لندن ـ «القدس العربي»: “لقد بدأ عصر جديد لكرة القدم، مباراة مانشستر سيتي والهلال لا تُنسى حيث شهدت فوزا شهيرا لفريق الهلال ليبلغ ربع نهائي كأس العالم للأندية، إنها حقا بطولة عالمية. تهانينا لفريق الهلال، الفريقان أهدونا مباراة خالدة، فالمشاعر والشغف الذي أظهراه كانا شيئا لا يمكن أن تولده إلا بطولة عالمية شاملة ككأس العالم للأندية”، بهذه الكلمات التي تنبض بالبهجة والتفاؤل بمستقبل أفضل للعبة الشعبة الأولى على هذا الكوكب كرة القدم، أعرب رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جاني إنفانتينو، عن سعادته الغامرة، بما وُصف إعلاميا في كل بقاع المعمورة وفي عالم “السوشيال ميديا” بـ”الانتصار التاريخي”، الذي حققه الهلال السعودي على حساب أنجح الأندية الإنكليزية في آخر 15 عاما وبطل البريميرليغ أربع مرات في آخر خمسة مواسم مانشستر سيتي، في السهرة الصباحية التي احتضنها ملعب “كامبينغ وورلد” في أول ساعات شهر يوليو/تموز الحالي، وانتهت بفوز الزعيم الملكي بأربعة أهداف مقابل ثلاثة لرجال فيلسوف القرن بيب غوارديولا، ليصبح الفريق الوحيد من خارج القارة العجوز وأمريكا الجنوبية، الذي يتمكن من الترشح للدور ربع النهائي لكأس العالم للأندية بنسختها الأولى الموسعة، في واحدة من المفاجآت المزلزلة في البطولة. وبالنسبة للمشجع المحايد، واحدة من أمتع مباريات العام، جنبا إلى جنب مع معركة الإنتر وبرشلونة في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، التي شهدت نفس الإثارة والتشويق والفوضى الكروية القابلة لكل الاحتمالات في نهاية حقبة الميستر سيموني إنزاغي مع أفاعي “جوسيبي مياتزا”، والسؤال الذي راود الجميع طيلة الأسبوع الماضي هو ما أشرنا إليه في العنوان: كيف تحققت هذه المعجزة الكروية؟ وما انعكاسها على المشروع الكروي الاستثنائي في المملكة العربية السعودية؟ هذا ما سنناقشه معا في موضوعنا الأسبوعي.
الشخصية والجودة
كان الاعتقاد السائد قبل توجه طائرة العملاق الهلالي إلى بلاد العم سام، أن الفريق سيشارك في المونديال بحثا عن “التمثيل المشرف”، أو في أحسن التقديرات تجاوز الدور الأول والعودة إلى الرياض بأعلى مكاسب مادية من جوائز الفيفا الضخمة، وذلك بطبيعة الحال بسبب تخبط الموج الأزرق أكثر من أي وقت مضى الموسم المنقضي، وبلغة الساحرة المستديرة، لفشل الفريق المدجج بالنجوم العالمية في تحقيق أبسط توقعات جماهيره العريضة، مكتفيا بمشاهدة عملاقي العاصمة الثانية جدة الاتحاد والأهلي، وهما يسيطران على البطولات المحلية والقارية، بهيمنة “العميد” على الثنائية المحلية دوري روشن وكأس خادم الحرمين الشريفين، وتتويج “الراقي” بدوري أبطال آسيا للنخبة للمرة الأولى في تاريخه، وهو ما عجل بانتهاء قصة الحب مع المدرب البرتغالي جورج جيسوس فور إطلاق صافرة نهاية الموسم، لكن ما ساهم في اتساع دائرة “النبرة التشاؤمية” قبل بداية الحدث العالمي، كان إخفاق مجلس الإدارة في مفاوضاته مع الصفقات الرنانة التي كانت مستهدفة لتعزيز القوة الهجومية للفريق في المونديال، أبرزها محاولة استقطاب المهاجم النيجيري فيكتور أوسيمين من نابولي بعد انتهاء إعارته مع غالطة سراي التركي، وأسماء أخرى بنفس الوزن قيل إنها على طاولة النادي العاصمي لتعويض الجماهير على رحيل الميغا ستار البرازيلي نيمار جونيور في بداية هذا العام، بينما على أرض الواقع، فقد اكتفى النادي بالتوقيع مع عبدالكريم دارسي في صفقة انتقال حر بعد انتهاء عقده مع قلعة الكؤوس، وعلى لاجامي في صفقة غير معلومة من النصر، حتى اختيار الإيطالي سيموني إنزاغي لخلافة جيسوس في سُدّة حكم الزعيم، تسبب في انقسام جماهيري على مواقع التواصل الاجتماعي، ما بين فئة كانت ترفض الفكرة برمتها، لأفكاره الكروية التي ترتكز في المقام الأول على القاعدة الإيطالية الشهيرة “الدفاع خير وسيلة للهجوم”، وأيضا لتجنب ما بداخله من طاقة سلبية بعد موسمه الأخير المأساوي مع الإنتر، الذي ختمه بالإذلال الكبير على يد باريس سان جيرمان في المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا، التي انتهت بخماسية نظيفة لعملاق الليغ1، وسبقها بأسابيع تعد على أصابع اليد الواحدة، خسر لقب كوبا إيطاليا والسيريا آه، وفئة أخرى رفضت إطلاق الأحكام المسبقة على واحد من المفترض أنه يُصنف من أنجح وأفضل المدربين في جنة كرة القدم والقارة العجوز في السنوات القليلة الماضية، ليأتي موعد الاختبار الحقيقي أمام نادي القرن الماضي في أوروبا ريال مدريد، في المباراة الافتتاحية للمجموعة الثامنة، التي أعطت المؤشرات الأولى لمدى جودة وقوة شخصية هذه المجموعة، أو كما وصفنا معا في نفس الزاوية قبل أسبوعين بـ”الأمل العربي الوحيد في المونديال”، وكان هذا بناء على النسخة المهيبة التي بدا عليها الهلال أمام فريق المدرب تشابي ألونسو، مقارنة بالانطباع غير المبشر لباقي الأندية العربية المشاركة في المونديال أمام خصوم أقل طغيانا وهيبة من النادي الميرينغي. وبالنظر إلى أسباب الظهور الهوليوودي للفريق السعودي أمام بطل أوروبا وإسبانيا الموسم قبل الماضي، سنلاحظ أن السبب الرئيسي يكمن في تحطيم أسطورة “الاحترام الزائد على الحد” لاسم وتاريخ المنافس حتى لو كان كبير القوم في أوروبا، وهذا الأمر تجلى في سيطرة الفريق الأزرق على مجريات الأمور في أول نصف ساعة. تلك الفترة التي تعرض خلالها الحارس البلجيكي تيبو كورتوا لسلسلة من الاختبارات الصعبة، بما في ذلك لقطة هدف لودي، الذي لم يُحتسب بداعي التسلل على صاحب الهدف، قبل أن يتنفس مدرب باير ليفركوزن السابق الصعداء، بنجاح فريقه في هز شباك الهلال من أول فرصة على مرمى أسد أطلس ياسين بونو. ولأن كرة القدم علمتنا دائما أن “الحظ لا يبتسم إلا للمجتهدين والمقاتلين داخل المستطيل الأخضر”، جاء هدف التعادل السريع عن طريق ركلة الجزاء التي تسبب فيها الساحر السعودي سالم الدوسري ونفذها بنجاح البرتغالي روبن نيفيز في شباك أفضل حارس في العالم سابقا، وحتى عندما استفاق الريال في الشوط الثاني، وجد صعوبة بالغة في اختراق الدفاع الهلالي، باستثناء ركلة الجزاء المثيرة للجدل التي احتسبها الحكم في نهاية المباراة، وتمكن بونو من التصدي لها في حواره المباشر مع فيد فالفيردي، كأفضل دفعة معنوية تحصل عليها الزعيم قبل استكمال مرحلة المجموعات، والأهم ملاحظة بصمة المدرب الجديد في الشق الدفاعي، بقدرة الخط الخلفي على تحمل الضغوط، مقارنة بالوضعية المأساوية التي كان عليها في نهاية حقبة المدرب السابق.
التحديات والعمق
بالرغم من نجاح الهلال في تحقيق الهدف الرئيسي المنشود، بمرافقة الريال إلى مراحل خروج المغلوب بعد التعادل مع سالزبورغ والفوز على باتشوكا المكسيكي بثنائية نظيفة، إلا أن أغلب المؤشرات والتوقعات كانت ترجح سيناريو خروجه السريع أمام السكاي بلوز في ملحمة دور الـ16، وهذه المرة لصعوبة تعويض الغيابات المؤثرة في المباراة، وفي مقدمتهم نجم الفريق منذ وصوله من فولهام ألكسندر ميتروفيتش، والجناح الزئبقي العالمي سالم الدوسري ومواطنه حسان تمبكتي، بخلاف الشكوك وعلامات الاستفهام الكثيرة حول المخزون البدني للاعبين في الشوط الثاني في كل المباريات. لكن ما حدث داخل المستطيل الأخضر، فاق كل التوقعات، ليس فقط لعدم تأثر المجموعة بتلك الغيابات، بل لظهور الفريق بصورة الوحش الكاسر، الذي لا يهاب اسم المان سيتي ولا مشروعه الطموح مع بيب غوارديولا، بعد الملايين التي أنفقها النادي الإنكليزي لتجديد دماء السيتي منذ يناير/كانون الثاني الماضي وحتى الصفقات الصيفية الأخيرة الرنانة، وهذا يرجع إلى دور المدرب الإيطالي في عملية التحضير النفسي والذهني والبدني للاعبين قبل المباراة، إلى جانب تمرسه على مواجهة غوارديولا بشكل شخصي، أو بعبارة أخرى أكثر صراحة، لقدرته على التعامل مع أفكار الفيلسوف الكتالوني، كما أثبت في أول مواجهة مباشرة بينهما في نهائي دوري الأبطال العام قبل الماضي، تلك السهرة التي أهدر خلالها لاعبو الإنتر ما لا يقل عن 3 أهداف محققة بنسبة 100%، قبل أن يفعلها رودري، بتسجيل هدف تتويج السيتيزنز بالأبطال، ونفس الأمر تكرر في مواجهة الدور الأول للأبطال هذا الموسم، حيث دامت الأفضلية للفريق الإيطالي في أغلب أوقات الـ90 دقيقة، لكن غياب التوفيق في اللمسة الأخيرة أمام المرمى، تسبب في انتهاء المباراة بالتعادل السلبي، ما يعني بشكل أو آخر، أن الفريق الهلالي كان محظوظا بما فيه الكفاية، بوجود إنزاغي في هذا الموعد الاستثنائي، كمدرب يعرف جيدا من أين تؤكل الكتف في المناسبات العالمية، وفي نفس الوقت كان لديه ثأر شخصي مع المدرب الكتالوني، وقبل هذا وذاك، يتسلح بمجموعة من المحترفين الأجانب الذين لا يقلون جودة وكفاءة عن نجوم الفرق المتوسطة في الدوريات الأوروبية الكبرى، أو على مقاعد بدلاء أندية الصفوة، والحديث عن الحارس المغربي المميز ياسين بونو، ومدافع نابولي وتشلسي السابق خاليدو كوليبالي، وظهير السيتي وبرشلونة سابقا جواو كانسيلو، والمايسترو البرتغالي روبن نيفيز، والصربي المتألق سيرجي ميلينكوفيتش سافيتش وجناح برشلونة الأسبق مالكوم جنبا إلى جنب مع باقي الوافدين من البرازيل وأمريكا الجنوبية، وما فعله إنزاغي، أنه قام بدوره المطلوب على أكمل وجه، بإخراج أفضل ما لدى هؤلاء اللاعبين، منها تجاوز إشكالية الغيابات التي أثارت المخاوف قبل المباراة، ومنها أيضا نجح في نسف فارق الجودة مع المنافس المدجج بكوكبة من أفضل النجوم والمواعب الشابة في إنكلترا وأوروبا في الوقت الحالي.
ولا ننسى القراءة الجيدة للمدرب الإيطالي، بتغيير شكل الخطة أو طريقة اللعب من 3 مدافعين في الخط الخلفي، إلى 5 مدافعين دفعة واحدة، متمثلة في الخماسي جواو كانسيلو وخاليدو كوليبالي وروبن نيفيز ورينان لودي ومتعب الحربي، وهذا بطبيعة الحال، لمنع الهواء على مفاتيح لعب السيتي من العمق، والإشارة إلى الثلاثي إلكاي غندوغان، وبيرناردو سيلفا والوافد الجديد تيغاني رايندرز، بجانب التشديد على البرازيلي مالكوم بضرورة العودة إلى الثلث الأول من الملعب، لتقديم الدعم المطلوب لكانسيلو في مباراته الخاصة مع البلجيكي المراوغ جيريمي دوكو، لكن بمجرد أن خطف السيتي الأسبقية بهدف أقل ما يُقال عنه “مثير للجدل”، تحرر الفريق الهلالي شيئا فشيئا، ومع الوقت تخلى عن تحفظه الدفاعي، معتمدا على سلاح التحولات السريعة “الخاطفة”، بتارة خروج نموذجي بالكرة على الأطراف، لضرب الدفاع السماوي المتقدم، كما شن كانسيلو، تلك الغارة التي أسفرت عن هدف التعادل، ونفس الأمر في هدف مالكوم الثاني، بتمريرة حريرية من الثلث الأوسط، على إثرها انفرد الجناح البرازيلي بمواطنه إيدرسون من منتصف الملعب، ليغالطه بتسديدة أرضية في أقصى الزاوية اليسرى، في لقطة كربونية لأكثر من هدف سجله مواطنه رافينيا مع برشلونة في الموسم الأخير، هذا ولم نتحدث عن التألق اللافت لبعض المحترفين المحليين، في مقدمتهم رجل التحولات من الجهة اليسرى متعب الحربي، الذي لعب دورا مركبا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، الأول القيام بدوره الرئيسي كواحد من خماسي الدفاعي، والثاني حمل لواء الانطلاقات الخاطفة من نفس الجهة، ومعه علي لاجامي الذي تحدى الاتهامات التي طالته بارتكاب أخطاء كارثية مع النصر، ليقدم لقطة إنقاذ تاريخية لن ينساها عشاق الهلال، بعد إبعاد تسديدة هالاند من خط المرمى ونتيجة المباراة كانت تشير إلى التعادل بهدفين في كل شبكة، حتى المنبوذ البرازيلي ماركوس ليوناردو، الذي نال نصيب الأسد من الانتقادات في مباريات الفريق في الدور الأول، بصم هو الآخر على مباراة للتاريخ، بتوقيعه على رابع أهداف الزعيم، كأفضل رد عملي على المشككين في قدراته وموهبته التهديفية، ولو أنه بوجه عام، كانت مباراة مثالية لكل عناصر الفريق الهلالي، بداية من حامي العرين ياسين بونو، الذي ظهرت قيمته في فترة ما بعد التأخر بهدف بيرناردو سيلفا، بسلسلة من التصديات الصعبة، منها لقطة مستوحاة من عبقرية الحارس الأيقوني رعد في مسلسل الكارتون الشهير “كابتن تسوباسا” (كابتن ماجد)، في انفراده الصريح مع البرازيلي سافينو على حدود منطقة الست ياردات، وهذا ما أعطى كوليبالي وباقي المدافعين الحافز أو الدافع المطلوب، لمواصلة القتال أمام هالاند ورفاقه حتى الدقيقة 120، وبالتبعية يفسر أسباب الانتفاضة المفاجئة للهلال في الشوط الثاني وباقي الأشواط الإضافية، بفرض الأسبقية في كل مرة على منافسه الإنكليزي، إلى أن وضع حدا لهذا المسلسل، بتسجيل هدف المعجزة الرابع في الأشواط الإضافية، وذلك على عكس أغلب التوقعات، بأن عملاق الكرة السعودية والآسيوية، عادة ما يُعاني من مشاكل بدنية في الشوط الثاني، أو كما كان يتردد على نطاق واسع، بأن الفريق يكتفي بتقديم أفضل ما لديه في أول 45 دقيقة.
ماذا بعد؟
من تابع ردود الأفعال في الصحف والمواقع الرياضية البريطانية، لوحظ أن هناك ما يُمكن وصفه بشبه إجماع، على أن هذا الفوز التاريخي، لم يتحقق بضربة حظ أو من قبيل الصدفة، بل نتيجة الخطط الطموحة والاستثمارات الضخمة على الرياضة بوجه عام وكرة القدم بالأخص في السعودية، وذلك منذ أن أعلنت الدولة عن رؤيتها للبلاد في العام 2030، ذاك المشروع الذي يهدف إلى تنويع اقتصاد المملكة وترسيخ سمعتها كمركز سياحي وموطن للرياضة النخبوية، بعد عقود من الإنغلاق والاعتماد على عوائد بيع النفط، وكانت البداية بتنظيم سباقات الفورمولا-1، ثم بأكبر الأحداث العالمية في لعبة الملاكمة، وتبعها منافسات عالمية في لعبة الغولف، قبل أن يأتي الدور على كرة القدم، باستضافة أحداث بوزن الكأس السوبر الإيطالية والإسبانية وكأس العالم للأندية بالنظام القديم، واكتملت بالانتقال إلى المرحلة التالية والأخيرة، باستحواذ صندوق الاستثمارات العامة على الرباعي الكبير في البلاد الهلال والنصر والاتحاد والأهلي، وحدث ذلك بعد ستة أشهر من نجاح “العالمي” في إتمام صفقة القرن في البلاد والشرق الأوسط، بالحصول على توقيع ملك كرة القدم وهدافها الأول في كل العصور كريستيانو رونالدو، بعد فسخ عقده مع مانشستر يونايتد مطلع العام 2023، وهو نفس العام الذي شهد أكبر عملية نزوح جماعي لنجوم الدوريات الأوروبية الكبرى إلى جنة كرة القدم الجديدة في منطقة الخليج، على غرار انتقال كريم بنزيمة إلى الاتحاد، ورياض محرز إلى الأهلي، وساديو ماني بجانب الدون في النصر، ونيمار وباقي النجوم الحاليين في الهلال، وهو ما فتح الباب على مصراعيه أمام وسائل الإعلام الغربية، للتشكيك في نجاح هذه التجربة، التي كانت تُقارن حتى وقت قصير بالتجربة الصينية التي لم تصمد طويلا في منتصف العقد الماضي، أو كما تقول صحيفة “الغارديان”، كان الدوري السعودي للمحترفين يُنظر إليه على أنه وجهة للمتقاعدين أو الجشعين أو غير الطموحين، قبل أن تستيقظ كرة القدم الأوروبية من سباتها العميق، لتواجه جانبا جديدا من الكرة السعودية، بدأت بوقف الحاجز النفسي للفرق الأوروبية على نظيرتها الآسيوية في كل المواجهات المباشرة، عندما تعادل الموج الأزرق أمام الريال، ثم بالفوز المظفر على حساب مانشستر سيتي، دليلا على جدية المسؤولين وأصحاب القرار في المملكة، في وضع الدوري المحلي والكرة السعودية بوجه عام، على قدم المساواة مع بلدان أكبر 5 دوريات في العالم.
ولنا أن نتخيل أن هذا الإنجاز تحقق بعد عامين فقط على بدء تدفقات صندوق الاستثمارات على الهلال وباقي عمالقة الدوري، بما في ذلك تواجد 3 فرق سعودية في المربع الذهبي لدوري أبطال أوروبا للنخبة، في انعكاس واضح على الفجوة التي اتسعت أكثر من أي وقت مضى بين الأندية السعودية وباقي الأندية العربية والآسيوية، وفي نفس الوقت، تظهر أن الفجوة مع أعتى الأندية الأوروبية لم تعد واسعة كما كان يُعتقد في السنوات القليلة الماضية، على الأقل منذ ظهور الهلال بشخصية جريئة حين هُزم أمام ريال مدريد بنتيجة 5-3 في نهائي كأس العالم للأندية قبل 3 سنوات، وذلك قبل دخول صندوق الاستثمار على الخط، جنبا إلى جنب مع مؤسسة رجل الأعمال الوليد بن طلال، التي تملك 25% من أسهم النادي، ليبدأ عصر الزعيم وباقي كبار السعودية الجديد، بالتزامن مع ظهور قيمة وأهمية الصفقات العالمية التي جاءت من البريميرليغ والدوريات الكبرى، لتعطي تلك الإضافة الهائلة لمستوى الكرة والدوري المحلي، ردا على الحملات الغربية التي طالت جُل الأسماء اللامعة التي فَضلت الهجرة من أوروبا إلى دوري روشن، أو كما قال سيرغي ميلينكوفيتش سافيتش في حديثه مع وسائل الإعلام بعد المباراة: “لنرى الآن إذا كانوا سينتقدوننا، أريناهم أن الأمر ليس كما يتحدثون عن الدوري السعودي، لقد أثبتنا ذلك أمام ريال مدريد وسالزبورغ وباتشوكا، والليلة (الإثنين) أيضا. وآمل أن نستمر في إثبات ذلك”، وهي وجهة النظر التي أيدها زميله البرازيلي ماركوس ليوناردو، الذي لم يسلم هو الآخر من نيران الانتقادات، بسبب قراره بالتخلي عن مكانه في بنفيكا البرتغالي من أجل اللعب مع الهلال وهو في بداية العشرينات، حيث قال: “هذا الفوز يُظهر أن من يلعب في السعودية لا يختبئ من التحديات، ولا يتهرب من كرة القدم. هناك لاعبون كبار، وأنا سعيد جدا بما تحقق اليوم”، وكل ما سبق، يعني أنه في المرة القادمة التي سينتقل فيها لاعب كبير إلى البلد الذي سينظم مونديال 2034، سيكون من الصعب للغاية عن الجشع وضعف الطموح وأمور أخرى من هذا القبيل، بل سنلاحظ أن الأندية السعودية، لن تكون مضطرة أو مجبرة على دفع أضعاف رواتب نجوم الصف الأول في أوروبا لإقناعها باللعب في دوري روشن، مثلما حدث مع مانشستر سيتي في بداية عهده مع الإدارة الإماراتية، حيث اضطر لإنفاق الغالي والنفيس في نهاية العقد قبل الماضي لتشجيع اللاعبين الكبار على ارتداء القميص السماوي، ثم بعد ذلك تحول إلى أنجح مشروع كروي في المملكة المتحدة، وأيضا مع باريس سان جيرمان، الذي سار على نهج السيتي هناك في الدوري الفرنسي، إلى أن أصبح ما نشاهده الآن بدون استعراض في الإنفاق، هذه تقريبا أكبر مكاسب المملكة ورسائلها بعد حملات التشكيك في مشروع الارتقاء بالدوري المحلي وتأثير الصفقات العالمية على الكرة ومستوى الأندية، وهذا بطبيعة الحال بعيدا عن أي جدال سياسي وقضايا حقوق الإنسان وما يتردد على نطاق واسع عن الغسيل السعودي الأخضر لتحسين سمعة البلاد عالميا.