لندن – “القدس العربي”: كما يحدث في كل موسم، تبدلت أوضاع بعض الأندية من النقيض إلى النقيض، ما بين أندية تغلبت على حمى البداية المتواضعة، بتحسن واضح على مستوى النتائج والأداء، منذ انتهاء ماراثون مرحلة دور مجموعات أبطال أوروبا وحتى الآن، كأفضل استعداد لمراحل الحسم في الكأس ذات الأذنين، والعكس بالنسبة لأندية أخرى بدأت تتهاوى بصورة مغايرة تماما لما كانت عليه في النصف الأول، وذلك قبل أسبوعين من بدء معمعة ذهاب دور الـ16 للأبطال.
ضربة البداية
في الثامن عشر من فبراير/ شباط، سيكون عشاق كرة القدم الحقيقية على موعد مع ضربة بداية الأدوار الإقصائية، بالقمة الإسبانية – الإنكليزية المرتقبة بين أتلتيكو مدريد وضيفه الثقيل ليفربول على ملعب “واندا متروبوليتانو”، في أول زيارة للمدرب يورغن كلوب وكتيبته لهذا الملعب، منذ الاحتفال عليه بالتتويج بكأس دوري أبطال أوروبا السادسة في تاريخ الريدز على حساب توتنهام في نهائي يونيو / حزيران الماضي، وبالعودة إلى الذاكرة لوضع كل فريق في نهاية مرحلة المجموعات، كانت الفرص شبه متساوية بين الفريقين، حيث كانت كتيبة التشولو دييغو سيميوني لا تزال في خضم المنافسة على صدارة الدوري الإسباني كتفا بكتف مع الزعيمين ريال مدريد وبرشلونة، حتى أن فارق النقاط معهما لم يكن يزيد على أصابع اليد الواحدة، لكن بدون سابق إنذار، تدهورت الأوضاع مع بداية العام الجديد، وصلت لحد الخروج من دور الـ32 لكأس ملك إسبانيا على يد فريق مغمور يدعى كولتورال ديبورتيفا ليونيسا، بالخسارة أمامه بنتيجة 2-1، بخلاف مسلسل نزيف النقاط على مستوى الليغا، والأسوأ من هذا وذاك، معدل أهدافه الأقل من المتواضع، بالاكتفاء بتسجيل 22 هدفا، كأضعف خط هجوم في المراكز الـ13 الاولى بالتساوي مع بلباو صاحب المركز التاسع، وذلك رغم وجود أسماء كبيرة مثل ألفارو موراتا وجواو فيليكس ودييغو كوستا قبل إصابته التي يتعافى منها، ولهذا السبب، قاتل النادي من أجل الحصول على توقيع هداف باريس سان جيرمان التاريخي إدينسون كافاني، على أمل حل معضلة العقم الهجومي العجيب. في المقابل، أخذت قوة منافسه الإنكليزي منحنى تصاعديا، ربما بطريقة غير مسبوقة في العصر الحديث، باكتساب مشروع يورغن كلوب شخصية الفريق البطل، بعدما أنهى عقدته مع منصات التتويج العام الماضي، بتحقيق ثلاثية دوري أبطال أوروبا، والكأس السوبر الأوروبية وكأس العالم للأندية، كأول نادٍ إنكليزي يحقق هذه البطولات في عام ميلادي.
وتظهر هذه الميزة بوضوح في مباريات الفريق في الدوري الإنكليزي الممتاز، بتمرس غير طبيعي على الانتصارات وجمع النقاط بلا هوادة، حتى لو كان جُل اللاعبين في أسوأ حالاتهم، وإلا كيف حققوا 23 انتصارا من أصل 24 مباراة في البريميرليغ؟ فقط مباراة واحدة انتهت بالتعادل الإيجابي 1-1 أمام غريم الشمال مانشستر يونايتد في النصف الأول، بغلة تهديفية وصلت 56 هدفا بعد تجاوز وست هام بهدفين نظيفين في اللقاء المؤجل، أي أكثر من ضعفي الأهداف التي سجلها فريق الهنود الحمر، حتى أرقام الأتلتي الدفاعية، التي تعتبر نقطة قوته، لا يتفوق فيها على ليفربول سوى بهدفين فقط أقل، استقبلت شباك أوبلاك 13 هدفا بينما أليسون وأدريان استقبلا 15 هدفا، حتى هذه اللحظة، وهذا الوضع المتناقض بين الفريقين، كثيرا ما يحدث كل موسم كما أشرنا أعلاه، لأن التجارب السابقة أثبتت أن البدايات النارية في دور المجموعات لا تعني أي شيء، طالما لم تظهر ملامح كل فريق ومدى قوته وصموده بعد تجاوز فترة “فيروس” إصابات الفيفا خلال المباريات الدولية ومرحلة ازدحام جدول المباريات قبل وبعد عطلة عيد الميلاد، ولا ننسى أن ليفربول الذي يعتبر الآن ولو على الورق الطرف الأوفر حظا، كان مهددا أكثر من خصمه بالإقصاء من البطولة، لولا فوزه الشاق على سالزبورغ في الجولة الختامية للمجموعات، وبطبيعة الحال هذا لا يعني أن تأهل أحمر الميرسيسايد يعتبر في المتناول. فبعيدا عن أحكام كرة القدم، فأنها لا تخضع للمنطق أو العقل في كثير من الأحيان، فالواقع يقول إن كلوب سيكون على موعد مع منافس صعب المراس، رسم لنفسه على مدار سنوات صورة سيميوني كفريق لا يقل جودة ولا شخصية داخل المستطيل الأخضر عن أعتى فرق أوروبا، بما فيها غريماه المباشران في الليغا ريال مدريد وبرشلونة، وقد عزز هذا الانطباع من جديد بقلب الطاولة على برشلونة في مباراة نصف نهائي الكأس السوبر الإسبانية، بتحويل تأخره بهدفين لهدف إلى انتصار لن ينسى بثلاثية مقابل اثنين، وحتى في النهائي، كان قاب قوسين أو أدنى من الظفر باللقب، لولا ما فعله العنيد فيديريكو فالفيردي، بعرقلة ألفارو موراتا وهو في طريقه للانفراد بتيبو كورتوا، وأمور كهذه، تُجبرنا على الانتظار لرؤية ما ستسفر عنه ملحمة ذهاب “واندا متروبوليتانو”، رغم أن الظاهر خارجيا يصب في مصلحة متصدر الدوري الإنكليزي أكثر من خامس الليغا، خاصة بعد الدعم الهائل من الاتحاد الإنكليزي، بإراحة الأندية أسبوعين للمرة الأولى، فيما تعرف “عطلة الشتاء” في إنكلترا طوال النصف الأول من الشهر الجاري.
مواجهات خارج التوقعات
في نفس توقيت قمة “واندا متروبوليتانو”، سيحل باريس سان جيرمان ضيفا على محيط الرعب الألماني “سيغنال أيدونا بارك”، لمواجهة صاحب الأرض بوروسيا دورتموند، في واحدة من أكثر المباريات المتكافئة في المرحلة القادمة، لحفاظ باريس سان جيرمان على نفس النسق الذي بدأ به الموسم، بل الأفضل من ذلك، أنه بالكاد وقع مع صفقة جديدة بعد تعافي نيمار جونيور وانتهاء مشاكله مع النادي، بعودته لتقديم أفضل ما لديه، كما يفعل في آخر شهرين، ونفس الأمر ينطبق على معاونيه في الخط الأمامي كيليان مبابي وماورو إيكاردي، هما أيضا في أفضل حالاتهم للمساهمة في تصحيح كوارث المواسم الماضية، بانتهاء مسيرة العملاق الباريسي عند دور الـ16 بطرق لا تتكرر كل يوم في عالم الساحرة المستديرة. مقابل ذلك، بدأ البوروسيا النصف الثاني بصورة أكثر تفاؤلا بالنسبة لمشجعيه، بعد الإضافة الهائلة التي قدمها الوافد الجديد إيرلينغ براوت هالاند، بافتتاح مشواره مع أسود الفيستيفاليا بتسجيل 5 أهداف من مشاركته كبديل في أول مباراتين، ما يعني أن كل الشواهد تعطي مؤشرات أننا سنكون أمام مواجهة مفتوحة بين اثنين من أقوى وأشرس الفرق الأوروبية، وبالتالي ستكون قابلة لكل الاحتمالات، والاحتمال الأكبر أن تكون مباراة عامرة بالأهداف هنا وهناك، لكن توقيع النتيجة أو الفريق الأوفر حظا، سيكون دربا من دروب الخيال، ونفس الأمر ينطبق على سهرتي الأربعاء في المرحلة الأولى للدور ثمن النهائي، والحديث عن صدام توتنهام ولايبزيغ الذي سيستضيفه ملعب “توتنهام هوتسبر” في التاسع عشر من هذا الشهر.
صحيح على الورق ستكون بين متصدر البوندسليغا وسادس البريميرليغ، لكن يبقى السبيرز حتى الآن وصيف بطل النسخة الماضية، وسيتسلح كذلك بخبرة ودهاء مدربه جوزيه مورينيو، الذي له باع كبير في هذه البطولة مع كل فرقه السابقة باستثناء مانشستر يونايتد، بجانب ذلك، ظروف كلا الفريقين تبدو مشابهة في الفترة الماضية، حيث يمر الفريق اللندني بمرحلة عدم اتزان وتذبذب في النتائج بدون قائده وهدافه هاري كاين، وأيضا فريق شركات مشروبات الطاقة العالمية، ظهرت عليه ملامح الترنح، بالتجرع من مرارة الهزيمة على يد آينتراخت فرانكفورت، كأول هزيمة يتلقاها منذ ثلاثة أشهر، أضف إلى ذلك، لم يتقابل الفريقان من قبل، الأمر الذي يعقد حتى مسألة توقع أحداث سير المباراة الأولى تاريخيا بينهما، وفي نفس توقيت هذه المباراة، سيتقابل أتالانتا الإيطالي للمرة الأولى مع خفافيش فالنسيا في لقاء رسمي، وذلك في وقت يمر فيه كلا الناديين بفترة مزدهرة، كما يجلد فريق جانبييرو غاسبريني منافسيه في جنة كرة القدم، بنتائج كاسحة، على غرار خماسيات ميلان وبارما وسباعية تورينو، وسباعية أخرى في الدور الأول في شباك أودينيزي، بخلاف الانتصار الأهم هذا الموسم، والذي تحقق على حساب شاختار في عقر داره بثلاثية نظيفة في ختام مرحلة المجموعات، ليفتك الحصان الأسود للدوري الإيطالي في آخر عامين البطاقة الثانية خلف مانشستر سيتي بطريقة هيتشكوكية بعدما كان يحتل المركز الأخير في المجموعة قبل تلك المباراة. هذا تقريبا نفس حال منافسه الإسباني، هو كذلك افتك بطاقة التأهل لهذه المرحلة، بفوز بوزن الذهب على أياكس أمستردام في قلب “يوهان كرويف آرينا”، وفي الدوري المحلي، بدأ يتغلب على توابع الهزيمة القاسية أمام ريال مدريد في الكأس السوبر، كما أذاق كيكي سيتيين هزيمته الأولى كمدرب لبرشلونة في الجولة الـ21، والآن لا يفصله سوى أربع نقاط عن المركز الرابع المؤهل لدوري الأبطال، وفي الكأس، يمضي قدما نحو الاحتفاظ باللقب بوصوله لدور الثمانية. بالإضافة إلى ما سبق، لديه خبرة لا بأس بها في هكذا مواعيد كبرى، وهي النقطة الوحيدة التي قد ترجح كفة الخفافيش على الخصم الإيطالي العنيد ونفس الشيء بالنسبة لتوتنهام في اختباره مع متصدر الدوري الألماني.
أم المعارك
لا شك أبدا أن اللقاء الذي سيحظى بنصيب الأسد من حيث التغطية الإعلامية والمتابعة الجماهيرية، سيكون صدام ريال مدريد ومانشستر سيتي، في لقاء خاص خارج الخطوط بين زين الدين زيدان والفيلسوف بيب غوارديولا، ومن الناحية المنطقية، يبدو الفريق المدريدي الأوفر حظا، بعد الاستفاقة التي أسفرت عن فوزه بالكأس السوبر الإسبانية وتصدره الليغا بفارق ثلاث نقاط عن برشلونة، في المقابل يسير مشروع بيب بسرعة الصاروخ إلى الوراء في موسمه الرابع، بنتائج وعروض لا تقارن أبدا بما كان يقدمه الفريق في الموسمين الماضيين، والدليل على ذلك تأخره عن المتصدر ليفربول بـ19 نقطة، وما ضاعف قلق المشجعين، حالة الاستهتار التي كان عليها اللاعبون في مباراة إياب نصف نهائي كأس المحترفين ضد مانشستر يونايتد، والتي خسرها الفريق على ملعبه “الاتحاد” بهدف نظيف ويونايتد بعشرة لاعبين، ويمكن القول أنها أعطت جرس إنذار خطيرا لغوارديولا، لأن التعامل بهذه الطريقة أمام فريق مثل ريال مدريد، قد يكبدهم ثمنا لا يعوض، لكن الشيء المطمئن للسكاي بلوز، عودة المدافعين في الوقت المناسب، في مقدمتهم إيميرك لابورت ونيكولا أوتامندي وبنجامين ميندي، وعودة هؤلاء تعطي دفعة معنوية كبيرة للاعبين والفريق بأكمله، للصعوبة الكبيرة التي واجهها السيتي بدون مدافعيه في النصف الأول من الموسم، بينما النادي الملكي، فلا يعاني على أرض الملعب، رغم كثرة الإصابات التي عصفت بكثير من اللاعبين، منهم على سبيل المثال إيدين هازارد وغاريث بيل وسيرخيو راموس وكريم بنزيما وآخرين، وسبب عدم تأثر النتائج، هو نجاح المدرب في فرض النظام الجماعي الذي يطبقه كل اللاعبين بدون استثناء على أرض الملعب، وقد فعل ذلك بفضل سيطرته على غرفة خلع الملابس، وإعادة الرغبة والروح القتالية داخل كل لاعب، ليستعيد النجوم الكبار وعلى رأسهم رافاييل فاران وتوني كروس ولوكا مودريتش وكريم بنزيما أفضل مستوياتهم، حتى كورتوا، ظهر في الأشهر القليلة الماضية بمستوى هوليوودي، جعله واحدا من أبرز نقاط القوة في مشروع زيدان، لهذا تبدو فرص الريال أقوى من السيتي من الناحية الافتراضية، لكن عمليا أو بالأحرى داخل المستطيل الأخضر، ستبقى الأمور معلقة لأن غوارديولا لا يستسلم أبدا بسهولة، ونفس الأفضلية المعنوية ستكون حاضرة في ثاني أهم القمم في نهاية مرحلة الذهاب، التي ستجمع تشلسي ببايرن ميونيخ على ملعب “ستامفورد بريدج”، بعد عودة جزء كبير من هيبة العملاق البافاري مع مدربه هانز فليك، فيما بدأت تتعقد أمور فرانك لامبارد، بتذبذب مريب في الأداء والنتائج منذ نهاية العام الماضي، ومن حسن الحظ، أن منافسيه على المركز الرابع، لا يستغلون عثراته الكثيرة، لكن على أي حال، ستكون قمة ثأرية مزودجة، لرغبة البلوز في الانتقام لهزيمتهم الأخيرة أمام البايرن في الكأس السوبر الأوروبية 2013، وبالنسبة لزعيم البوندسليغا، فلديه رغبة لمواصلة الثأر بعد خسارة نهائي دوري الأبطال أمام ديدييه دروغبا ورفاقه في قلب “آليانز آرينا” عام 2012، لذا من الممكن حدوث أي شيء في هذه الموقعة، خاصة أنها ستكون بين فريق قوامه الرئيسي من الشباب وآخر متسلح بأبطال عالم وأصحاب خبرات كبيرة.
بالنظر إلى أقل المواجهات من حيث تكافؤ الفرص، سنجد أنها مواجهة ليون ويوفنتوس، صحيح الفريق الفرنسي يلعب بشكل جيد منذ بداية البطولة، لكن هناك فارق خبرة وإمكانات كبيرة بينه وبين سلطان الكرة الإيطالية، بقيادة هداف البطولة الأسطوري كريستيانو رونالدو، إلا إذا أراد خامس الليغ1، استنساخ ما فعله أياكس أمستردام الموسم الماضي، بنسف نظرية الأفضلية للأكثر خبرة وأسماء لامعة، كما أطاح بالريال واليوفي من الأدوار الإقصائية الموسم الماضي، وفي اختبار أصعب نوعا ما من البانكونيري، سيكون برشلونة على موعد شبه معقد أمام نابولي على ملعبه “سان باولو”. صحيح فقراء الجنوب الإيطالي بقيادة غاتوزو فجروا مفاجأة الموسم الأسبوع الماضي بإسقاط يوفنتوس بهدفين لهدف، وفي نفس التوقيت خسر البارسا من فالنسيا، لكن واقعيا، تبدو الأمور صعبة للغاية على الفريق الإيطالي، نظرا للفارق الكبير بين قدرات وإمكانات لاعبيه مقارنة بنجوم البارسا، كما أن وجود ليونيل ميسي عادة ما يصنع الفارق في المباريات الهامة، خصوصا عندما يكون في أفضل حالاته، ومعروف للجميع أنه لا يركز على أي بطولة هذا الموسم أكثر من دوري الأبطال، فقط النقطة الوحيدة التي تُثير قلق وخوف مشجعي برشلونة، هي عدم انسجام اللاعبين مع أفكار المدرب الجديد، أو يكون لهذا الأمر تأثير في نتيجة المباراتين، وإلى أن يحين موعد استكمال البطولة، سيكون لنا موعد آخر لقراءة وتحليل ما حدث في ليالي أبطال أوروبا المنتظرة.