قصة الحملة الانتخابية الحالية وعملية تشكيل الائتلاف هي بدرجة ما الصراع بين المحافظة والرجعية. الليبراليون والديمقراطيون يميلون إلى أن يروا فيهما شيئاً واحداً ويرفضوهما، ولكن ثمة فروقات مهمة وكبيرة بينهما من شأنها أن تقرر مستقبلنا.
المحافظ الحقيقي يريد الحفاظ على النظام القائم وعلى مؤسساته. وهو غير ملزم بصورة دوغماتية برؤيا معينة، بل يخاف من الفوضى، وعدم الاستقرار والتجارب السياسة. هو يفضل التقدم ببطء وحذر من خلال احترامه لما يعتبره حكمة الأجيال والتجربة. وربما يكون مع التحسين، ولكن يكون دائماً ضد الثورات. أم الرجعي بالمقابل، فيتمسك بمواقف أكل الدهر عليها وشرب، لكنه مستعد لأن يغير من الأساس محيطه الذي يعيش فيه ويسعي إلى تقويض النظام القائم. وأحياناً يريد أن يدفع إلى الأمام برؤيا قيمية باسم ماض متخيل لم يكن موجوداً في أي يوم، وأحياناً يأمل نظاماً تراتبياً كان في السابق ولم يعد موجوداً الآن. الأساس هو أن الرجعي، خلافاً للمحافظ الراديكالي المستعد لإجراء تغييرات بعيدة المدى.
على مدى سنين، اعتبر بنيامين نتنياهو محافظاً أو أحد المحافظين الجدد، وهو في الواقع بدرجة كبيرة كان هكذا: طالب في الأقاليم المحافظة الأمريكية في السبعينيات، يشجعه الحزب الجمهوري، يؤمن بصراع الحضارات، منضبط ومقل في استخدام القوة، مؤيد كبير للسوق الحرة ويدفع إلى الأمام بإصلاحات ترسخ النظام القائم في الغرب – الفردية، وإعادة التنظيم، وتقليص القطاع العام وخفض الضرائب. إلى جانب ذلك، عقد تحالفاً مع الحريديين الذين يعارضون التغيير في رؤيتهم، ومع المستوطنين الذين يمثلون الماضي القديم لشعب إسرائيل. بهذه الصورة، تساوقت مواقفه الأمنية والاقتصادية مع القوى المحافظة في إسرائيل. وكذا، فإن وجوده الطويل في المنصب حوله إلى شيء محافظ يعيش فيه بسلام.
ولكن نتنياهو لم يكن في أي يوم محافظاً حقيقياً، خلافاً للمحافظين. نتنياهو لم يحترم في أي يوم النظام الاجتماعي الذي كان قائماً في إسرائيل، ولم يندمج في أي يوم في نظام الحكم أو قدره. المؤسسات هنا اعتبرها ليبرالية جداً، والاقتصاد اعتبره اقتصاد مباي، أي صيغة بلشفية محلية. وهو غير متناغم مع الإعلام، وثمة شك بينه وبين المؤسسة الأمنية. أي، خلافاً لمحافظ حقيقي يتفق على الأقل مع ما هو قائم، وعلى الأغلب حتى يندمج به، فإنه (نتنياهو) لم يندمج في أي يوم بالنظام القائم ولم يقدر في أي يوم التدخل الحكومي في الاقتصاد ولم يقدر يسارية وسائل الإعلام والمؤسسة العسكرية. إضافة إلى ذلك، فقد أعطى العقد الأخير لنتنياهو جائزة لموقفه السلبي وتحول من شهر إلى آخر إلى أكثر رجعية.
ما دفعه إلى هذه الأماكن المتطرفة هو النظام الحزبي الذي تبلور هنا في أعقاب الاحتجاج الاجتماعي عام 2011، نضاله الشخصي على تشكيل وجه الإعلام الإسرائيلي، وكما هو معروف، تورطه في تحقيقات جنائية. هذه التحقيقات لا تعرضه للخطر بصورة شخصية وحسب، بل هي دليل على أن مؤسسات نظام تطبيق القانون لا تستحق الثقة والاحترام. “نعم، يجب كسرها!”، كتب معلمه وسيده جابوتنسكي في العشرينيات. في خلفية هذه الأمور، تلقّى التشجيع من الموجة الرجعية “الشعبوية” التي تمر على كل العالم في العقد الأخير، ومن خطاب زعماء مثل فكتور اوربان ودونالد ترامب.
ولكن أغلبية الجمهور، خلافاً لنتنياهو، غير متورطة في قضايا جنائية. المواطنين في أغلبهم ليسوا كذلك ولم يكونوا رجعيين مثله، بل هم محافظون. بالنسبة إليهم، النظام القائم هو أمر جيد بحد ذاته، وتحديداً في إسرائيل. إضافة إلى ذلك، وفي الوقت الذي فيه عدد من المصوتين له كانوا محافظين في طبيعتهم، فإن عدداً آخر من الجمهور، الذي هو ليبرالي وديمقراطي ويسعى إلى تعميق المساواة وتغيير طبيعة المجتمع، تحول إلى محافظ يخاف على اختفاء المؤسسات الليبرالية.
الأمر الذي تقتضيه الساعة بالنسبة إلى هذا الجمهور، والذي يجسده “أزرق أبيض”، هو الحفاظ على المؤسسات القائمة، وليس تعميق الديمقراطية والنظام الليبرالي، رغم أن هذه أهداف جديرة في الأوقات العادية، بل الدفاع عن الدولة وسلطة القانون. منع نتنياهو من إسقاط المحكمة العليا والنيابة العامة ومؤسسة المستشار القانوني، كما يفعل في هذه الأيام لمؤسسة مراقب الدولة، ومنع تعميق التهويد، والحفاظ على “القائم” والواقع تحت الهجوم. لذلك، حسب رأيهم، تصرف عمير بيرتس بعدم مسؤولية وحتى بأنانية؛ بدلاً من التصرف كمحافظ مثلهم والوقوف بصورة قاطعة في الدفاع عن المؤسسات القائمة، عمل على تعميق النظام الاشتراكي – الديمقراطي، الأمر الذي يعتبر بالنسبة لهم ترفاً في أفضل الحالات.
ولكن إلى جانب عظم التهديد، فإن جزءاً من المحافظين الإسرائيليين الجدد يدركون، أو سيدركون، بأن الأمر لا يقتصر على وجود مكان لمن يريد تأسيس اشتراكية ديمقراطية، بل حان الوقت لعقد شراكة مع القائمة المشتركة. هذا هو الوقت لشراكة كهذه، لأن جزءاً كبيراً من الجمهور يعتقد أنه حان الوقت لصد التهديد الأكبر – الثورة الرجعية لنتنياهو. ومن أجل فعل ذلك هناك حاجة إلى أيمن عودة.
بقلم: دورون نبوت
هآرتس 22/9/2019