميسي لصراع بدني، باستنزاف طاقته طوال الوقت بإجباره على استلام الكرة من منتصف الملعب أمام أعين كاسيميرو وكروس، أو قبول تحدي 4 مدافعين إذا أراد ممارسة هوايته المفضلة بالمرور من الجميع كما يحلو له، لكنه لم يفعل أي شيء باستثناء الفرص التي أهدرها في الشوط الأول، كجرس إنذار ودليل جديد على انخفاض معدلاته البدنية مع تقدمه في السن، وإلا لما استمرت معاناته مع الشباك المدريدية منذ رحيل كريستيانو رونالدو في صيف 2018، والعكس بالنسبة لزيدان، الذي يمكن اعتباره الرابح الأكبر في الأسبوع الماضي، أولا لتجاوزه مرحلة القلق على مستقبله التي عاودته مرة أخرى بعد الهزائم الأخيرة، ثانيا استعاد صدارة الليغا مرة أخرى، قبل مباراة اليوم أمام ريال بيتيس، وثالثا وهو الأهم بالنسبة للمشجعين، أنهى نحس الفريق في مبارياته التي يخوضها على ملعب “سانتياغو بيرنابيو” أمام العدو الأزلي بتحقيق الفوز بأول كلاسيكو منذ أكثر من خمس سنوات، كأفضل دفعة معنوية يتحصل عليها الميرينغي قبل زيارة ملعب “الاتحاد” لمواجهة مانشستر سيتي في اللقاء المصيري لمشوار الفريق في الكأس ذات الأذنين ثم استكمال رحلة البحث عن ثالث لقب ليغا في آخر 12 عاما، فهل سيستفيد الريال من هذه الدفعة ويستمر بنزيما ورفاقه في دعم مدربهم حتى النهاية؟ أم ما زالت هناك متغيرات كثيرة؟ دعونا ننتظر لنرى كيف ستسير الأمور مع زيدان بعد نجاته من جديد من مقصلة التوتر والقلق على مستقبله.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية