كيف تحول إسرائيل محاولات إيران جرها لحرب متعددة الجبهات إلى سهم مرتد؟

حجم الخط
3

في ظل التوتر والتدهور في الجنوب، تمارس إيران ضغطاً على حماس (وربما أيضاً على “حزب الله”) للرد بحدة وجباية ثمن على العملية الإسرائيلية تجاه “الجهاد الإسلامي” في غزة. هذا جزء من الجهد الإيراني المتواصل لجر إسرائيل إلى معركة متعددة الجبهات، بينما تبقى إيران نفسها خارج دائرة المواجهة بشكل مباشر، في هذه المرحلة على الأقل.
تستمر إيران في خرق الاتفاقات التي وقعت عليها؛ فهي تمس بحقوق الإنسان بالجمهورية الإسلامية، وتدعم روسيا في حربها ضد أوكرانيا، وتحسن العلاقات مع السعودية وسوريا، وتمول منظمات الإرهاب في أرجاء العالم بعامة وإسرائيل بخاصة. رغم كل هذا، لا يزال في الولايات المتحدة من يتجرأ على أن طرح أفكار عن صفقة نووية جزئية.
كتب الكثير عن العبث الذي في صفقة نووي كهذه، ومع أن مثل هذا الاتفاق قد يحقق للغرب مهلة بضعة أسابيع أو أشهر في وصول إيران لمادة مشعة للقنبلة، وبالتوازي تخفيف عقوبات يتيح للنظام إعادة البناء الاقتصادي ومواصلة تمويل ودعم الإرهاب، ربما يعمل الإيرانيون (مرة أخرى) عن إسرائيل فيرفضون الصفقة. سيصعب على إسرائيل أن تهاجم وحدها في ظل اتفاق توقع عليه القوى العظمى، بما فيها الولايات المتحدة.
تغيير الفكر
لا شك أن إيران وقفت جزئياً على الأقل خلف الهجمات الأخيرة على إسرائيل بواسطة حماس و”حزب الله”، وهي تدفع نحو مواجهة في خمس ساحات – لبنان، وسوريا، وغزة، والضفة، والقدس.
هذا هو وقت تحقيق التغيير في مفهوم الأمن الذي بادر إليه نتنياهو في عامي 2017 – 2018، والمعاقبة ليس فقط لأولئك الذين يهاجمون إسرائيل، مثلما فعل الجيش و”الشاباك” في الأيام الأخيرة تجاه “الجهاد الإسلامي” في غزة، بل أيضاً الذين يمولونهم ويبعثونهم ويتوقعون البقاء محصنين – أي إيران. العقاب ليس ملزماً أن يأتي ما يدهور المنطقة إلى حرب شاملة. ثمة طرق كثيرة لمعاقبة وإضعاف إيران بشكل غير مباشر، بما في ذلك من الداخل من خلال دعم المتظاهرين.
المعركة تجاه إيران ستصل أغلب الظن إلى مواجهة مباشرة وواسعة في السنوات القادمة. فهي ملزمة بالاستعداد بحكمة ومعرفة كيف تستغل مواجهات محلية، القسم الأكبر منها إيران التي تبادر إليها وتشجعها، وكذا مواجهات داخلية في إيران كأداة لإضعاف النظام قبيل المواجهة الواسعة.
تعنى إيران بالاستعداد لمواجهة طويلة السنين. إحدى القواعد المركزية في العقيدة الإيرانية هي البناء حول إسرائيل لقدرات مكثفة من السلاح والمقاتلين بحيث تنضم عند الحاجة إلى الجهد العام.
الشمال، الجنوب، الضفة والقدس
في هذه الأثناء، تبني إيران “حزب الله” في لبنان كقوة مركزية للمواجهة المستقبلية. فقد سلحت التنظيم بمئات آلاف الصواريخ لمديات مختلفة، بسلاح مضاد للدروع، وبمسيرات، وقدرات استخبارية ووسائل أخرى. من شأن السلاح الدقيق أن يشكل سلاحاً محطماً للتعادل في معركة مستقبلية، ولهذا فإن إسرائيل تدير معركة متواصلة وواسعة لمنع التهديد أو لتقليصه، كجزء من المعركة بين الحروب.
في سوريا تحاول إيران في السنوات الأخيرة، برعاية الحرب الأهلية ومساعدة نظام الأسد، بناء قدرات موازية لتلك التي تبنى في لبنان. تحاول طهران التموضع في سوريا من خلال بناء قوة عسكرية ذات مغزى تقوم على أساس مليشيات شيعية، من خلال توريد وإنتاج السلاح الدقيق للقوات في سوريا ولـ “حزب الله” في لبنان.
تسلح إيران جيش سوريا بسلاح متطور بدلاً من السلاح الذي استخدمته في الحرب الأهلية والسلاح الذي دمر بالهجمات الإسرائيلية. بل وبدأت الجمهورية الإسلامية مؤخراً بتسليح السوريين بمنظومات دفاع جوية، وذلك كبديل عن المنظومات الروسية التي نقلت إلى أوكرانيا.
في غزة والضفة تدعم إيران حماس والجهاد الإسلامي بشكل مكثف ومتواصل بسلاح متطور وميزانية جارية وتشجعهما على مهاجمة إسرائيل.
عندما تغضب إيران على “حزب الله”
بعض من القدرات التي تبنيها إيران وإن كانت مخصصة للقتال الجاري، إلا أن القسم الأكبر منها مخصص لدعم المواجهة المستقبلية ضد إسرائيل. هذا هو السبب الذي يجعل الإيرانيين يغضبون أحياناً على “حزب الله” عندما يستهلك في المواجهة مع إسرائيل، وليس بالتنسيق مع إيران، بعضاً من السلاح المتطور الذي أرسل لأغراض أخرى.
إسرائيل ملزمة بأن “تستغل” المواجهات الإقليمية كي تضرب مساعي التموضع الإيرانية وخاصة مخزونات السلاح وقدرات الإنتاج والتحويل التي بنيت من أجل منع هذه القدرات من استخدامات المستقبل. يجب أن يكون التشديد تجاه المخازن ومعامل السلاح الدقيق التي بنيت في لبنان، ولكن تجاه سوريا وغزة أيضاً.
بالتوازي، على إسرائيل أن تمنع عن إيران، اقتصادياً وعملياً، إعادة تسليح قواتها بعد أن تضرب مخازن السلاح وقدرات التحويل والإنتاج.
من أجل عمل ذلك بنجاعة قصوى، على إسرائيل أن تضغط على واشنطن، بالتنسيق مع دول الخليج، لمعالجة ثلاثة عناصر البرنامج النووي الإيراني: المادة المشعة، وتطوير منظومة السلاح (الذي أصبح الآن الجهد المركزي) ووسائل حملها، بالتوازي مع خلق ضغط اقتصادي أقصى وتهديد عسكري مصداق على إيران.
كله إلا اتفاق نووي
صفقة نووية ضعيفة ستطلق إشارات مغلوطة لإيران (وللأسواق) بأن الغرب سيوافق على كل ما فعلته وتفعله. في مثل هذه الحالة، ستبقى إسرائيل وحدها وسيصعب عليها مهاجمة البرنامج النووي في ظل الاتفاق. كما أن كل اتفاق مهما كان، سيضخ مليارات الدولارات لإيران وسيرمم اقتصادها ويسمح لها بتسليح قواتها في المنطقة وسيقلل نجاعة الأعمال الإسرائيلية لتدميرها.
هذا هو وقت تغيير التفكير وأخذ المبادرة مثلما جرى في الماضي وفي الآونة الأخيرة في غزة. يجب بناء فكر وخطة “لصنع الليمونادة من الليمون”. وذلك من خلال جعل المحاولات الإيرانية لدفع إسرائيل إلى معركة متعددة الجبهات إلى سهم مرتد عليهم، وإلى ضربة شديدة لجهودهم بالتموضع في المنطقة وتسليح المنظمات المختلفة حول إسرائيل والتي ستشكل جبهة أخرى في مواجهة مستقبلية مع إيران.
تغيير الفكر سيعزز مكانة إسرائيل في المنطقة، بما في ذلك جهود تطبيع العلاقات مع السعودية، رغم الاتفاقات التي وقعتها مؤخراً مع إيران برعاية صينية.
يعقوب نيغل
إسرائيل اليوم 12/5/2023

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية