على الحدود بين إسرائيل والأردن، غير بعيد عن كيبوتس تيرات تسفي، يقف وحيداً نصب رمزي يشير إلى وضع اتفاق السلام الذي وقع في مثل هذا الشهر قبل 25 سنة. جسر “بوابة الأردن” المهمل كان يجب استخدامه كمنطقة صناعية مشتركة بين الدولتين، وهي الفكرة التي ولدت في 1994، لكن إقامة المشروع ما زالت تراوح المكان، كما العلاقات المعقدة بين الشعبين. ومع أن شباط/ فبراير الماضي شهد إقامة جسر دشنه وزير التعاون الإقليمي تساحي هنغبي بصورة احتفالية، فإن الشارع الذي يؤدي إلى منطقة المشروع ظل عائقاً.
الوزارات متخاصمة فيما بينها حول من يموِّل شق الشارع الذي تقدر تكلفته بـ60 مليون شيكل، وهذا مبلغ صغير لدولة يصادقون فيها على إضافات بمليارات الشواكل من أجل الدفاع الجوي. لذا، يحتاج الأمر إلى قرار حكومي. ولكن.. منذ نصف سنة نفتقد حكومة مستقرة تتخذ القرار. إن تطور هذه القضية يلقي الضوء على مشكلة معروفة: في إسرائيل كمية كبيرة من الأموال واهتمام بالحروب والاحتياجات الأمنية، واهتمام أقل بالسلام.
قضية “بوابة الأردن” لا تعتبر شيئاً بالنسبة لخيبات الأمل التي مرت بها عمان، منها تراجع وعود أخرى رافقت اتفاق السلام مثل إقامة مطار مشترك، ومشروع قناة البحرين. خلال سنوات وعدوا بنقل المياه من إسرائيل إلى الأردن، ولكن يزداد الجفاف في هذه الدولة الفقيرة، أما الثقة بالنظراء الإسرائيليين فآخذة في الزوال. إن ذلك الاحباط تجلى مؤخراً بإعلان الملك عبد الله، ففي كانون الأول 2018 قال الملك إنه ينوي تطبيق البند الذي يسمح بإعادة المناطق في الباقورة والغمر (سوفر ونهرايم) للسيادة الأردنية. وموعد انتهاء سريان الاتفاق هو 8 تشرين الثاني/فبراير المقبل.
في ظل إعلان الملك، قرر نتنياهو، خلافاً لموقف المستشار الاقتصادي البروفيسور آفي سمحون، وجهات في سلطة المياه، أنه لا مناص من الدفع قدماً، مع كل ذلك، بمشروع البحرين المضمون لأسباب سياسية، رغم التحفظات الإسرائيلية حول فائدة المشروع. الرأي العام الأردني سيجد صعوبة في الموافقة على البديل الذي هو على شكل أنبوب بحماية دولية من البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة طبرية. في موازاة ذلك، تجري مفاوضات سرية حول ترتيبات وصول الإسرائيليين إلى الباقورة والغمر، حتى بعد انتهاء سريان الاتفاق. هكذا سيواصلون العمل هناك تحت السيادة الأردنية. اتفاق السلام يمنح الأردن الحق الواضح في تطبيق سيادته، والأردنيون يأملون أن يتم ذلك بجدية.
العوامل التي تعيق السلام مع الأردن
– التركيز على المجال الأمني–السري بدلاً من العلاقات العلنية.
– التباطؤ في تنفيذ مشاريع مدنية مشتركة.
– الجمود السياسي بين إسرائيل والفلسطينيين والإعلان عن الضم و”الخيار الأردني”.
– الرأي العام في الأردن ضد سياسة إسرائيل في المناطق.
– تآكل مكانة العائلة المالكة الأردنية في منطقة الحرم.
– حادثة إطلاق النار من قبل الحارس في السفارة الإسرائيلية على مواطنين أردنيين.
– انسحاب الولايات المتحدة من منطقة الشرق الأوسط.
قضية التوتر بين السلطات الأردنية والرأي العام في الأردن بالنسبة لإسرائيل أو الفجوة بين العلاقات العلنية والعلاقات السرية بين الدولتين عادت وظهرت في جميع المحادثات التي أجرتها “هآرتس” هذا الشهر مع عدد من الخبراء وأصحاب المناصب الرفيعة في الجانب الإسرائيلي والجانب الأردني، بمناسبة مرور 25 سنة على إنشاء العلاقات الرسمية. وجملة “تفويت الفرص” قيلت عدة مرات. وليس مدهشاً أن يتنازل الطرفان عن مراسم الاحتفال بالذكرى الـ 25 لاتفاق السلام.
بعد 25 سنة… ومع اقتراب موعد انتهاء سريان اتفاق الجيبين الأردنيين
سلام أمني
معظم الأشخاص المطلعين على ما يجري الآن من وراء الكواليس يوافقون على أن التعاون الأمني–الاستخباري، الذي بدأ سراً إلى ما قبل التوقيع على اتفاق السلام، تحسن وتطور مع مرور السنين. وحدود إسرائيل مع الأردن تعتبر آمنة نسبياً، وأذرع الأمن المختلفة في علاقة وثيقة بينها، وثمة تنسيق تكتيكي واستراتيجي بارز.
رئيس هيئة الأمن القومي في مكتب رئيس الحكومة، مئير بن شبات، شخصية رفيعة سابقة في الشاباك، يتحدث العربية بطلاقة، أنشأ جسماً من أجل معالجة “الساحة القريبة”، ويقف على رأس هذا الجسم شخص سابق من الشاباك تسميه وسائل الإعلام معوز. في التقدير الاستراتيجي السنوي الأخير لهيئة الأمن القومي اعتبر “تعزيز العلاقات مع دول الطوق أحد الأهداف البارزة له. في الحقيقة هم يتفقون على أن هذا الجسم يجري عدداً من النقاشات بمشاركة معظم الجهات في محاولة لزيادة التنسيق، وأحياناً يكون هذا أسبوعياً. باستثناء أمن الحدود وإحباط الإرهاب وأمور مشتركة كثيرة أخرى في المجال، فإن مجال العلاقات السرية يشمل أيضاً مسائل في مجال الطاقة والطيران.
كلمة المفتاح لكل ذلك هي السرية. وبما يشبه الادعاءات التي تسمع عن العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل ومصر، أيضاً في محور عمان – القدس يفضلون التعاون الهادئ بين السلطات المسؤولة عن الأجهزة الأمنية. وخلافاً للمجال الاجتماعي–الاقتصادي، فالعلاقات بين الشعبين بعيدة المدى، ومعظم المشاريع عالقة. والأمر الشاذ في هذا المجال هو مشروع تشغيل العمال الأردنيين في الفنادق بإيلات، الذين ارتفع عددهم من 500 إلى 2000 عامل خلال السنين، والآن ثمة خطة لتوسيع المشروع إلى البحر الميت.
هذا الوضع يخلق نظرية “البيضة والدجاجة” في العلاقات. كلما تدهور الرأي العام الأردني تجاه إسرائيل سيصعب على الدولة الدفع بمشاريع مشتركة دولية، يمكنها تحسين العلاقات المدنية. الاعتماد الحصري للعلاقات السرية على السلطات، وغياب الاستثمار في “القوة الناعمة” المدنية، قد يضر إذا ما استبدلت القيادة ذات يوم.
الفلسطينيون والسيطرة على منطقة الحرم
ما من شك بأن العنصر رقم واحد في التوتر بين إسرائيل والأردن هو الصراع مع الفلسطينيين. ومن بين أمور أخرى شملها اتفاق السلام في حينه التوقع الأردني بأن حل النزاع سيشمل مستقبلاً قيام كيان فلسطيني مستقل. في المقابل، نظرية “الخيار الأردني” التي دفعت بها منذ 1967 جهات في اليمين الإسرائيلي، والتي تقول بأن الضفة الشرقية هي الوطن القومي للفلسطينيين، تم النظر إليها كتهديد مباشر على استقرار حكم العائلة المالكة الهاشمية، وكلما تجمدت المفاوضات حول حل الدولتين يزداد خوف الأردن.
الضربة القاصمة كانت تصريح نتنياهو نيته ضم غور الأردن ما حدا بالملك عبد الله أن يهاجمه بشدة، وحذر بأن عدم تطبيق حل الدولتين سيؤدي إلى واقع ابرتهايد في إسرائيل. مصادر مطلعة على المحادثات بين الطرفين تعتقد أن الشعب الأردني يفضل السيطرة الأمنية الإسرائيلية على الغور، ولكن “الضم”، بالمفهوم السيادي، موضوع مختلف تماماً.
وثمة عنصر آخر يثير التوتر؛ فجذور الشرعية للعائلة المالكة تمتد في دورها الديني والتاريخي كمسؤولة عن الحرم، ولكنها تضعضعت في السنوات الأخيرة بسبب إسرائيل التي تسمح للحاخامات بالصعود إلى الحرم، واحتكاكها بالفلسطينيين ودخول لاعبين آخرين إلى هذا المجال الحساس، مثل تركيا. وفي هذا الشأن يستمر الخلاف على باب الرحمة. كما أن منظمات يمينية وضعت لنفسها هدف إخلاء المكان، أما الآن فتفضل الحكومة تسوية تمنع الإخلاء العنيف الذي قد يعرض العلاقات مع الأردن للخطر.
جمود العملية السياسية، وتآكل مكانة العائلة المالكة في الحرم، وتعميق السيطرة الإسرائيلية في المناطق، وإعلان الضم أو “الخيار الأردني”، وحتى إبعاد الأردنيين عن النقاشات في “صفقة القرن” الأمريكية، كل ذلك يثقل على العلاقات بين الدولتين. ولكن ثمة أحداث أثرت على هذا، مثل إطلاق حارس إسرائيلي في السفارة الإسرائيلية النار على مواطنين أردنيين لأن أحدهما- حسب شهادة الحارس- هاجمه بمفك، ثم حظي باستقبال حار من قبل نتنياهو. ما تسبب بوقف عمل السفارة قبل أن تعود مجدداً إثر اعتذار إسرائيل عن الحادثة وتعويضها عائلات القتيلين. صحيفة “الغد” الأردنية كتبت بأن إسرائيل دفعت نحو 5 ملايين دولار للعائلات، إضافة إلى تعويض دفع لعائلة القاضي الأردني الذي قتل في جسر اللنبي عام 2014. هذان الحادثان أثرا في الرأي العام الأردني تجاه إسرائيل، وصعبا على السلطات صد الضغوط المتواصلة من جانب المعارضين لاتفاق السلام.
وثمة عنصر آخر، هو عدم الثقة بين الملك عبد الله ونتنياهو. فثمة جهات رفضت التحدث مع “هآرتس” وإعطاء تفاصيل حول المرة الأخيرة التي التقيا بها. لكنها أكدت أن لا قطيعة كاملة بينهما. في آب الماضي، نشرت صحيفة “القدس العربي” بأن الملك رفض طلباً لنتنياهو بالالتقاء، لكن لم تتم المصادقة الرسمية على ذلك.
أما انسحاب أمريكا من الشرق الأوسط فيعد عائقاً آخر أمام العلاقات. فمنذ ثلاث سنوات لم يتم تعيين أي سفير أمريكي في عمان، بل ثمة تهديدات بتقليص المساعدات للأردن، في الوقت الذي يغدق فيه ترامب محبته للسعودية.
هل تعاملنا معهم بما يكفي من الاحترام؟
في النقاش الذي جرى في معهد بحوث الأمن القومي، وصف رئيس الموساد السابق، افرايم هليفي، الذي أجرى اتصالات سرية كثيرة مع الأردن، الشهر الماضي، كيف تم اتخاذ قرار أن أراضي الباقورة والغمر سترجع إلى السيادة الأردنية بعد 25 سنة. “لقد جلسنا على الطاولة مع رئيس مكتب الملك، وتناقشنا فيما إذا كنا سنستأجر لعشر سنوات أو 15 سنة، إلى أن وصلنا في النهاية إلى 25 سنة”.
الوضع البائس جسده وجود جنرالين أردنيين سابقين في النقاشات التي جرت في معهد بحوث الأمن القومي، لقد صمما على عدم ذكر اسميهما خشية أن يعرف الأردن بمشاركتهما. دخلا من جسر اللنبي دون ختم جوازات السفر، وهما ليسا الوحيدين. في ظل غياب تشجيع حكومي، يتجرأ القليل من اللاعبين المدنيين على اجتياز الحدود علناً للدفع قدماً بالحوار. والنجاحات في مجالات معينة، تذكر الطرفين للدفع قدماً بالسلام إلى الـ25 سنة المقبلة.
بقلم: نوعا لنداو
هآرتس 13/10/2019